تسود حالة من الترقب في سوريا حيال مصير المناطق ذات الوجود الكردي الكثيف في الحسكة وريف حلب، مع اقتراب المواجهات منها، وتعزيز انتشار كل من الجيش وقوات سوريا الديمقراطية قرب خطوط التماس، وسط مخاوف من اندلاع حرب مفتوحة، لا سيما بعد إعلان “قسد” النفير العام، ودعوة الأهالي إلى حمل السلاح لمواجهة التقدم الحكومي.
ورغم اتفاق الجانبين على وقف إطلاق النار يوم 20 يناير الجاري لأربعة أيام، وتمديده حتى 8 فبراير، إلا أن اشتباكات متقطعة وعنيفة مترافقة مع قصف بري وجوي، تتواصل على جبهتي الحسكة وعين العرب بريف حلب الشمالي الشرقي.
جاء ذلك بعد 3 أيام من إعلان وزارة الدفاع السورية تمديد المهلة 15 يوماً من أجل منح الولايات المتحدة فرصة لنقل عناصر تنظيم “داعش” الموجودين في سجون “قسد” من محافظة الحسكة إلى العراق.
وتدور اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري وقوات “قسد” في محيط بلدة الجوادية على مقربة من الطريق الدولي M4 وتحديداً عند قرية الصفا مع قصف متبادل بين الجانبين، بالإضافة إلى اشتباكات في محيط بلدة خراب عشق، والتي كانت سابقاً مقراً للقوات الأميركية المنسحبة من المدينة في أكتوبر 2019، تطبيقاً لقرار الرئيس دونالد ترمب في ولايته الأولى.
ونجح الجيش السوري في تقليص مساحة سيطرة “قسد” من نحو 60 ألف كيلومتر مربع، أي حوالي ثلث مساحة البلاد في 4 محافظات هي الحسكة، ودير الزور، والرقة، وحلب إلى أقل من 10 آلاف كيلومتر مربع وهي أقل من نصف مساحة محافظة الحسكة بالإضافة لجزء من مساحة مدينة عين العرب وأريافها في حلب، خلال معارك محدودة بدأت في السادس من يناير الجاري في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، ووصلت إلى مشارف اليعربية شرق الحسكة وعلى مشارف المدينة.
تخلي أميركي عن “قسد”
ولعب التخلي الأميركي عن “قسد” دوراً حاسماً في تمهيد الطريق للجيش السوري نحو السيطرة على مساحة تصل إلى قرابة 50 ألف كيلومتر مربع خلال أسبوعين، وذلك بعد فشل آخر جلسة مفاوضات بين الجانبين لتطبيق اتفاق العاشر من مارس 2025، الموقّع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات “قسد” مظلوم عبدي، ثم أعقب ذلك حشد الجيش لقواته في حلب وريفها، وإعلان الحرب ضد قوات سوريا الديمقراطية.
وكشف المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك أن “وظيفة قسد كقوة رئيسية في التصدي لتنظيم داعش انتهت”، معتبراً أن “القوات الحكومية باتت مؤهلة لتولي أمن السجون والمخيمات المحتجز فيها المتطرفين وأفراد عائلاتهم”.
وفي منشور على منصة “إكس”، كتب باراك: “الغرض الأساسي من قوات سوريا الديمقراطية كقوة رئيسية في الميدان لمكافحة تنظيم داعش انتهى إلى حد كبير”، مضيفاً أن السلطات السورية “باتت الآن مستعدة وفي موقع يؤهلها لتولي المسؤوليات الأمنية”، بما يشمل السجون المحتجز فيها عناصر التنظيم والمخيمات التي تضم أفراد عائلاتهم.
وشدد باراك على أن “هذا يوفر نافذة فريدة للأكراد”، معتبراً أن “الاندماج في الدولة السورية الجديدة يوفر حقوق المواطنة الكاملة (بما في ذلك لمن كانوا عديمي الجنسية سابقاً)، والاعتراف بهم كجزء لا يتجزأ من سوريا، والحماية الدستورية للغة والثقافة الكردية (مثل التدريس باللغة الكردية، والاحتفال بعيد النوروز كعيد وطني)، والمشاركة في الحكم، وهو ما يتجاوز بكثير الحكم الذاتي الجزئي الذي تمتعت به قوات سوريا الديمقراطية وسط فوضى الحرب الأهلية”.
وذكر المبعوث الأميركي أنه على الرغم من “استمرار بعض المخاطر (مثل هشاشة وقف إطلاق النار، والاشتباكات المتفرقة، والمخاوف من المتشددين، أو رغبة بعض الأطراف في إعادة إحياء مظالم الماضي)، تسعى الولايات المتحدة جاهدة لضمان حماية حقوق الأكراد، وتعزيز التعاون في مكافحة داعش”.
