مع احتفال المملكة العربية السعودية بيوم التأسيس في 22 فبراير، واستعدادها للذكرى الـ300 لتأسيس الدولة السعودية الأولى في 2027، هناك قليل من الأماكن التي تجسد روح تلك اللحظة مثل الدرعية.
من بين جدران الطوب اللبن العريقة في حي الطريف، المُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو والذي يُعد مهد انطلاق الدولة السعودية، ينهض مشروع ضخم تُقدّر قيمته بـ63 مليار دولار، يمزج بين الإرث التاريخي والضيافة الراقية وأنماط الحياة الفاخرة، فيما يصفه القائمون عليه بأنه الوجهة الثقافية والحياتية الأولى على مستوى العالم.
يتولى إدارة المشروع جيري إنزيريلو، الرئيس التنفيذي لمجموعة شركة الدرعية، الذي يتحدث عن المشروع بثقة شخص يفهم رمزيته وحجمه على حد سواء.
وقال إنزيريلو لـ”عرب نيوز”: “يوم التأسيس هو يومنا المفضل في السنة، فنحن نحب اليوم الوطني، نحب رمضان، ونحب قضاء الوقت مع العائلة، لكن يوم التأسيس مختلف، فهو يمثل المكان الذي ولدت فيه المملكة، بيت آل سعود، وهو مصدر هويتنا وفخرنا”.
فالدرعية ليست مجرد مشروع تطوير عمراني آخر، وإنما هي تجسيد لقصة وطن تُروى على أرض الواقع.
ومع اقتراب المملكة من الذكرى الـ300 لتأسيس الدولة السعودية الأولى في 22 فبراير 2027، تمثل أعمال ترميم وتوسعة الدرعية تكريماً للتاريخ والماضي العريق وإعلاناً عن رؤية للمستقبل في آنٍ واحد.
وقال إنزيريلو: “يتيح لنا يوم التأسيس التأمل في مسيرة تاريخنا العريق على مدى 300 عام ماضية، ما يتيح لنا التطلع إلى 300 عام مقبلة”.
وهذه الرؤية المزدوجة- التراث والأفق- هي التي تحدد ملامح المشروع، فكل قرار تصميمي يرتكز على العمارة النجدية، ذلك الطراز التقليدي من الطوب اللبن في وسط الجزيرة العربية. وللحفاظ على الأصالة، تم تصنيع أكثر من 20 مليون طوبة يدوياً لمحاكاة طرق البناء التاريخية.
ويقول إنزيريلو: “الأمر معقد للغاية، لكن الأصالة هي الأساس، فنحن لا نبني بسرعة فحسب، بل نبني بجودة، وبروح التراث، وبكثير من الاحترام”.
والنتيجة، كما يوضح، مدينة مخططة بعناية فائقة، تبدو متجذرة في القرن الثامن عشر، فيما تعمل بمعايير القرن الحادي والعشرين.
وأشار إلى أن المشروع تجاوز مرحلة المخططات إلى واقع ملموس، قائلاً: “اليوم خرجت الدرعية إلى النور، فالفنادق تعمل، والمطاعم تستقبل روادها.. لقد قدمنا مؤخراً 3 آلاف و200 وجبة في ليلة واحدة”.
وتعكس الأرقام حجم الزخم الذي يشهده المشروع، إذ استقبل الموقع أكثر من 4 ملايين زائر حتى الآن، فيما يسجل أحد الفنادق الرئيسية نسبة إشغال تتجاوز 90%. كما يتوجه يومياً نحو 56 ألف عامل إلى مواقع البناء في قلب الرياض، مواصلين العمل لدفع عجلة هذا المشروع الطموح قدماً.
وأضاف: “ما يمنح المستثمرين هذه الثقة هو قدرتهم على رؤية المشروع بأعينهم؛ فهو ليس فكرة على الورق، بل واقع قائم تم إنجازه ويعمل بالفعل”.
ومن المنتظر أن تكتمل الدرعية إلى حدٍ كبير تزامناً مع استضافة الرياض لمعرض إكسبو 2030، وهو الحدث الذي وصفه إنزيريلو بأنه “لحظة استثنائية” للمملكة.
وباستثمارات إجمالية متوقعة تبلغ 63 مليار دولار، تُعد الدرعية من بين أكثر مشاريع التطوير الحضري طموحاً على مستوى العالم، لكن إنزيريلو شدد على أن التمويل وحده لا يكفي لضمان النجاح.
وقال: “المال عنصر مهم، لكن هناك عنصرين لا يقلان أهمية: الوقت والجودة، وبصفتنا المطور الرئيسي، نتحكم في كليهما”.
وانعكس هذا النهج في تنامي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، مع تزايد التزام العلامات الفندقية العالمية والمستثمرين الدوليين بالمشروع.
