للمرة الأولى منذ نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تجد رئيسة الحكومة الإيطالية جورجا ميلوني نفسها مضطرة إلى إبداء تحفّظ علني تجاه خطوة اتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، رغم التقارب السياسي والأيديولوجي، الذي طبع العلاقة بين الطرفين منذ عودة الأخير إلى البيت الأبيض.

هذا التحفّظ، الذي قُدم في إطار دستوري وتقني، يعكس في جوهره إشكالية أعمق تتعلق بموقع إيطاليا الاستراتيجي، بين التزاماتها الأوروبية من جهة، وعلاقتها الخاصة بالولايات المتحدة من جهة أخرى، في مرحلة تتسم بتصاعد الضغوط على النظام الدولي التقليدي.

الخطوة التي وضعت هذا التوازن أمام اختبار غير مسبوق، تمثّلت في الطرح الأميركي المتجدد بشأن ضمّ جزيرة جرينلاند، الإقليم التابع للدنمارك، والذي تكتسب أهميته من موقعه الاستراتيجي في القطب الشمالي.

وعلى خلاف مواقف سابقة، لم تذهب ميلوني إلى تبرير هذه الخطوة أو دعمها، بل وصفتها بأنها “خطأ سياسي”، في موقف شكّل أول مسافة علنية بينها وبين إدارة ترمب، التي تنظر إلى الجزيرة بوصفها جزءاً من إعادة ترتيب النفوذ الأميركي في مناطق التماس الجيوسياسي.

من مادورو إلى جرينلاند.. حدود الولاء وحدّة المصالح

لم يكن هذا التحفّظ وليد نزعة مبدئية جديدة. فقبل أسابيع قليلة فقط، كانت ميلوني قد سارعت إلى مباركة خطوة أميركية أثارت صدمة عالمية واسعة، حين أقدمت قوات أميركية خاصة على اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، قبل نقله إلى نيويورك لمحاكمته بتهم تشمل “التآمر لارتكاب جرائم إرهاب المخدرات، والتآمر لاستيراد الكوكايين، وحيازة أسلحة رشاشة وأجهزة تدميرية ضد الولايات المتحدة”.

ورغم موجة الإدانة الدولية العارمة، ورغم اعتبار عدد كبير من الدول بأنّ ما جرى يشكل “انتهاكاً صارخاً للشرعية الدولية ولمبدأ سيادة الدول”، وصفت ميلوني العملية بأنها “خطوة دفاعية”، في انسجام تام مع الرواية الأميركية. ولم يتأخر ترمب في كشف الدافع الحقيقي وراء العملية، إذ أعلن صراحة أن الهدف يتمثل في السيطرة على أكبر مخزون نفطي في العالم، والذي يقدر بنحو 17% من الاحتياطي العالمي.

غير أن مسألة جرينلاند تختلف من حيث كونها تمسّ إقليماً أوروبياً، وتفتح تساؤلات بشأن تماسك الاتحاد الأوروبي، وكذلك حول مستقبل حلف الناتو، في ظل خطاب أميركي متزايد التشكيك في جدوى الترتيبات متعددة الأطراف، فضمّ جرينلاند، بالتوازي مع التلويح بضمّ كندا، لا يعني فقط إعادة ترسيم للحدود، بل توجيه طعنة في قلب النظام الغربي، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.

وهو ما يضع موقف ميلوني في إطار دقيق وحسّاس، في ضوء إدراكها لطبيعة المقاربة التي يعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في علاقاته مع القادة والحكومات. فترمب لا يخفي أن منطق المصلحة يشكّل الأساس الناظم لسلوكه السياسي، وقد عبّر عن ذلك علناً في أكثر من مناسبة خلال سنته الأولى من ولايته الثانية، مؤكداً أن الاعتبارات الوطنية الأميركية تتقدّم على أي التزامات أو أطر دولية.

لعبة التوازن المستحيلة.. أوروبا أم ترمب؟

طوال السنوات الثلاث والنصف التي أمضتها ميلوني في “قصر كيجي”، مقرّ رئاسة الحكومة الإيطالية، تمكّنت، إلى حدّ كبير، من أداء دور توفيقي دقيق بين انتماء إيطاليا إلى الفضاء الأوروبي، وبين تحالفها السياسي والأيديولوجي للرئيس الأميركي دونالد ترمب. وقد أتاح ذلك هامشاً من المناورة، نظراً إلى أن معظم سياسات ترمب التصادمية كانت تدور خارج النطاق الأوروبي المباشر.

غير أنّ ملف جرينلاند كسر هذه المعادلة. ففي هذه الحالة، لم يعد ممكناً اعتماد سياسة “عدم الانحياز الناعم” أو الاستمرار في الموازنة بين المواقف. إذ أن المطالبة الأميركية تنطوي على تهديد مباشر لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي، كما تمسّ بجوهر حلف شمال الأطلسي، الذي لم يُخفِ ترمب يوماً تشكيكه في جدواه أو رغبته في تقليص دوره، ووجّه إليه مراراً انتقادات حادّة.

ونتيجة لذلك، لم تعد ميلوني قادرة على التزام الصمت أو الاكتفاء بالمناورة السياسية، لتجد نفسها، للمرة الأولى، أمام اختبار فعلي لهوية إيطاليا الاستراتيجية وخياراتها الدولية.

