تهديدات ترمب تدفع ستارمر نحو أجندة عسكرية عالمية

وصل رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، إلى السلطة متعهداً برفع مستويات المعيشة وتنمية الاقتصاد، لكنه يواجه الآن أولوية ملحة ومختلفة تماماً تتمثل في الحفاظ على أمن أوروبا في ظل نظام عالمي مضطرب بفعل سياسات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وفق “بلومبرغ”.
وقالت “بلومبرغ”، الأربعاء، إن التزام ستارمر برفع الإنفاق الدفاعي إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، ثم إلى 3% خلال العقد المقبل عبر خفض ميزانية المساعدات يمثل أحدث تداعيات “الصدمة” التي أحدثها رفض ترمب الواضح أن تكون الولايات المتحدة “الضامن النهائي” للأمن في أوروبا.
وقال ستارمر في مؤتمر صحافي من داونينج ستريت، الثلاثاء: “أعتقد أنه يجب علينا الآن تغيير نهجنا في الأمن القومي لنكون مستعدين لمواجهة تحديات عالمنا المضطرب”، مؤكداً أن التصريحات الأميركية والإجراءات التي اتُخذت خلال الأسابيع الأخيرة في الولايات المتحدة “سرّعت” قراره بزيادة الإنفاق العسكري.
وأضاف ستارمر: “الطغاة أمثال (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين لا يستجيبون إلا للقوة”.
وذكرت “بلومبرغ” أن إعلان بريطانيا عن خططها الجديدة للإنفاق يأتي في “مرحلة دبلوماسية حاسمة” بالنسبة لستارمر، الذي من المقرر أن يجري محادثات في البيت الأبيض، الخميس، بعد لقاء ثنائي مماثل بين ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وقال ترمب إنه يتوقع أن تنفق الدول الأوروبية في حلف شمال الأطلسي (الناتو) 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على قواتها المسلحة. وتأمل الحكومة البريطانية أن يُنظر إلى التزامها التمويلي الأخير على أنه إشارة لترمب بأن بريطانيا “تُصغي”، حسبما ذكرت “بلومبرغ”.
وقال ستارمر في المؤتمر الصحافي: “الرئيس ترمب يعتقد أنه ينبغي علينا فعل المزيد، وأنا أوافقه الرأي”.
وفي مؤشر مشجع لبريطانيا، أجرى وزير الدفاع البريطاني، جون هيلي، محادثات مع نظيره الأميركي بيت هيجسيث بعد إعلان زيادة الإنفاق الدفاعي، حيث وصف هيجسيث الخطوة في بيان على “إكس” بأنها “خطوة قوية”.
وأوردت “بلومبرغ” أن ستارمر يأمل في استغلال محادثاته مع ترمب لإعادته إلى صف الحلفاء، بعد أن أثارت الولايات المتحدة قلقاً في أوروبا بإجرائها محادثات مباشرة مع روسيا بشأن اتفاق سلام محتمل.
وفي وقت لاحق، وصف ترمب الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، بـ”الديكتاتور”، بينما رفض استخدام الوصف نفسه مع بوتين، كما امتنعت الولايات المتحدة عن دعم قرار أممي يدين الغزو الروسي.
وعن اجتماعه المرتقب مع ترمب، قال ستارمر: “سأذهب لبناء هذه العلاقة والارتقاء بها من قوة إلى قوة”. وأضاف أن: “الولايات المتحدة هي أهم تحالف لنا”.
وذكرت الوكالة أن التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا وضعت ستارمر في “موقف صعب”، لكنها تمنحه أيضاً فرصة ليصبح “شخصية سياسية بارزة” على الساحة الدولية.
“خطأ تاريخي”
وأكد ستارمر، الثلاثاء، تقريراً لـ”بلومبرغ” أفاد بأنه سيستضيف محادثات بين القادة الأوروبيين نهاية الأسبوع الجاري بعد عودته من واشنطن. لكن النهج الحذر والودي الذي تتبعه حكومته تجاه إدارة ترمب أثار غضباً، لا سيما داخل الأوساط اليسارية في حزب العمال وبعض السياسيين المعارضين.