وأضاف: “أتممنا مؤخراً مشروعاً مشتركاً رئيسياً تتجاوز قيمته 1.4 مليار يورو مع مستثمر إيطالي، كما وقعنا صفقات بارزة للوحدات السكنية الفاخرة المرتبطة بالفنادق، فالناس يرغبون في التملك هنا لأنهم يرون التقدم يتحقق على أرض الواقع”.
رؤية 2030
وتمتد جاذبية المشروع إلى ما هو أبعد من السياحة، وفقاً لإنزيريلو، إذ يعكس نجاحه الثقة الأوسع في التحول الاقتصادي للسعودية وفق رؤية 2030.
وقال: “لم أرَ فترة أكثر ثقة في قدرة المملكة على التنفيذ، سواء في السياحة، التعدين، الزراعة، الذكاء الاصطناعي، التكنولوجيا.. الناس يؤمنون بالرؤية 2030”.
ويرى إنزيريلو أن الدرعية ليست استثناء بل نموذجاً يُظهر أن المملكة تستطيع تحويل المخططات إلى واقع ملموس وفق جدول زمني محدد.
وأضاف: “مشاريع المملكة الرئيسية بدأت تظهر وتتحقق على أرض الواقع، فهذه لحظة انطلاقة، تتحول فيها خطط السعودية إلى وجهات نابضة بالحياة، تجذب الزوار والاستثمار والاهتمام العالمي، مؤكدة قناعتي بأن حملة المشاريع الكبرى تسير على المسار الصحيح”.
ورغم أن العمارة وأرقام الاستثمار في الدرعية تثير الاهتمام، إلا أن إنزيريلو يؤكد أن أكبر إنجاز للمشروع هو الناس الذين يعملون فيه، فالقوى العاملة في الدرعية تتكون بنسبة 82% من السعوديين، وتمثل النساء نحو 40% من الموظفين.
ويتحدث عنهم قائلاً: “إنهم نجوم كبار، شباب سعوديون وشابات، جميعهم شغوفون، يتحدثون عدة لغات، وفخورون باستقبال العالم”.
وروى إنزيريلو قصة زيارة حديثة للأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون، حيث استقبلته شابة سعودية وهي تتحدث الكورية بطلاقة، وهي لغة تعلمتها بنفسها من خلال مشاهدة الدراما التلفزيونية.
وقال: “توقف بان كي مون عند عربة الجولف، وسألها من أين تعلمت الكورية، ثم التقط معها صورة سيلفي.. هذه اللحظة تمثل السعودية الجديدة”.
وأضاف أن مرشداً سياحياً شاباً آخر تعلم الإنجليزية من خلال التفاعل اليومي مع الزوار الدوليين، وقال: “هذا تبادل ثقافي حقيقي، يحدث بشكل طبيعي”.
جيري إنزيريلو.. السيرة الذاتية
- أمضى عقوداً في قمة صناعة الضيافة العالمية. وبصفته الرئيس التنفيذي لمجموعة شركة الدرعية، يشرف على التخطيط وتنفيذ واحد من أكثر المشاريع الطموحة في المملكة.
- قبل انضمامه إلى الدرعية، شغل منصب الرئيس التنفيذي لـ Forbes Travel Guide، موسعاً حضورها إلى أكثر من 100 دولة.
- شغل مناصب عليا وأدواراً تنفيذية في علامات تجارية مثل One&Only Resorts، Ian Schrager Company، فنادق ومنتجعات فور سيزونز، وفنادق ومنتجعات هيلتون.
- كما شغل منصب رئيس Kerzner International، حيث أشرف على وجهات منتجعات رئيسية في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا والكاريبي، وكان سابقاً الرئيس التنفيذي لـ IMG Artists.
- في 2021، حصل على جائزة “أفضل مدير فندقي عالمي” من مجلة HOTELS، إحدى أبرز الجوائز في القطاع.
ويتجاوز مشروع الدرعية الضيافة والتراث ليصبح وجهة سكنية أيضاً، فحتى الآن، تم بيع عقارات سكنية بقيمة 16.5 مليار ريال سعودي (4.4 مليار دولار)، إذ يشمل المشروع فيلات فاخرة، ووحدات سكنية فاخرة ملحقة بالفنادق، ومساكن متوسطة موجهة للعائلات السعودية.
وقال إنزيريلو: “في معرض Cityscape، قدمنا 60 وحدة متوسطة تبدأ من 1.9 مليون ريال، وبِيعَت فوراً، وهذا دليل على وجود الطلب والإقبال”.
ومن المقرر تسليم أولى وحدات Ritz-Carlton قريباً، بينما آلاف الوحدات الأخرى تحت التطوير لتسليمها قبل 2030.
“مدينة صديقة للمشاة”
وتركز المفاهيم السكنية في الدرعية على سهولة التنقل والمجتمع. وقال إنزيريلو: “ستتمكن من المشي للصلاة، المشي للعمل، المشي للمدرسة، ستكون أول مدينة ثقافية كاملة في المملكة صديقة للمشاة”.