وأردف: “فالبديل، وهو الانفصال المطول، قد يُفضي إلى زعزعة الاستقرار أو عودة داعش، ويمثل هذا الاندماج، المدعوم بالدبلوماسية الأميركية، أقوى فرصة حتى الآن للأكراد لضمان حقوقهم وأمنهم الدائمين ضمن دولة سورية معترف بها”.
هدن هشة
وأعلنت الحكومة السورية، و”قسد”، في 18 يناير، التوصل إلى اتفاق يقضي بوقف فوري وشامل لإطلاق النار على كل الجبهات ونقاط التماس، بالتزامن مع انسحاب جميع التشكيلات العسكرية التابعة لـ”قسد” إلى شرق نهر الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار، إلى جانب التسليم الإداري والعسكري الكامل والفوري لمحافظتي دير الزور، والرقة إلى الحكومة السورية.
ونص الاتفاق كذلك على دمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية وهياكلها الإدارية، وتولي الحكومة السورية السيطرة على جميع المعابر الحدودية، وحقول النفط والغاز في المنطقة، مع تأمينها من قبل القوات النظامية لضمان عودة الموارد إلى الدولة.
كما تضمن الاتفاق دمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ”قسد” ضمن هيكل وزارتي الدفاع والداخلية بشكل “فردي” بعد إجراء التدقيق الأمني اللازم، مع منحهم الرتب العسكرية والمستحقات المادية، مع حماية خصوصية المناطق الكردية.
إلا أن مظلوم عبدي القائد العام لـ”قسد” الذي زار دمشق في 19 يناير الجاري أعلن لاحقاً النفير العام للدفاع عما سماها “روج أفا” أو كردستان في وجه القوات الحكومية التي تريد السيطرة بالقوة على المدينة.
ويوم 20 يناير الجاري، سيطرت القوات الحكومية على كامل ريفي دير الزور الشمالي والشرقي وريفي الحسكة الجنوبي والشرقي بما فيه من حقول نفط وغاز ومعامل غاز غزيرة الإنتاج تشكل الجزء الأهم من الثروات الطبيعية أبرزها حقل نفط العمر إضافة إلى معملي غاز كونيكو والشدادي.
الهدنة التي أعلنتها الحكومة السورية لمدة 4 أيام تهدف إلى تطبيق بنود اتفاق 18 يناير والتي تطالب “قسد” بالاندماج كأفراد في مؤسسات الدولة السورية والتعهد بإخراج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من البلاد، وتقديم قوائم بأسماء فلول نظام الأسد المتواجدين في مناطق سيطرتها.
ومددت وزارة الدفاع السورية المهلة 15 يوماً حتى 8 فبراير المقبل بهدف منح فرصة إضافية لـ”قسد” من أجل ترتيب أوراقها مع إتاحة الفرصة للأميركيين لإخلاء سجون “داعش” في الحسكة.
وبقيت كل هذه الهدن “هشة” في ظل اختراقها بشكل يومي من الجانبين سواء من خلال تبادل القصف البري والجوي بالمسيرات أو الاشتباكات المباشرة في محاولة لكسب مناطق سيطرة جديدة للطرفين.
“الإدارة الذاتية”: ملتزمون باتفاق 18 يناير
ومع التصعيد المستمر من الطرفين رغم مرور 3 أيام على إعلان المهلة الجديدة لمدة 15 يوماً، تتواصل الجهود الدبلوماسية بوساطة من الولايات المتحدة الأميركية، وحكومة إقليم كردستان العراق من أجل التوصل لنقاط التقاء بين الجانبين تؤدي لتطبيق الاتفاق وإنهاء التأهب العسكري والتحشيد.
وفي هذا السياق، قال ممثل الإدارة الذاتية في دمشق عبد الكريم العمر لـ”الشرق” إن مناطق شمال وشرق سوريا، وفي مقدمتها محيط مدينة عين العرب ومحافظة الحسكة “تشهد تصعيداً عسكرياً خطيراً يتمثل بالهجمات التي تشنها الفصائل التابعة للحكومة السورية من عدة محاور على بلدتي خراب عشق والجلبية في جنوب شرق عين العرب، باستخدام الدبابات والآليات المدرعة، إلى جانب هجمات بالطائرات المسيّرة التركية من طراز بيرقدار، رغم وجود هدنة”.
ولفت العمر إلى أن هذا التصعيد يشهد “مستوى غير مسبوق من الخطورة” مع سقوط 10 ضحايا، وإصابة آخرين فيما لا تزال 5 جثث تحت أنقاض منزل في بلدة خراب عشق.
وقال: “الهجمات طالت مناطق أخرى في محافظة الحسكة، ما يشكل خرقاً واضحاً وصريحاً لاتفاق وقف إطلاق النار، ويعكس استمرار سياسة التصعيد وعدم الالتزام بالتعهدات، الأمر الذي يهدد أمن واستقرار المنطقة، ويعرض المدنيين لمخاطر إنسانية جسيمة”.
