بمسار فني عابر للحدود، ومشدود إلى الفكرة قبل الشكل، يبرز الفنان التشكيلي الجزائري حمزة بونوة كأحد الأسماء التي نجحت في بناء تجربة معاصرة ذات حضور دولي، من دون أن تنفصل عن جذورها وانتمائها.

خرّيج المدرسة العليا للفنون الجميلة بالجزائر، أقام في البرازيل وكندا ولبنان قبل أن يستقر في الكويت. مسارات شكّلت تجربته ورسّخت قناعته بأن الفن الحقيقي لا يُقاس بالتقنية وحدها، بل بقدرة الفكرة على إثارة النقاش والحوار.

عزّز حضوره في معارض مرموقة بأمريكا وأوروبا وآسيا والعالم العربي، وتمّ بيع أعماله في مزادات كبرى مثل سوثبيز وكريستيز. كما اضطلع بأدوار مؤسساتية وثقافية عدّة، من محافظ للمهرجان الدولي للفن التشكيلي المعاصر، إلى تجارب سابقة كمستشار فني لبينالي الشمال بالسويد، وعضو لجنة الفرز في بينالي الشارقة الدولي للخط. وبهذا التراكم عاد إلى الجزائر مطلقاً “ديوانية الفن”.

“الشرق” قابلت الفنان الجزائري حمزة بونوة، وحاورته حول فلسفته الفنية، ومبادراته الثقافية، ورؤيته للفنون المعاصرة في الجزائر، وعلاقته بالحرف العربي.

كيف تمكنت من تحويل الحرف العربي من عنصر لغوي ودلالي إلى كائن بصري حيّ داخل الفضاء الحضري، مع إعادة تعريف العلاقة بين المدينة والفن والحفاظ على جذوره وهويته العربية؟

يُعدّ الحرف العربي ركيزة أساسية في الفن الإسلامي، يعبّر عن هوية الأمّة العربية والإسلامية وتراثها الثقافي والبصري. فهو يشكّل تركيبات فنية متناغمة ومعقّدة، وهو ليس حركات خطية فقط، بل تشكيلات فنية لها تعبيرها الصامت المتكلم بالمعنى أيضاً.

 خلال جائحة كورونا مثلاً، رغبت في التعبير وعدم البقاء ساكنًا، فاستجبت لهذه الحاجة بإطلاق مبادرة “حروف الجنة” باستخدام الخط الضوئي في شوارع الجزائر العاصمة لبث الأمل ودمج الحروف مع هندسة المدينة لإبراز جمالها الحضاري.

 كما قدمت مشروع “لم الشمل العربي”، المستوحى من فكرة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، حول توحيد الصف العربي، تزامناً مع القمة العربية المنعقدة بالجزائر (2022) كتأريخ فني لجهود الجزائر.

يرمز النصب التذكاري بالتشكيلات الحرفية إلى القوّة ووحدة الموقف، واتجاه الحروف للأعلى يعبّر عن العزة والتطلع للمستقبل، ما يجسد رؤية التعاون والتواصل المستمر لحل الأزمات العربية، ويبرز الحرف العربي كلغة جامعة للدول العربية، تعكس موقف كل دولة ورأيها الموحد.

وكيف ينجح الفن التشكيلي في تحويل الكلمة المستمدّة من الشعر والنص الأدبي إلى تجربة بصرية حية؟

للفن التشكيلي القدرة على تحرير الكلمة من وظيفتها التداولية المباشرة، حين يستلهم من الشعر والنصوص الأدبية. فالفنان يعيد صياغتها كعنصر بصري، يحمل دلالاته عبر الشكل واللون والإيقاع. إذا الكلمة هنا لا تُقرأ بل تُرى وتُحَسّ، وتتحول من خطاب لغوي مغلق إلى فضاء تأويلي مفتوح عبر التفكيك والاختزال. حينها تحتفظ الرسالة الإنسانية للنص بروحها الجوهرية، لكنها أيضاً تتحرر من سلطة المعنى الواحد، وتمنح للمتلقي حرية قراءة جديدة.

