في صباح 30 من تشرين الثاني 2024، سطعت شمس مختلفة على مدينة حلب، شمالي سوريا، حيث استيقظ السكان على واقع ميداني مغاير، بعد معارك لم تدم طويلًا، ولم تكن بالعنف المتوقع لمدينة بهذا الحجم وهذا الموقع الاستراتيجي، وبهذه الأهمية الجغرافية والسياسية لـ”الشهباء”، المدينة الصناعية، والعاصمة الاقتصادية لسوريا.
“كأنها شمس العيد”، كلمات ينقلها الناشط أحمد حلاق المعروف بـ “أبو روما” عن سيدة حلبية، تصف نهار اليوم الأول لسيطرة “إدارة العمليات العسكرية” بعد أن أخرجت قوات النظام السوري السابق، إلى خارج أسوار المدينة.
وحلب مدينة تضرب جذورها في التاريخ، إذ تعد من أقدم المدن المأهولة في العالم، وعلى مستوى سوريا، تحتل المدينة مركزًا مهمًا على الخريطة، نظرًا لموقعها الجغرافي، ووقوعها على خط الصناعة الذي يمدّ سوريا بمختلف المنتجات.
مدينة حلب بعد سيطرة فصائل المعارضة عليها- 30 تشرين الثاني 2024 ( \ ديان جنباز)
مشاعر مختلطة
شعور من الخوف والفرح، انتاب حلبيين عاصروا بدء دخول قوات المعارضة إلى المدينة، التي بدأت في مساء 29 من تشرين الثاني 2024، وانتهت مع ساعات الفجر الأولى.
وبدأت عمليات السيطرة على حلب، بعد أن انطلاق عملية “ردع العدوان، في 27 من تشرين الثاني 2024، والتي أعلنت عنها “إدارة العمليات العسكرية” وهي الاسم الذي ضمّ الفصائل التي أدارت دفة المعركة.
ولم يكن واضحًا في الساعات الأولى من انطلاق المعركة، أن حلب هي القصد لقوات “ردع العدوان”، وهي السبيل إلى بقية مناطق سوريا، إلا بعد الاقتراب إلى حدودها الغربية، في اليوم الثاني من العملية.
وأطلقت الرصاصة الأولى في الريف الغربي لمدينة حلب، بدءًا من بلدتي قبتان الجبل وعنجارة، ثم امتد زحف المقاتلين ليصلوا إلى تخوم المدينة في اليوم الثاني، وبدأ الدخول من أبوابها الغربية في اليوم الثالث.
ومع دخول يوم الجمعة، 29 من تشرين الثاني، كانت قوات “ردع العدوان” تتغلغل داخل الأحياء الغربية من مدينة حلب، في مشهد غير متوقع، حيث بدأت المقاطع المصورة، التي تظهر المقاتلين وهم يمزقون صور الرئيس المخلوع، بشار الأسد، داخل أحياء المدينة.
ومع دخول فجر يوم السبت، 30 من تشرين الثاني، كانت مدينة حلب خالية من قوات جيش النظام، وعناصر “إدارة العمليات العسكرية” بحتفلون بأسلحتهم في ساحة “سعد الله الجابري” وأمام قلعة “حلب”.
خوف وفرح
وفي حين شعرت السيدة الحلبية حسناء مصري، التي كانت تقيم في حلب تلك الفترة، بالفرح من خلاصها من النظام، وما رافقه من أحداث عايشتها في تلك الحقبة، فإنها كانت تخشى من عودة النزوح والقصف والحرب وعمليات القتل وهدم البيوت.
المخاوف من القصف لم تكن مشاعر السيدة مصري وحدها، إذ تخوف السوريون من هذا المشهد الذي اعتادوه من النظام، انتقامًا من المناطق التي كان يخسرها.
أيضًا مشاعر من الخوف والحذر كانت تنتاب صالح السمان، الذي كان يخشى من عودة سيناريو القصف إلى المدينة، كما كان الحال في ذروته بين عامي 2013 و2014.
من جانبها، كانت الشابة حسناء علو، تخشى من إظهار مشاعر الفرح بخروج النظام من حلب، خوفًا من “الشبيحة” (قوات رديفة لجيش النظام تشكلت من مدنيين)، إلى جانب خوفها من تكرار القصف على المدينة.
ومن أبرز المخاوف لدى “ابو روما” ألا تكون الضربة الأولى مجدية، وأن تعود الميليشيات الإيرانية والنظام للسيطرة على المناطق التي استحوذت عليها المعارضة.
