“لحظة واحدة قادرة على إعادة كتابة المصير، فالأمنيات ليست هروبًا من الواقع، بل مواجهة له من زاوية مختلفة. الشخصيات لا تُمنح معجزات، وإنما تُمنح فرصة للنظر إلى حياتها بوعي جديد”، بهذا يمكن تلخيص فكرة مسرحية “فيفا لافيتا” السورية، التي عُرضت على خشبة مسرح موسم “الرياض”.
المسرحية تقدم معالجة درامية- كوميدية معاصرة تنطلق من قلب المأساة، لكنها لا تقيم فيها طويلًا، فالعرض يعيد النظر في مصير شخصية “هاملت”، الرمز الإنساني للصراع والحزن والتردد، واضعًا إياه أمام احتمال مختلف: ماذا لو لم يكن القدر حكمًا نهائيًا، بل مسارًا قابلًا لإعادة الكتابة؟
أمنية في ذروة الانكسار
تبدأ الحكاية في لحظة داخلية شديدة الخصوصية، حيث يجد “هاملت” نفسه مثقلًا بالألم، محاصرًا بالأسئلة، وعاجزًا عن تجاوز خساراته، وفي ذروة هذا الانكسار، يتمنى أمنية صادقة، لا تنبع من الرغبة في الانتقام أو الهروب، بل من حاجة إنسانية عميقة للحياة.
هنا، لا تأتي الأمنية بوصفها معجزة خارقة، بل كنقطة تحول نفسية تغير زاوية الرؤية، وتفتح أمام البطل أبوابًا لم يكن يراها من قبل.
مع تحقق هذه الأمنية، تبدأ ملامح العالم من حول “هاملت” بالتبدل، يتحول الحزن إلى مساحة للتأمل، وتفسح القسوة المجال لمشاعر الحب، بينما يولد الأمل من قلب اليأس، لا بوصفه وعدًا ساذجًا بالسعادة، بل كخيار واعٍ بالاستمرار.
وتنعكس هذه التحولات على الشخصيات الأخرى، التي تدخل بدورها في دوائر من الشك والمواجهة والتصالح، لتتداخل مصايرها في رحلة جماعية نحو إعادة اكتشاف الذات.
المسرحية التي عُرضت بين 9 و15 من كانون الثاني الحالي، من إخراج رغداء شعراني، وبطولة الفنان السوري بسام كوسا وأسيل عمران وعلاء الزعبي ونادين تحسين بيك وشادي الصفدي وغيرهم.
الكوميديا لكسر حدة المأساة
تعتمد المسرحية على أسلوب سردي يوازن بين العمق والمرح، حيث تُستخدم الكوميديا لكسر حدة المأساة، لا لإلغائها، فالضحك هنا لا يأتي على حساب المعنى، بل يكشف التناقضات الإنسانية، ويقرّب الشخصيات من الجمهور، فيصبح المتفرج شاهدًا على صراعات تشبهه، وأسئلة مرّ بها أو لا يزال يواجهها.
في جوهرها، لا تروي “فيفا لافيتا” قصة عن “هاملت” وحده، بل عن الإنسان حين يُمنح فرصة للنظر إلى حياته من جديد.
هي مسرحية تحتفي بالأمل دون إنكار الألم، وتؤمن بأن قرارًا واحدًا قد يكون كافيًا لتغيير المسار، وبأن الحياة، مهما اشتدت قسوتها، تظل جديرة بأن تُعاش.
على المستوى الفني، تُبنى “فيفا لافيتا” كتجربة مسرحية، يتجاور فيها التمثيل مع الغناء والاستعراضات البصرية في نسيج واحد.
الأغاني التي قُدمت ضمن العرض عبرت عما عجزت الكلمات عن قوله، والحركة المسرحية تترجم التحولات الداخلية للشخصيات، بينما تخلق الصورة البصرية عالمًا معاصرًا ينبض بالإيقاع والحياة، هذا التكامل منح العرض طاقة ديناميكية حافظت على تفاعل الجمهور، وجعلته جزءًا من الرحلة لا مجرد متلقٍ لها.
ويبرز العمل بوصفه جهدًا جماعيًا، حيث تتوزع الأدوار بين شخصيات تحمل رؤى ومواقف مختلفة من الحياة، ما يثري الصراع الدرامي ويمنحه أبعادًا متعددة.
Related
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
المصدر: عنب بلدي