استناداً إلى تجاربكم الدولية ومبادراتكم الفنية، كيف انتقلتم لتطبيق رؤيتكم محلياً عبر “ديوانية الفن”؟

ديوانية الفن، مشروع فني وثقافي تأسس عام 2020 بالجزائر، لدعم الفنانين وتحريك المشهد الفني. وذلك من خلال استقبال جزائريين وعرباً وأجانب بأفكار معاصرة، وتنشيط سوق الفن الجزائري، وترسيخ مكانة الجزائر كمركز للفن المعاصر.

 نسعى لدعم المواهب الجديدة عبر المرافقة الفنية والتسويق لأعمالهم، وربطهم بشبكات الفن الدولية لتعزيز الانفتاح والتجريب، نجحت الديوانية في الحفاظ على حضورها خلال الأزمة الصحية العالمية بإقامة معارض افتراضية ومشاركات دولية، عززت مكانة الفن الجزائري والعربي عالمياً، لكن تمّ تجميد عملها بعد تعيني محافظاً للمهرجان الدولي للفن التشكيلي المعاصر تفادياً لتضارب المصالح.

وكيف تدعم الديوانية الفنانين الجزائريين -المتوجين بجائزة المبدعين الشباب- للوصول إلى معارض عالمية، وأي أثر تتركه المبادرة على مسيرتهم؟

تُعدّ جائزة رئيس الجمهورية للمبدعين الشباب دعماً معنوياً حقيقياً للشباب الجزائري الموهوب. لكن دعم الدولة وحده لا يكفي. يجب على المجتمع الفني من مؤسسات وفنانين ومبادرات خاصة، مرافقتهم بمشاريع عملية تساعدهم على الولوج إلى الاحتراف وصقل مسيرتهم الفنية. هذا ما نعمل عليه في الديوانية، فقد عرضنا أعمال الفائزين بجائزة علي معاشي ضمن معرض “مجموعة الصيف” (2023)، ما منحهم مساحة أكبر للشهرة والاعتراف، وساهم في خطوات ملموسة نحو الاحترافية.

مع الاعتراف العالمي بجودة الأعمال الجزائرية، كيف سيسهم “Art Fair” المستقل في تعزيز السوق التشكيلي وجعل الفن الجزائري أكثر ديناميكية واستدامة؟

انطلاقاً من قناعتي بأن الأروقة الخاصة تشكل محركاً أساسياً لسوق الفن، أرى أن تطوير السوق التشكيلي في الجزائر يتطلب تمكين هذه الأروقة وتوفير فضاءات مهنية واقتصادية واضحة.

 وبصفتي محافظاً للمهرجان الدولي للفن التشكيلي المعاصر، أدرجنا تجربة “آرت فير” ضمن المهرجان منذ الطبعة التاسعة بدعوة أروقة دولية. هذا الأمر منح المشروع انتظاماً سنوياً وشراكات مهنية محترفة بين الفاعلين المحليين والدوليين.

 ومع تطوّر المشروع، بات فصل “آرت فير” عن المهرجان ضرورة استراتيجية، كي يصبح مشروعاً مستقلاً وقابلاً للربح بطريقة احترافية. بينما يحافظ المهرجان على طابعه الثقافي. يشكل “آرت فير” الرئة الاقتصادية لسوق الفن، ويدعم الأروقة والفنانين، ويجعل السوق أكثر ديناميكية واستدامة وقدرة على الانفتاح والاندماج عالمياً.

في ظل التوجه الجديد للمهرجان، كيف يمكن للمنصّات الرقمية والذكاء الاصطناعي تطوير الفن التشكيلي الجزائري، وتعزيزه ثقافياً واقتصادياً، وفتح فرص استثمارية وتفاعل عالمي؟

في ظل التحوّلات العالمية، أصبح دمج الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي مع الممارسة الفنية ضرورة لتطوير الفن التشكيلي الجزائري وربطه بالاقتصاد الثقافي.

تتطلب المرحلة المقبلة دعم منصّات رقمية، تمكّن الفنان من الوصول إلى جمهور أوسع داخل الجزائر وخارجها، وعرض أعماله في فضاءات جديدة تتجاوز القاعات التقليدية. لم يعد عرض الأعمال حكراً على المتاحف والأروقة، بل تحوّل بقوة إلى منصّات رقمية دولية مؤثرة مثل  Art.sy و Artnet  و Artscope، التي تتيح للفنانين عرض أعمالهم وتسويقها وبيعها بسرعة أكبر، مع اعتماد وسائل الدفع الإلكتروني، ما يسهل الاقتناء ويخلق ديناميكية اقتصادية جديدة لسوق الفن.