“نعلم أن إعدادنا كبير، لكننا نعلم أيضًا الفرق كبير في العدة والسلاح، بين الجانبين، إذ يمتلك النظام سلاحًا متطورًا من مدفعيات وطيران” يقول “أبو روما”.
بالمقابل، كان لدى “أبو روما” أمل كبير، بالرغم من أن الوضع السياسي والدبلوماسي يسير “ضد تطلعات السوريين وآمالهم” وينهي تضحياتهم.
قلعة حلب شمال غربي سوريا – 3 كانون الأول 2024 (/ ديان جنباز)
المخاوف تحققت
مخاوف السوريين من انتقام النظام، تحققت في الساعات الأولى من سيطرة المعارضة على المدينة، إذ وقعت القذائف الأولى على حي الفرقان، في صبيحة 30 من تشرين الثاني 2024، مخلفة قتلى وجرحى.
كما قصف النظام ما كان يعرف بدوار “الباسل” بعد ساعات قليلة من إزالة نصب باسل الأسد، نجل الرئيس السوري الأسبق، حافظ الأسد، ما أدى إلى وقوع مجزرة راح ضحيتها 61 شخصًا وإصابة 70 آخرين بجروح، وفق ما وثقته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان“.
وفي مطلع كانون الأول 2024، استهدف النظام مشفى “الجامعة” في حلب، ما أدى إلى مقتل 12 شخصًا وإصابة العشرات.
حظر تجوال
الإعلامي “أبو روما” الذي رافق قوات “ردع العدوان” في دخولها إلى حلب، قال ل، إن المقاتلين أيضًا تخوفوا من ارتكاب المجازر خلف خطوطهم.
ولذلك، عممت “الإدارة” على كل الأسواق وأماكن التجمعات المدنيين، وفرضت نوعًا من حظر التجوال، وفضت تجمعات السيارات، كي لا يرصدها الطيران، لأنهم كانوا يدركون مدى خطورة ذلك.
وكانت “إدارة العمليات العسكرية” فرضت حظر تجوال من مساء 30 من تشرين الثاني 2024، لمدة 24 ساعة، وبررت ذلك بالحفظ على سلامة الأهالي وتأمينًا للممتلكات الخاصة والعامة من العبث.
انتشار أعلام الثورة السورية في محلات شوارع حلب – 15 كانون الأول 2024 (/ وليد الإدلبي)
حملات للطمأنة
مع بدء ذلك الصباح، بدأت الحركة المدنية بالنشاط، وسط حضور خجول للسكان في الشوارع، إلا أن جمعيات ومنظمات مجتمع مدني ومتطوعين بدأوا يطوفون في الشوارع، منهم من كان يوزع الخبز والمواد الأساسية، ومنهم من كان يسعى لطمأنة المدنيين.
استطاع أبناء مدينة حلب، من المهجرين الذين دخلوا إلى المدنية فور سقوطها بيد المعارضة، المساهمة بالسلم الأهلي، مما جعل من معركة حلب “مثالًا نموذجيًا”، وفق ما يراه الناشط حلاق، مشيرًا إلى أنها لم تسجل أي انتهاك بحق مدنيين.
كما لم تحدث أي سرقات للبنوك أو المرافق والمؤسسات العامة، بل تم تأمينها، وهو ما أسهم برفع الطموح نحو الاتجاه إلى محافظات أخرى، وفق حلاق.
وبحسب الناشط، استطاع المرافقون لقوات “ردع العدوان” الحديث مع الكثير من سكان المدينة وتطمينهم على بيوتهم وأرزاقهم.
المدنيون الذين لم يستطيعوا الخروج إلى المدينة خلال فترة الليل، بدأوا بالتحرك خلال الصباح، وبدأت عجلة الحياة بالدوران، وأكثر ما كان مبشرًا هو خروج الحلبيين إلى أعمالهم مباشرة، بحسب “أبو روما”.
كما عادت الأفران إلى عملها بالشكل الطبيعي، فضلًا عن المشافي والمرافق والمؤسسات الرسمية، التي عادت لتقديم الخدمة مباشرة، وهو ما ساعد المقاتلين الذين كانوا على الخطوط الأولى على أن يكونوا مطمئنين من الناحية المجتمعية، يشير الناشط.