مجلس غزة وعقبات دستورية

في هذا السياق المتوتّر، برز ملفّ آخر زاد المشهد تعقيداً، تمثّل في “مجلس السلام من أجل غزة”، وهي المبادرة، التي روّج لها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منتدى دافوس باعتبارها إطاراً جديداً لإدارة الصراع في الشرق الأوسط.

لم تكن جورجا ميلوني مدرجة رسمياً ضمن المشاركين في المنتدى، غير أنّها لمّحت خلال زيارة إلى اليابان إلى احتمال حضورها، وربطت ذلك بتطوّرات محتملة على صلة بملفّي غزة أو أوكرانيا. إلا أنّ المعطيات تغيّرت سريعاً. فالدعوة التي كان يُنظر إليها في البداية بوصفها خطوة سياسية رمزية، تحوّلت إلى مشروع مشروط بأعباء مالية وسياسية كبيرة، ولا سيّما بعد الحديث عن ضرورة دفع مليار دولار للانضمام، وتوسيع نطاق الدعوة ليشمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

في ضوء هذه التطوّرات، فضّلت ميلوني التراجع: لا مشاركة في دافوس، ولا انخراط في المبادرة. وبدأت تتحدّث علناً عن “إشكالية دستورية” تحول دون توقيع إيطاليا الفوري على النظام الأساسي للمجلس.

وفي مقابلة إعلامية، أوضحت ميلوني أنّ جوهر الإشكال يعود إلى المادة 11 من الدستور الإيطالي، التي تنص على نبذ الحرب، وتجيز تقييد السيادة الوطنية فقط ضمن إطار من المساواة بين الدول، ومن خلال منظمات دولية تهدف إلى ترسيخ السلام والعدالة.

وبحسب تفسير الحكومة، فإن النظام الأساسي لمجلس غزة يتضمّن بنوداً قد لا تضمن احترام هذا المبدأ، لا سيّما في ما يتعلّق بتوازن السيادة بين الدول الأعضاء. وهو ما “لا يسمح بالتوقيع فوراً”، بل يستوجب “مزيداً من الوقت والدراسة”.

دبلوماسية “الفرملة الناعمة”

خلف هذا القرار، جرت مشاورات دقيقة مع رئيس الجمهورية الإيطالية، سيرجو ماتّاريلا، المعروف بحساسيته العالية تجاه المسائل الدستورية. وقد أبدى بدوره تحفظات قانونية جدّية بشأن طبيعة المجلس، وموقعه ضمن المنظومة الدولية، واحتمال تحوّله إلى ما يشبه “أمم متّحدة موازية”.

وخلافاً لما روّج له بعض أطراف الأغلبية الحاكمة، لم يكن موقف رئاسة الجمهورية بمثابة “فيتو” سياسي، بل جاء منسجماً مع القراءة التي تبنّتها رئاسة الحكومة. كما أن تقرير وزارة الخارجية، الذي سبق اتخاذ القرار بأيام، كان قد حذّر صراحة من عدم قابلية بعض بنود المجلس للتطبيق من الناحية الدستورية.

وفي الوقت نفسه، سعت ميلوني إلى الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع ترمب، من خلال محاولة ترتيب لقاء مباشر لشرح الموقف الإيطالي، ليس بوصفه رفضاً سياسياً قاطعاً، بل باعتباره “لا” مشروطة ذات طابع تقني وقانوني.

انقسام داخلي

داخلياً، أثار هذا المسار انتقادات من أطراف المعارضة الإيطالية، التي رأت في الموقف الحكومي تردداً أو ازدواجية، فيما اعتبرته الحكومة تعبيراً عن مسؤولية مؤسساتية تهدف إلى تجنيب البلاد التزامات قد تكون موضع جدل قانوني أو سياسي.

واتهم زعيم حركة “النجوم الخمس”، جوزيبي كونتي، ميلوني، بالتصرف كـ”بهلوان سياسي”، فيما ذهبت أمينة الحزب الديمقراطي، إيلي شلاين، إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن مجلس غزة ليس سوى “أمم متحدة مدفوعة الأجر، مفصّلة على قياس مصالح ترمب”، وأنه على إيطاليا ألّا تشارك فيه أصلاً.

و شدّدت شلاين، على أن الدور التاريخي لإيطاليا هو الدفاع عن القانون الدولي والتعددية، لا الانخراط في مشاريع أحادية.

“أميركا أولاً” في مواجهة أوروبا

ما يجري في العمق ليس مجرّد خلاف سياسي عابر، بل صدام بين نموذجين متباينين، نموذج “أميركا أولاً” القائم على الحمائية الاقتصادية، ونموذج أوروبي يستند إلى “الصفقة الخضراء” Green Deal، ومفهوم السيادة الاستراتيجية.

ويفسّر هذا التباين جانباً من التوتّر التجاري القائم، والتهديدات المتبادلة بفرض رسوم جمركية، وهي تهديدات يتعامل معها بعض حلفاء جورجا ميلوني، مثل نائبها ماتّيو سالفيني، بمنطق ضيق، يرتبط بعدم استهداف إيطاليا بشكل مباشر. وقد عبّر سالفيني عن ذلك بلهجة ساخرة حين قال: “الرسوم الجمركية؟ إنها مفروضة على النبيذ الفرنسي، وهذا يصبّ في مصلحة النبيذ الإيطالي!”.

تجد إيطاليا نفسها بين “مطرقة ترمب” و”سندان الاتحاد الأوروبي”، مطالبة بالاختيار: هل تكون جسراً.. أم ساحة صراع؟

شاركها.