وأضاف عبد الكريم العمر أنه رغم هذه الخروقات “نؤكد أننا في الإدارة الذاتية الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية ملتزمون بوقف إطلاق النار، وملتزمون بتنفيذ بنود اتفاقية 18 يناير، انطلاقاً من قناعتنا بأن التهدئة والحوار هما الطريق الوحيد لتجنيب المنطقة حرباً جديدة”.
كما كشف عن “وجود قنوات اتصال مباشرة مع دمشق، إلى جانب اتصالات مستمرة مع الجانب الأميركي بشقيه العسكري والدبلوماسي، ومع قيادات إقليم كردستان العراق، إضافة إلى دور فاعل يؤديه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يجري اتصالات مع كل من القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، والرئيس السوري أحمد الشرع”.
وأشار إلى أن “هذه الأطراف مجتمعة لعبت دوراً أساسياً في التوصل إلى الهدنة الحالية، وتواصل جهودها في تقريب وجهات النظر والبحث في آليات تنفيذ الاتفاقات، بما في ذلك دمج مؤسسات الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية وقوى الأمن الداخلي ضمن مؤسسات الدولة السورية وفق جدول زمني متفق عليه”.
كما لفت العمر إلى أن هذه القوى “تؤدي دوراً ضامناً للاتفاقات في ظل حالة انعدام الثقة القائمة”، معرباً عن أمله في أن تفضي هذه الجهود لـ”نتائج ملموسة تضمن استمرار الهدنة، وتفتح الطريق أمام نجاح العملية التفاوضية بعد انتهائها”.
“حل قسد والأسايش غير وارد حتى الآن”
وذكر عضو الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم في تصريحات لـ”الشرق” أن حل “قسد، وقوى الأمن الداخلي الكردية (الأسايش)، أمر غير وارد حتى الآن”، لافتاً إلى أن “شعب المنطقة لا يمكن أن يبقى من دون حماية ذاتية”.
وتحدث مسلم عن إمكانية أن يتم “تغيير اسمهم أو تنظيمهم بطريقة مختلفة”، في إشارة إلى آلية الاندماج ضمن وزارتي الدفاع والداخلية.
وتابع: “الإدارة الذاتية تبذل جهوداً لعدم جر المنطقة إلى حرب داخلية وإحداث فتنة عربية كردية.. انسحاب قسد من الرقة ودير الزور هو لتجنب هذا السيناريو وحدوث حرب أهلية”.
وكشف مسلم أن وقف إطلاق النار الأخير جرى نتيجة عملية تفاوضية تمت في، أربيل، عاصمة كردستان العراق بعد لقاء ثلاثي بين المبعوث الأميركي، ورئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني وقائد “قسد”.
وقال إن “وقف إطلاق النار الحالي فيه الكثير من الخروقات في الحسكة وعين العرب”، مؤكداً أن الإدارة الذاتية و”قسد” اتخذوا “تدابير دفاعية تحسباً لأي نقض تام للهدنة والاتفاق”.
كما كشف أن الولايات المتحدة “تقود عملية تفاوضية بين الجانبين، ونأمل أن تصل لتوافقات لتطبيق اتفاق 18 يناير”، موضحاً أن “قنوات التواصل مفتوحة مع دمشق والتفاوض مستمر”.
مصدر في الجيش السوري: الخيارات مفتوحة
ومع تحشيد الجيش السوري لقواته في محيط عدة مدن وبلدات في محافظة الحسكة وريف عين العرب بريف حلب، يتبادل الطرفان الاتهامات بوقف إطلاق النار، وسط تحذيرات حكومية بدراسة الخيارات للرد على “قسد”.
وقال مصدر ميداني من الجيش السوري لـ”الشرق” إن قوات سوريا الديمقراطية “تخرق بشكل يومي الهدنة من خلال هجمات برية أو عبر الطائرات المسيرة في محاولة لاستفزاز الجيش”، موضحاً أن الخروقات شملت “جبهتي الجوادية بريف الحسكة، وعين العرب بريف الحسكة”.
وأشار المصدر الميداني إلى أن الجيش السوري “يتعامل مع هذه الخروقات بالطرق المناسبة”، مؤكداً أن “كل الخيارات مفتوحة في حال استمرت الخروقات بهذه الوتيرة، أو حدوث أي تصعيد واسع من (قسد)”.
وتطرق إلى أن وحدات الجيش السوري “تنتظر توجيهات القيادة العامة للتدخل في الوقت المناسب”، قائلاً إن الجيش “لم يدخل حتى الآن أي قرية أو بلدة أو مدينة كردية في الحسكة وعين العرب ولا يريد الدخول”.
كما أكد المصدر أن قرار الدخول إلى هذه المناطق “سيكون لقوى الأمن الداخلي لفرض سيادة الدولة عليها”، مرجحاً أن “عدم تطبيق اتفاق 18 يناير يجعل من السيناريوهات مفتوحة لأن قرار فرض سيادة الدولة على كامل المنطقة لا رجعة عنه”.