وقال زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي، إد ديفي، خلال المناقشة البرلمانية التي أعقبت تصريح ستارمر: “ربما نشاهد بأعيننا خيانة أميركا لحلفائنا الأوكرانيين، ومعها احتمال خيانة أوروبا وبريطانيا أيضاً”.
وأضاف أن موقف ترمب يعني أن على المملكة المتحدة الوصول إلى إنفاق دفاعي بنسبة 3% “في أسرع وقت ممكن”.
وأصر ستارمر على أن الاختيار بين الولايات المتحدة وأوروبا سيكون “خطأً تاريخياً”، وفق “بلومبرغ”.
وترى الوكالة أن تزايد ميزانية بريطانيا للدفاع يعكس إدراكاً أوسع عبر القارة بأنه في حال تعذر إقناع الولايات المتحدة بتوفير ضمان أمني لأي تسوية سلام محتملة في أوكرانيا، فسيقع العبء على الدول الأوروبية نفسها لردع بوتين عن شن هجوم جديد.
وفي وقت سابق، قال ستارمر إن بريطانيا ستكون مستعدة لنشر قوات حفظ سلام إذا لزم الأمر، لكنه شدد مراراً على أن وجود ضمانات أميركية ضروري لتحقيق سلام مستقر.
وقالت أوليفيا أوسوليفان، مديرة برنامج “المملكة المتحدة في العالم” بمركز تشاتام هاوس البحثي، للوكالة: “هذه لحظة حاسمة للغاية نظراً للإشارة الواضحة التي أرسلتها الولايات المتحدة بشأن عدم رغبتها في لعب الدور نفسه في أمن أوروبا”.
وأضافت: “رئيس الوزراء يواجه خيارات صعبة”.
“تحول ملحوظ”
وقالت “بلومبرغ” إن التركيز على الدفاع والحفاظ على السلام في أوروبا يشكلان تحولاً ملحوظاً في نهج ستارمر، الذي ركز في السابق على تحسين حياة المواطنين وتعزيز الاقتصاد البريطاني من خلال مبادرات مثل الإنفاق على البنية التحتية والاستثمار في الطاقة النظيفة.
وأضافت أن الاضطراب الجيوسياسي الذي أثاره ترمب أبعد هذه الأجندة عن مسارها، ما دفع المملكة المتحدة إلى زيادة الإنفاق العسكري في وقت تعاني فيه ماليتها العامة من الهشاشة ونموها الاقتصادي من التباطؤ.
لكن ستارمر أكد أن هذا الإنفاق سيساعد الاقتصاد البريطاني، واصفاً إياه بفرصة “لإعادة بناء القاعدة الصناعية لبريطانيا”.
وقال: “سنتأكد من أن هذا الاستثمار يخلق أقصى قدر ممكن من فرص العمل، والنمو، والمهارات، والابتكار في بريطانيا”، مضيفاً: “هذا أمر جوهري للأمن القومي أيضاً”.
وأوضحت الوكالة أن ستارمر سيمول زيادة الإنفاق الدفاعي عبر خفض مباشر في ميزانية المساعدات الخارجية، في خطوة تعكس قرار ترمب بتجميد برامج المساعدات الإنسانية الأميركية حول العالم.
وتُعد هذه الخطوة “غير معتادة” لرئيس وزراء من حزب العمال، الذي دافع تقليدياً عن زيادة الإنفاق على المساعدات، ما عرّض ستارمر لانتقادات من بعض نواب حزبه. لكنها تأتي في ظل تزايد التهديد الانتخابي من اليمين الشعبوي.
وفي المقابل، رحب حزب المحافظين المعارض بهذه الخطوة، وحظيت بإشادة واسعة في الصحافة اليمينية البريطانية.