وهنا تخلخلت آلة النظام “الإجرامية” والعسكرية والأمنية، بحسب ما يراه “أبو روما”، إذ بدأت فعليًا بالسقوط بأعين السوريين، كما سقط بنظر المجتمع الدولي والإقليمي، الذين عرفوا أن النظام كان معتمدًا على الدعم الروسي ومن المليشيات الإيرانية والعراقية.
مدينة حلب بعد سيطرة فصائل المعارضة عليها- 30 تشرين الثاني 2024 ( \ ديان جنباز)
لم يكن متوقعًا
تفاجأ السوريون، وحتى المقاتلين أنفسهم بسرعة سير العملية، التي أذهلت حتى المخططين لها، حيث استطاعت قلب الموازين إلى صالح المعارضة، التي كانت في انكسار حادّ منذ عام 2014.
العملية التي بدأت في 27 من تشرين الثاني 2024، وضعت حلب نصب أعينها، والتي كانت “مفتاح النصر” بحسب ما عبر عنه ناشطون، حيث سهلت عملية السيطرة على بقية المحافظات، وصولًا إلى العاصمة دمشق، في 8 من كانون الأول من ذات العام.
ولم تتوقع حسناء مصري، أن يسقط النظام بهذه السهولة، إذ شعرت بداية أن حلب ستكون تحت سيطرة المعارضة، في حين ستبقى بقية المحافظات ستبقى تحت سلطة النظام السابق.
كما توقع صالح السمان أن تنتهي العملية العسكرية بالسيطرة على حلب، إذ رأى أنه من المستحيل والمستبعد التقدم لحماة أو حمص لأن عناصر النظام الذين خرجوا من المدينة تجمعوا على أطرافها.
التنظيم العسكري والقوات المقاتلة التي عملت خلف خطوط العدو، استطاعت أن تحقق أكثر مما هو متوقع، وأن تفاجئ بانهيار صفوف النظام، بدءًا من ريف حلب الغربي ووصولًا إلى حلب، وفق ما رآه “أبو روما”.
ومع السيطرة على حلب بدأت الطموحات تكبر، ولفت “أبو روما” إلى أن غرفة “إدارة العمليات العسكرية” بعد أن بدأت الزحف باتجاه مدن حماة وحمص، صرحت بأن المعركة بلا سقف، في حين كان المتوقع أن تكون الحدود إلى اتفاقية “أستانة”، حيث استطاع النظام اجتزاء بعض الأراضي المتفق عليها سياسيًا، وكانت الفكرة حينها لردع النظام عن ذلك.
وبعد السيطرة على حلب، بدأ السوريون، بمن فيهم الذين كانوا محبطين، بالالتحاق بالمعركة والالتحام إلى جانب قوات “إدارة العمليات العسكرية” بشكل شعبي ومجتمعي.
واستكملت المعارضة السيطرة على كامل المحافظة، لتنهي وجود النظام فيها، مع مطلع كانون الأول 2024، والزحف نحو المدن والمحافظات الأخرى، في حين بقي حيي الأشرفية والشيخ مقصود بيد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) حتى اللحظة.
ساعة باب الفرج في مدينة حلب بعد سيطرة فصائل المعارضة عليها- 29 تشرين الثاني 2024 ( \ ديان جنباز)
تهجير 2016
السيطرة على حلب كانت لحظة فارقة في عمر الثورة السورية، وأعادت إلى أذهان السوريين لحظات من دخول المقاتلين المعارضين إلى المدنية في منتصف عام 2012، والذين سيطروا على الجزء الشرقي من المدينة حتى نهاية عام 2016.
وفي أواخر عام 2016 شن النظام السوري، بدعم قوي من حليتفه روسيا، عملية عسكرية للسيطرة على الأحياء الشرقية من المدينة، والتي انتهت بإخراج مقاتلي المعارضة، مع نحو 300,000 من المدنيين إلى خارج المدينة، بالباصات الخضراء.
ردد المحتفلون أناشيد الثورة السورية وسط مدينة حلب – 21 كانون الأول 2024 (/ وليد الإدلبي)
المقاتلون الذين خرجوا حينها، عادوا بعد نحو ثماني سنوات، لا ليستعيدوا السيطرة على ما خسروه حينها، بل ليستحوذوا على كامل المدينة، وينطلقوا منها نحو هدف أكبر، إسقاط النظام، والذي تحقق فجر 8 من كانون الأول 2024.
11 يومًا غيرت وجه المنطقة.. عام على “ردع العدوان”
المصدر: عنب بلدي
