توصل باحثون من جامعتي دريكسل الأميركية وسيول الوطنية في كوريا الجنوبية، إلى تقنية جديدة قد تغير مستقبل الشاشات المرنة والتقنيات القابلة للارتداء، تتمثل في تطوير صمامات ثنائية عضوية باعثة للضوء (OLED) مرنة وقابلة للتمدد، تحافظ على كفاءتها الضوئية حتى مع الثني والشد المتكرر.
وأفادت الدراسة التي نشرتها دورية Nature بأن التقنية الجديدة خطوة مهمة نحو استخدام شاشات OLED في تطبيقات جديدة تتجاوز الهواتف الذكية والشاشات المنحنية، لتشمل مجالات مثل المستشعرات القابلة للارتداء على الجلد، والتي يمكنها عرض تغيرات فورية في درجة الحرارة، وتدفق الدم، والضغط، ما يفتح آفاقاً واسعة أمام تقنيات الرعاية الصحية الرقمية والاتصال المباشر بالجسم البشري.
ويعتمد الابتكار الجديد على دمج طبقة بوليمرية فوسفورية مرنة مع أقطاب كهربائية شفافة مصنوعة من مادة نانوية متقدمة تعرف باسم “الماكسينات” وهي مادة ثنائية الأبعاد عالية التوصيل طورت لأول مرة في جامعة دريكسل عام 2011.
ونجح هذا الدمج في إنتاج شاشة OLED يمكن تمديدها حتى 1.6 مرة من حجمها الأصلي، مع الحفاظ على معظم شدة الإضاءة، وهو إنجاز غير مسبوق مقارنة بالتقنيات الحالية.
أقطاب جديدة
قال المؤلف المشارك في الدراسة، يوري جوجوتسي، أستاذ الهندسة في جامعة دريكسل، إن التقنية تعالج مشكلة مزمنة واجهت تطوير شاشات OLED المرنة، والمتمثلة في تراجع شدة الإضاءة مع تكرار الثني والتمدد.
وأوضح أن التقدم في هذا المجال شهد تباطؤا خلال العقد الماضي، بسبب القيود التي تفرضها الطبقات الموصلة الشفافة، والتي كانت تحد من قابلية الشاشات للتمدد وتعرضها للتلف مع الاستخدام المتكرر.
وتعمل شاشات OLED على إنتاج الضوء عبر عملية تعرف بالإضاءة الكهربائية، إذ يؤدي مرور التيار إلى تحرك الشحنات الكهربائية الموجبة والسالبة بين الأقطاب عبر طبقة عضوية، وعند اتحادها يتولد الضوء.
ورغم أن الشاشات المرنة شهدت عمليات تطوير متكررة منذ التسعينيات وجرى دمجها تجارياً في أجهزة قابلة للطي وشاشات منحنية، إلا أن أداءها كان يتدهور بمرور الوقت بسبب هشاشة المواد المستخدمة في الأقطاب والطبقات العضوية.
وأشار المؤلف المشارك في الدراسة، دانجن تشانج، إلى أن منح المواد الموصلة مرونة كافية غالباً ما يتطلب دمجها مع بوليمرات عازلة، ما يضعف انتقال الشحنات ويقلل من شدة الإضاءة.
وقال إن المواد التقليدية المستخدمة في الأقطاب تصبح أكثر هشاشة مع التمدد المتكرر، وهو ما جرى تجاوزه في الدراسة باستخدام أقطاب مرنة قائمة على مادة “الماكسينات”، وتتمتع بمتانة ميكانيكية عالية وقدرة على ضبط خصائصها الكهربائية لضمان كفاءة نقل الشحنات.
خصائص استثنائية
اعتمد الباحثون في التقنية الجديدة على طبقة عضوية مبتكرة أطلقوا عليها اسم “الطبقة الفوسفورية المدعومة بالإكسـيبلكس” وهي مادة مرنة بطبيعتها، تسمح بزيادة معدل اتحاد الشحنات وتكوين الجسيمات المسؤولة عن إنتاج الضوء.
ونجحت هذه الطبقة في تحويل أكثر من 57% من الشحنات إلى ضوء، مقارنة بنسبة لا تتجاوز 12 إلى 22% في المواد المستخدمة حالياً في شاشات OLED التقليدية.
ولتعزيز قابلية التمدد، أضاف الباحثون مادة مطاطية خاصة إلى هذه الطبقة، كما طوروا أقطاباً شفافة ومرنة عالية التوصيل من خلال الجمع بين مادة “الماكسينات” وأسلاك فضية نانوية.
وأسهم هذا التركيب في تكوين شبكة فعالة لنقل الشحنات، تضمن وصولها بكفاءة إلى الطبقة المنتجة للضوء، ما يساعد الشاشة على الحفاظ على أدائها حتى أثناء الثني والتمدد.
وأكد جوجوتسي أن الخصائص الاستثنائية لمادة “الماكسينات” من حيث التوصيل العالي والبنية الطبقية تجعلها خياراً مثالياً لأقطاب شاشات OLED المرنة، مشيراً إلى أن دمجها في هذه التقنية يمثل امتداداً طبيعياً للأبحاث السابقة التي أثبتت فعاليتها في تطبيقات متعددة.
نماذج مرنة
وخلال التجارب العملية، نجح الباحثون في تصنيع شاشات OLED مرنة بأشكال مختلفة، من بينها نموذج على شكل قلب وآخر يعرض أرقاماً، كما طورت جامعة سيول الوطنية شاشة ملونة بالكامل وقابلة للتمدد باستخدام عدة مواد باعثة للضوء.
وأظهرت الاختبارات أن أداء الشاشات انخفض بنسبة لا تتجاوز 10.6% عند تمديدها إلى 60% من أقصى قدرتها، كما احتفظت بنسبة 83% من كفاءتها الضوئية بعد 100 دورة من الشد المتكرر، وهو تحسن كبير مقارنة بالتقنيات السابقة.
واعتبر المؤلف المشارك في الدراسة، تنج تشانج، أن هذا النجاح يمهد الطريق أمام جيل جديد من الأجهزة الإلكترونية المرنة وعالية الكفاءة، متوقعاً أن تلعب هذه التقنية دوراً محورياً في تطوير شاشات قابلة للتشوه، وأجهزة اتصال قابلة للارتداء، وأنظمة مراقبة صحية تعمل في الزمن الحقيقي.
وأشار الباحثون إلى أن الخطوات البحثية القادمة، ربما تشمل اختبار مواد مختلفة للركائز المرنة، وضبط الطبقات العضوية لإنتاج ألوان متعددة وشدة إضاءة متنوعة، إضافة إلى تبسيط عمليات التصنيع، بما يسهم في تسريع انتقال هذه التقنية من المختبر إلى التطبيقات التجارية الواسعة.