أعتقد أن تطوير منصّات رقمية جزائرية متخصصة، سيسهم في إيجاد فرص استثمارية حقيقية، وفتح شراكات مع فاعلين دوليين، وتعزيز الفن الجزائري عالمياً ليصبح قطاعاً اقتصادياً منتجاً، يحافظ على هويته وخصوصيته الثقافية.

بالحديث عن الخصوصية الثقافية، متى يصبح العمل الفني مجرد استعراض بصري يطغى فيه الرقمي على الفكرة؟

في الطبعة الأخيرة من المهرجان، ركزنا على دور الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في تطوير الفنون، وعلاقة هذه الأدوات بالفكرة، والهوية، والإبداع، والسوق. إلا أن التجربة الفنية تتحول إلى مجرد استعراض بصري، إذا طغت التكنولوجيا على الفكرة والإحساس، ويصبح الشكل غاية بدل أن يكون وسيلة للتعبير.

 الخطر لا يكمن في التقنية، بل في فصلها عن السياق الثقافي والإنساني، ما يجعل العمل يفقد هويته. يمكن للذكاء الاصطناعي دعم الفنانين في تحليل الأسواق، وفهم الجمهور، وتحسين التسويق، وإنشاء أعمال فنية من دون أن تحل محل الحس الإبداع. عبر التاريخ كانت التكنولوجيا تدفع الفنانين لإعادة النظر في أساليبهم، كما حدث مع ظهور التصوير الفوتوغرافي الذي نقلهم من محاكاة الطبيعة إلى رؤى وأساليب جديدة.

وهل تقيّد الضغوط الاقتصادية والثقافية حرية الفنان في التعبير عن هويته ورؤيته، أم يظل قادراً على التوازن بين الأصالة والانفتاح؟

يتمتع الفنان الجزائري المعاصر بهامش واسع من الحرية في التعبير عن الهوية والذاكرة والواقع . إلا أن التحدي يكمن في الضغوط غير المرئية المرتبطة بالسوق والذائقة السائدة والفهم التقليدي للأصالة. فالأصالة ليست قالباً جامداً، وإنما مصدر لإنتاج أفكار معاصرة قابلة للتطوّر والتجريب.

 المبدع يحوّل الموروث الثقافي إلى مادة حيّة قابلة لإعادة التأويل، كما في تصميم الأزياء. حيث لا يكفي إعادة إنتاج التقليدي، بل يتطلب رؤى جديدة تجعله متأقلماً مع العصر، ومنتجاً ثقافياً يسهم في بناء هوية بصرية جزائرية معاصرة. في هذا الإطار يبقى التراث التاريخي رمزياً ومتاحاً للمتاحف والبحث، أما مهمة الفنان المعاصر فهي إعادة التفكير فيه وتجديده. يحدث التوازن بين الأصالة والانفتاح، عبر حوار مستمر بين المحلي والكوني، ما يجعل التجربة الفنية الجزائرية حيّة ومتجددة وتحافظ على خصوصيتها.

في ظل غياب مدارس ومناهج للفنون المعاصرة، كيف يوازن الفنان بين التعبير البصري والتفكير النقدي؟

توجد في الجزائر مدارس وكليات فنية تلعب دوراً مهماً في التكوين الفني. لكن التحدي يكمن في تحديث البرامج البيداغوجية لمواكبة التطوّر السريع للممارسات الفنية المعاصرة. فالمناهج التقليدية الجامدة بحاجة إلى التجديد نظرياً وتطبيقياً لتعزيز التفكير النقدي، وربط الفكرة بالشكل والسياق الثقافي.

هذا التحديث يحوّل التراث من مجرد نموذج للتكرار، إلى مادة لإعادة التأويل وبناء أسلوب فني معاصر أصيل. إن التوازن بين النقد والتعبير البصري يتحقق عبر بيئة تعليمية، تشجّع البحث والتجريب وتعدد الوسائط وتقبل الاختلاف، مما يدفع الفنان نحو الإبداع كمعيار أساسي لتجربة متجذرة ثقافياً ومنفتحة عالمياً.

شاركها.