مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، برزت الطائرات المسيرة، والمدفعية كأهم سلاحين قاتلين، لكل منهما عيوبه ومزاياه في مسار ما يوصف بأنه “أخطر صراع عسكري في القرن الجاري”.
ووفق مجلة The National Interest، فإن الحرب الأوكرانية طالت إلى درجة تسمح باستخلاص دروس مهمة حول الحروب الحديثة، وأحد هذه الدروس هو “استمرار جدوى المدفعية في القرن الحادي والعشرين، حتى في ظل التطورات التكنولوجية السريعة في مجال الطائرات المسيرة الانتحارية”.
وإذا كانت المدفعية هي السلاح الأكثر فتكاً في أوكرانيا، فإن الطائرات المسيرة تلحق بها بسرعة.
المسيرات في حرب أوكرانيا
وتُسهم أنظمة الطائرات المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه، والمعروفة أيضاً بالذخائر الجوالة، أو طائرات الكاميكازي (الانتحارية) المسيرة، في عدد متزايد من الخسائر في ساحة المعركة.
وبلغت الخسائر الناجمة عن هجمات الطائرات المسيرة الانتحارية 80% لدى الجانبين، وفقاً لأجهزة الاستخبارات في لاتفيا.
كما تشير البيانات العسكرية الأوكرانية الرسمية إلى أن الطائرات المسيرة الانتحارية الأوكرانية استهدفت خلال الأشهر الخمسة الماضية 44 ألفاً و610 من الجنود الروس، ما أسفر عن سقوط 24 ألفاً و731، وإصابة 19 ألفاً و879 جندياً.
واعتمد الجيش الأوكراني بشكل متزايد على أنظمة الطائرات المسيرة الانتحارية؛ لأنها غالباً ما تكون أكثر وفرة من قذائف المدفعية.
الطائرات المسيرة الانتحارية
وتتمتع أنظمة الطائرات المسيرة الانتحارية بمزايا عدة مقارنة بالمدفعية؛ إذ يستطيع مشغل الطائرة المسيرة الماهر توجيهها بدقة متناهية، حتى أنه يستطيع اجتياز خطوط خنادق العدو بالكامل، وصولاً إلى مخبأ مليء بالجنود.
وعلى عكس القذائف التي تُطلق دون توجيه، توفر طائرات الكاميكازي نموذج اشتباك ديناميكي، وتستطيع التفاعل مع مجريات المعركة.
ويُعد الأثر النفسي لطائرات الكاميكازي المسيرة على قوات العدو بالغ الأهمية، إذ يُمكن سماع صوت قذيفة مدفعية قادمة والاحتماء قبل وقوعها، أما طائرات الهجوم أحادية الاتجاه المسيرة، فيصعب تحديد موقعها لصغر حجمها، وصوتها الطنان المُضلل في كثير من الأحيان.
السلاح الأشد فتكاً
ولا تزال أنظمة المدفعية تتمتع ببعض المزايا على الطائرات المسيرة، وغالباً ما تكون أكثر موثوقية، وأرخص ثمناً.
وعلى الرغم من أن طائرات الكاميكازي المسيرة تُلحق خسائر فادحة بالقوات الروسية، إلا أنها ليست السلاح الأكثر فتكاً في ساحة المعركة حالياً.
وأكد المعهد الملكي للخدمات المتحدة RUSI، وهو مركز أبحاث عسكرية بريطاني، أن نحو 70% من الإصابات الأوكرانية ناجمة عن نيران المدفعية.
ويبلغ متوسط إطلاق القوات الروسية 10 آلاف قذيفة مدفعية يومياً، مع ذروة تصل إلى 36 ألف قذيفة في يوم واحد.
وبشكل عام، وصلت نسبة الإصابات الناجمة عن نيران المدفعية، في مراحل مختلفة من الحرب إلى 80% من إجمالي الإصابات في ساحة المعركة.
عيوب في ساحة المعركة
تعاني الطائرات المسيرة الانتحارية من عيوب في ساحة المعركة؛ إذ يمكن التشويش عليها إلكترونياً، أو إسقاطها بأساليب متنوعة.
ولا تستطيع هذه الأنظمة الجوية العمل بكفاءة في الأحوال الجوية السيئة. واستغلت القوات الروسية الأحوال الجوية أحياناً لصالحها، فشنَّت هجمات أكثر خلال هطول الأمطار الغزيرة، أو الثلوج، بينما كانت أنظمة مكافحة الطائرات المسيرة الأوكرانية معطلة.
وفي المقابل، لا تعاني قذائف المدفعية من هذه المشكلات.
كما تُعد قذائف المدفعية أرخص من الطائرات المسيرة، وتتراوح تكلفة قذائف المدفعية، بما فيها القذيفة القياسية عيار 155 ملم، عادةً بين 3000 و5000 دولار أميركي.
قوة نيرانية هائلة
في المقابل، قد تصل تكلفة نظام جوي مسير هجومي أحادي الاتجاه إلى ضعفي، أو ثلاثة أضعاف هذا المبلغ.
وتُعد قذائف المدفعية أكثر فتكاً من الطائرات المسيرة عند مقارنتها بالوزن؛ فقوة نيران المدفعية الهائلة، وقدرتها على تركيز هذه القوة بفعالية تُترجم إلى نتائج مدمرة في ساحة المعركة.
ويُمكن لوابل المدفعية أن يُسوي منطقة بأكملها بالأرض، ويُخمد مواقع العدو الدفاعية، مما يُتيح لدبابات القتال الرئيسية والمشاة الآلية التقدم بأمان. وحتى الآن، لا تستطيع الطائرات المسيرة محاكاة هذا التأثير.
كما تُعد المدفعية أبسط من أنظمة الطائرات المسيرة الانتحارية، فقذيفة الهاوتزر القياسية عيار 155 ملم لا تعتمد على برمجيات أو إلكترونيات حديثة معقدة، والتي قد تتعطل، بل ستعمل في أي وقت، وتحت أي ظرف، مع أدنى احتمال للخطأ البشري، وهي موثوقية لا تُضاهى في وقت الحرب.
