– كريستينا الشماس

في زقاق ضيق من أزقة سوق “البزورية” الدمشقي، يقف خان “أسعد باشا” شاهدًا على التراث السوري، يروي قصة دمشق الاقتصادية والاجتماعية منذ أكثر من 270 عامًا.

المبنى الذي شيده والي دمشق أسعد باشا العظم عام 1751، بعد أربع سنوات فقط من بناء قصر العظم، كان في الأصل محطة رئيسة للقوافل التجارية، حيث يأتي التجار من الشرق والغرب حاملين معهم التوابل والأقمشة والمجوهرات.

يقدم الخان اليوم مع ترميمه وتحويله إلى فضاء ثقافي تجربة جديدة للزوار، تجمع بين عبق التاريخ وجمال العمارة، لتصبح دمشق شاهدة على تطور حضارتها بين التجارة والفن.

حياة القوافل التجارية داخل الخان

لم يكن خان “أسعد باشا” عندما بناه والي دمشق مجرد مكان للإقامة، بل كان قلب التجارة النابض في المدينة، حيث شيد على مساحة 2500 متر مربع في قلب سوق “البزورية”، جنوب شرق الجامع “الأموي”، ليكون محطة لاستقبال القوافل التجارية التي تمر عبر دمشق على طريق الحرير.

كلمة “خان” تعني النزل المخصص للتجار، ما يعكس طبيعة الدور الذي لعبه المبنى منذ بداياته، وهو تنظيم حياة التجار وتأمين مكان آمن لتخزين البضائع ولإقامتهم.

يتألف الخان من طابقين، يضم الطابق الأرضي 40 غرفة استخدمت كمستودعات ومكاتب للتجار، بينما يخصص الطابق العلوي لـ44 غرفة للمنامات تطل جميعها على باحة مركزية، مع ثلاث شرفات لكل جهة، ما كان يسهل التواصل بين الغرف والباحة.

وكانت الغرفة الخاصة بـ”الخانجي”، أي مدير الخان، نقطة التحكم لمراقبة حركة القوافل وتنظيم شؤون التجار.

قالت مديرة متحف “خان أسعد باشا”، نوار السالم، لوكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، إن تصميم الخان لم يكن مجرد تخطيط هندسي عادي، بل كان تعبيرًا عن فلسفة دمشقية تجمع بين الجمال والوظيفة العملية، فكل غرفة وشرفة وزاوية في الباحة صُممت لتسهيل حياة التجار اليومية، لتكون تجربة الإقامة والعمل والتجارة متكاملة.

العمارة الدمشقية بأبهى صورها

الواجهة الحجرية للبناية، البوابة الخشبية الضخمة المصفحة بالحديد، سبيلا الماء على جانبيها، والأعمدة المزينة بالزخارف الخطية، كل هذه التفاصيل تعكس التقاليد المعمارية الدمشقية في ذروتها.

البنية المربعة تتوسطها باحة رحبة، تعلوها “بحرة” مضلعة محاطة بأربعة أعمدة ضخمة تحمل ثماني قباب هندسية، تم تصميمها بعناية لتوزيع الضوء والصوت داخل الخان.

أما القبة التاسعة فتتوسط “البحرة” المركزية، لتفتح نافذة على السماء صيفًا، وتجمع مياه الأمطار شتاء.

تعرض الخان لأضرار بالغة جراء الزلزال الذي ضرب دمشق عام 1759، ما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة منه، ومع ذلك استمر في أداء دوره، حيث استُخدم لاحقًا مستودعًا لبضائع تجار سوق “البزورية” المجاور.

مع حلول عام 1980، استملكت المديرية العامة للآثار والمتاحف الخان لتبدأ رحلة طويلة من الترميم والصيانة بهدف الحفاظ على هذا المعلم الأثري، فقد جرى ترميم الأرضيات والأعمدة والأبواب و”البحرة” المركزية، إضافة إلى الواجهة الحجرية الشهيرة خلال العام الماضي والتي تعد من أجمل واجهات المباني التراثية الدمشقية، كما تواصل المديرية، بحسب السالم، تنفيذ أعمال الترميم بشكل دوري للحفاظ على القيمة التاريخية والجمالية للخان.

خان أسعد باشا في دمشق القديمة - 24 أيلول 2024 (عدنان الحمصي/فيسبوك)

خان أسعد باشا في دمشق القديمة – 24 أيلول 2024 (عدنان الحمصي/فيسبوك)

من خان تجاري إلى مركز ثقافي

أصبح خان “أسعد باشا” اليوم أكثر من مجرد معلم تاريخي، فقد تحول إلى مركز ثقافي وفني متكامل، يحتضن الأنشطة التي تجعل الزائر يعيش تجربة حية للتراث الدمشقي، تقام في أروقته وباحته المركزية الأمسيات الشعرية التي تجمع بين الشعراء المحليين والوافدين من مناطق مختلفة، لتضفي على المكان أجواء مميزة تتجاوز مجرد الاستماع، إلى تجربة سمعية وبصرية متكاملة.

كما تنظم العروض الموسيقية التي تستحضر أنغام الموسيقا الدمشقية التقليدية، إلى جانب الفنون المعاصرة، ما يخلق نوعًا من التلاقي بين التراث والحداثة.

وتشكل المعارض الفنية محورًا آخر من محاور النشاط في الخان، حيث تُعرض الأعمال التشكيلية والنحتية التي تتفاعل مع العمارة الداخلية للمبنى، في تباين يبرز جمال الحجر والخشب والخط العربي مع الإبداعات المعاصرة.

ويشارك في هذه الفعاليات فنانون من داخل دمشق وخارجها، ما يحول الخان إلى منصة حقيقية لتبادل الثقافات والتجارب الفنية.

إلى جانب الفنون، يحتضن الخان مناسبات اجتماعية وثقافية متنوعة، مثل ورشات العمل التعليمية للأطفال والشباب، والندوات التي تركز على التراث الدمشقي وفنون العمارة، وأمسيات حوارية حول دور التاريخ في تشكيل الهوية الوطنية.

هذه الأنشطة لم تمنح الخان بُعدًا ثقافيًا جديدًا فحسب، بل جعلته أيضًا نقطة التقاء بين المجتمع المحلي والزوار والسياح، حيث يمكن لأي شخص أن يشعر بانسجام الماضي مع الحاضر.

اليوم، يستعيد خان “أسعد باشا” حضوره كموقع سياحي وثقافي بارز في دمشق، يستقبل الزائرين من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، ويقدّم تجربة تعليمية وترفيهية في آن واحد.

وتأتي هذه التحولات كجزء من الجهد لإعادة توظيف المبنى كفضاء ثقافي تراثي بروح جديدة، تعبر عن حاجة السوريين إلى استعادة ذاكرتهم الجمعية، وربط التراث بالواقع المعاصر، بحيث يصبح الخان مكانًا يمكن فيه للجيل الجديد أن يلمس التاريخ ويعيشه، لا أن يراه فقط كمبنى حجري قديم.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.