وتستقطب الدرعية زواراً رفيعي المستوى عالمياً، بمن فيهم ولي عهد المملكة المتحدة وأمير ويلز الأمير وليام، الذي زار الموقع خلال زيارة رسمية للمملكة في فبراير الجاري.
وذكر إنزيريلو زيارة حديثة قام خلالها الضيف الملكي بجولة على الأقدام استغرقت حوالي 90 دقيقة. وقال: “أُعجب بكمية الإنجاز في وقت قصير”.
ولا تجذب الدرعية الشخصيات رفيعة المستوى فقط، بل يتوقف المشاهير والرياضيون والشخصيات العالمية لالتقاط الصور أمام قصر سلوى، مقر الدولة السعودية الأولى سابقاً.
وقال إنزيريلو: “أحب أن أمزح بالقول إنك إذا سألت المشاهير عما إذا كانت لديهم صورة عند برج إيفل أو الأهرامات، بالطبع ستكون لديهم، والآن، عندما يأتي الناس إلى الرياض، يريدون تلك الصورة أمام قصر سلوى”.
ويرى إنزيريلو إن هذه الصورة ترمز إلى الثقة الثقافية المتنامية في السعودية، ويقول: “إنه رمز لموقع ولادة المملكة، إنه يمثل من نكون”.
وتزامن صعود الدرعية مع توسع السعودية الأوسع في السياحة العالمية. وقد جلبت الفعاليات الكبرى، مثل سباق الخيل السعودي ومنافسات السيارات الدولية، آلاف الزوار إلى المملكة.
ويصف إنزيريلو سيره في الدرعية مساءً وسماع محادثات بالصينية واليابانية وعدد من اللغات الأخرى، عائلات تتجول، أطفال يضحكون، وطيور تستقر على الأشجار المزروعة حديثاً.
وقال: “زرعنا 6.5 مليون شجرة في الوادي، والآن هناك آلاف الطيور التي لم تكن هنا من قبل”.
وأضاف: “عندما يغادر الزوار، تقييماتهم تصل إلى أعلى من 90%، كثير منهم يأتون بعدم يقين، لكنهم يغادرون وهم يقولون إنهم شعروا بالدفء والجمال والضيافة التي لم يتوقعوها”.
ويرى إنزيريلو أن ذلك يمثل شكلاً قوياً من صور القوة الناعمة، “ليس مفروضاً، بل تجربة محسوسة تم اختبارها”.
وقال إن تنفيذ مشروع بهذا الحجم لا يخلو من التحديات، مشيراً إلى أن صحافياً ألمانياً سأل عن عدد المشاكل الكبيرة التي يواجهها، فأجابه ضاحكاً: “كل ساعة، هناك دائماً بطاطا ساخنة على مكتبي”، لكنه يرى أن هذه التحديات جزء من العملية.
وأضاف: “هذه المشاريع معقدة، تتطلب الانضباط والعمل الجماعي، لكن عندما تكون لديك قيادة عظيمة وفريق قوي، يمكنك التعامل معها”.
وينسب الفضل إلى الإطار الأوسع لرؤية 2030 والقيادة الوطنية في خلق بيئة تزدهر فيها مثل هذه المشاريع الطموحة.
300 عام من التاريخ
وبينما يعد يوم التأسيس احتفالاً سنوياً، سيكون العام 2027 علامة تاريخية، بمناسبة مرور 300 عام على تأسيس الدولة السعودية الأولى.
ومن المتوقع أن تستمر احتفالات الذكرى الـ300، التي تشرف عليها شخصيات وطنية بارزة، مثل الأميرة سارة بنت مشهور بن عبد العزيز ومؤرخون بارزون، على مدار أسبوع كامل، وتشمل مئات الأنشطة الثقافية والفنية والترفيهية العائلية.
وقال إنزيريلو: “ستكون على الأرجح واحدة من أعظم الاحتفالات الثقافية في تاريخ المملكة”.
وبالنسبة له، فإن هذه الذكرى ليست مجرد إحياء للماضي، بل إعلان ثقة في المستقبل، وقال: “هناك درعية واحدة فقط، 300 عام من التاريخ، والآن نبني الفصل التالي”.
واختتم إنزيريلو حديثه بتوجيه دعوة قائلاً: “تعالوا لزيارة موطن ميلاد المملكة، تعالوا لتروا من أين بدأ قلبنا وروحنا”.
بالنسبة للسعودية، فالدرعية أكثر من مجرد مشروع تطوير، إنها رواية حية تربط بين جدران الطوب اللبن والأفق الحضري الحديث، والفخر الأسري والطموح العالمي.
ومع تقدم المملكة بثبات نحو 2030 وما بعدها، تقف الدرعية كمرساة وطموح في الوقت نفسه، شهادة على ما يمكن بناؤه عندما لا يُمحى التاريخ، بل يرتقى به.
