تشكل الانتخابات المحلية في بريطانيا المقرر عقدها في مايو المقبل، اختباراً لقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر وحزبه الحاكم “العمال”، وسط نقص في التمويل، خصوصاً بعد إشارته إلى عبء مالي منع عمدة مانشستر، آندي بورنهام، من محاولة العودة إلى البرلمان، حسبما أفادت “بلومبرغ”.
وأوضح ستارمر تفسيراً مقلقاً عندما منع عمدة مانشستر آندي بورنهام من الترشح لمقعد في البرلمان، إذ قال إن حزب العمال لا يملك المال الكافي لخوض الانتخابات التعويضية لشغل المقعد الذي سيخلو في حال ترشحه.
وبعد منع بورنهام، أشار ستارمر إلى العبء المالي لخوض انتخابات جديدة لمنصب العمدة، قائلاً للصحافيين: “إجراء انتخابات لعمدة مانشستر عندما لا تكون ضرورية سيحوّل مواردنا بعيداً عن الانتخابات التي يجب أن نخوضها وأن نفوز بهاط.
وتُعد مشكلات التمويل أمراً شائعاً للأحزاب السياسية البريطانية في هذه المرحلة من الدورة الانتخابية، إذ تتركز التبرعات والإنفاق حول الانتخابات العامة. غير أن اللافت هو أن حزباً حاكماً يشهد هذا التراجع الحاد في شعبيته بعد فوزه الكاسح في الانتخابات.
فقد انتقل حزب العمال من تحقيق أغلبية ساحقة في يوليو 2024 إلى مزاحمة “المحافظين” على المركز الثاني في استطلاعات الرأي خلف حزب “الإصلاح”، مع اقتراب حزبَي “الخضر” و”الديمقراطيين الليبراليين”.
وفي حين يرى كثيرون أن الدافع الأساسي لستارمر كان الحيلولة دون صعود منافس شعبي محتمل، فإن القلق بشأن الوضع المالي للحزب الحاكم يتصاعد منذ أشهر.
وتستعد وستمنستر الآن لمؤشر مبكر على نتائج مايو، إذ من المقرر إجراء الانتخابات الفرعية في دائرة جورتون ودنتون، التي مُنع بورنهام من الترشح فيها، والمقررة في 26 فبراير.
ويتنافس حزب “الخضر”، الذي هانا سبنسر التي تعمل في السباكة، وحزب “الإصلاح”، الذي دفع بالأكاديمي المثير للجدل ماثيو جودوين إلى كسر هيمنة حزب العمال في دائرة فاز بها بسهولة في 2024.
وقال بورنهام في تصريحات لـBBC هذا الأسبوع إنه “يشعر بأن حزب العمال قد أضر بفرصه في الفوز بعرقلة ترشيحه”.
نسب تأييد منخفضة لـ”العمال”
وقال مسؤولون إن خزائن حزب العمال استُنزفت بشدة قبيل انتخابات محلية حاسمة، وهو ضَعف قد يكون له أثرٌ مدمر على فرص رئيس الوزراء في البقاء في منصبه، تماماً كما كان لتمكين بورنهام.
ومع تراجع نسبة تأييد حزب العمال إلى نحو 20% في ظل مشهد سياسي جديد منقسم، يتراجع في الوقت نفسه دعم المتبرعين من قطاع الأعمال والأعضاء والنقابات. ويترك ذلك الحزب من دون الموارد اللازمة لضمان نتائج الانتخابات المحلية في مايو التي يحتاجها ستارمر لاستعادة زخمه وإقصاء المنافسين المحتملين الآخرين لقيادته.
ويتمثل الخطر بالنسبة إلى ستارمر في أن يحقق حزب العمال نتائج سيئة في التصويت المحلي كما حدث قبل عام، عندما خسر ما يقرب من ثلثي المقاعد التي كان يدافع عنها.
ومع خشية نواب الحزب في البرلمان من هزيمة مماثلة في الانتخابات العامة المقبلة، المقررة بحد أقصى في أغسطس 2029، يزداد البحث داخل الحزب عن شخصية بديلة قادرة على تحسين حظوظه.
ومع تعهد نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح البريطاني الشعبوي والمتصدر في استطلاعات الرأي، بالإنفاق بسخاء على الانتخابات المحلية، فإن أزمة السيولة لدى حزب العمال قد تحسم مصير الحزب، وربما مصير ستارمر نفسه.
تراجع البيانات المالية
في الإطار، قال مايكل هاريس، مؤسس وكالة الاتصالات الاستراتيجية “89up”، وأحد المتبرعين لحزب العمال: “إذا كان الحزب يعاني شحاً في الموارد، فإن أول ما يتم الاستغناء عنه هو الإنفاق الرقمي. وإذا لم يكن لدى ‘العمال’ ذلك، فهم يخوضون هذه الانتخابات من دون غطاء”.
بدورها، قالت إستر جايلز، المديرة المالية المتقاعدة التي حلت ثانيةً في سباق الترشح لمنصب أمين صندوق الحزب عام 2021: “إنهم في وضع هش للغاية”.
وأنهى الحزب عام 2024 برصيد لا يتجاوز 3.4 مليون جنيه إسترليني (4.7 ملايين دولار) في ميزانيته العمومية، وهو أدنى مستوى له منذ عقد، وذلك بعد عام استثنائي فاز فيه بأغلبية كاسحة في الانتخابات العامة وجمع أموالاً قياسية، لكنه أنفق أيضاً على نحو غير مسبوق.
ورغم أن هذه هي أحدث حسابات منشورة، فإن بيانات أحدث عن التبرعات الكبيرة تُظهر تراجع هذا المصدر من مستوى قياسي بلغ 40 مليون جنيه إسترليني في 2024 إلى 7.2 ملايين جنيه فقط خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي. كما انهارت إيرادات الاشتراكات بعد تراجع حاد في عدد الأعضاء إلى 250 ألفاً.
من جانبه، قال باتريك إنجلش من مؤسسة YouGov إن ضعف النشاط الميداني ينعكس مباشرة على النتائج، موضحاً: “حين يُترجم الإنفاق إلى حملات طَرْق الأبواب والإعلانات، فإن الرابط يكون طبيعياً للغاية”.
وتشير دلائل إلى استمرار أزمة التمويل بعد آخر حسابات حزب العمال، ومن بينها تجميد التوظيف داخل الحزب، وفق أشخاص مطلعين على الأمر طلبوا عدم الكشف عن هويتهم.
ولم يشهد الموظفون زيادات تُذكر في الرواتب خلال العامين الماضيين، فيما غادر كوادر حملات محلية ذوو خبرة إلى العمل ضمن الطواقم البرلمانية من دون تعويضهم.
