تنشر هذه المادة في إطار شراكة إعلامية بين وDW


تشهد منطقة الشرق الأوسط ملامح محور أمني ثلاثي يضم المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا، يتمحور حول اتفاقية الدفاع المشترك السعودية الباكستانية التي وقعتها الدولتان في سبتمبر/أيلول الماضي. وتستند الاتفاقية بشكل فضفاض إلى مبادئ الدفاع الجماعي، وتلزم كل طرف بالتعامل مع أي هجوم على الطرف الآخر على أنه هجوم على غيره من الأطراف، مع تعمد فرض قدر من الغموض بشأن الردود العسكرية التلقائية والبعد النووي.

إعادة ضبط الأمن الإقليمي

ويقول جورجيو كافيرو الأستاذ المساعد الفخري في جامعة جورج تاون والزميل لمركز أبحاث مشروع الأمن الأمريكي، في تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية، إن انضمام أنقرة المحتمل إلى هذه الاتفاقية سيشير إلى جهد جاد لإعادة ضبط الأمن الإقليمي في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي المتزايدة، حيث تشعر تركيا والسعودية وباكستان بقلق متزايد إزاء مجموعة من التهديدات على طول حدودها، مضيفا أن المناقشات حول انضمام تركيا إلى هذه الآلية الأمنية متعددة المستويات يعد تحولا أوسع نحو هياكل أمنية مرنة ومتعددة الطبقات.

كما يحمل الإطار المقترح للتعاون الثلاثي بعدا تجاريا وصناعيا واضحا، حيث يتجلى التعاون الأمني ​​الحديث في المنطقة بشكل متزايد من خلال تدفقات المشتريات، واتفاقيات الإنتاج المشترك، والوصول اللوجستي، وهياكل التمويل، بدلا من الاكتفاء ببنود المعاهدات العامة.

وتعتبر القدرات النووية الباكستانية وجيشها عالي التدريب رادعا قويا، بينما توفر السعودية رأس المال والثقل السياسي، وتساهم تركيا بصناعة عسكرية متطورة وقوات مسلحة ذات خبرة عملياتية. لذا، من المرجح ظهور أي تقدم ملموس أولا في إشارات هادئة وقابلة للقياس مثل التدريبات المشتركة، وتمويل الصادرات، والشراكات الصناعية، قبل الإعلانات الرسمية لترتيبات الدفاع الجماعي.

في الوقت نفسه يتزايد قلق المسؤولين في أنقرة إزاء العدوان الإسرائيلي العابر للحدود، لا سيما في سوريا، ويرون فيه تهديدا متناميا لمصالح تركيا الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية. لذلك تتعامل أنقرة مع هذه المحادثات كجزء من رؤية أوسع للتعاون الإقليمي القائم على الثقة والاستقلالية الاستراتيجية، وليس على سياسات التكتلات.

من ناحيتها تبدو السعودية مدفوعة برغبة في توسيع شراكاتها الأمنية، وتحصين أمنها ضد عدم استقرار الالتزامات الأمريكية، مع الإبقاء على واشنطن كضامن مركزي، وإن لم يكن حصريا. ولا شك أن الهجوم الإسرائيلي غير المسبوق على قطر في سبتمبر/أيلول الماضي قد أثر في حسابات الرياض، مؤكدا مخاطر الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة في الأمن، خاصةً وأن واشنطن لم تحمِ الدوحة من العدوان الإسرائيلي الدولي.

الدفاع.. مركز حسابات باكستان

أما حسابات باكستان فهي تنطلق بصورة أكبر من فكرة الصفقات، حيث تتعامل مع التعاون الدفاعي كقناة لبيع الأسلحة والإنتاج المشترك والتدريب والتسهيلات الائتمانية.

من ناحيتها تقول الدكتورة أرحمة صديقة الباحثة في معهد الدراسات الاستراتيجية بإسلام آباد إن “باكستان ترتبط بالفعل بعلاقات دفاعية ثنائية مع كل من الرياض وأنقرة؛ وتكمن القيمة المضافة لاتفاقية ثلاثية في ترسيخ هذه العلاقات، من خلال آليات دائمة وتوحيد الموارد، وليس في تكوين صداقات جديدة.

ومن وجهة نظر باكستان، فإن أي ترتيب دفاعي سعودي-تركي-باكستاني سيسهم بالدرجة الأولى في سد ثغرات التنسيق وتعزيز القدرة على الصمود، بدلا من استبدال العلاقات الثنائية القائمة”.

وفي أعقاب المواجهة العسكرية مع الهند في مايو/أيار 2025، وفي ظل تصاعد التوترات على طول الحدود الباكستانية مع أفغانستان، ينظر المسؤولون في إسلام آباد إلى اتفاقية ثلاثية مع الرياض وأنقرة كوسيلة محتملة لتعزيز أمنها.

“إشارات سياسية”

ويقول الدكتور جوكهان إيريلي، الباحث المستقل المقيم في أنقرة، “من وجهة نظر إسلام آباد، يسد أي اتفاق ثلاثي ثغرتين لا تستطيع العلاقات الثنائية سدهما، وهما: الإشارة السياسية الاستراتيجية، وردع التحالف. تمتلك باكستان بالفعل قدرات عسكرية ضد الهند، لكن الدعم المالي والسياسي السعودي، والعمق الصناعي الدفاعي التركي، يعززان موقفها”.

وأضاف: “على الحدود الأفغانية، لا تكمن القيمة في التدخل المباشر بقدر ما تكمن في تنسيق المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز القدرة على الصمود المالي، والحماية الدبلوماسية من خطابات العزلة، وضمان ألا تتحول الأزمات على الحدود الأفغانية إلى عزلة دولية لباكستان تضاف إلى انعدام الأمن الداخلي”.

ويقول جورجيو كافيرو الرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات الموجود مقرها في واشنطن جلف ستيتس أنالاتيكس إنه من الأفضل النظر إلى الحوار التركي الباكستاني السعودي الناشئ، ليس باعتباره ولادة تحالف جامد، بل كاستجابة تكيفية لبيئة أمنية متعددة الأقطاب ومجزأة. وهو يوضح كيف يتطور الأمن في الشرق الأوسط ليصبح مجموعة من الترتيبات المتداخلة التي تمزج بين الدبلوماسية والردع وإبرام الصفقات.

الصين تراقب

في الوقت نفسه تراقب الصين تحركات باكستان عن كثب انطلاقا من إدراكها لقيمة تحالفها القوي مع إسلام آباد ومصالحها الراسخة في باكستان. ببساطة، من المرجح أن تعتبر الصين هذا الإطار الأمني ​​بين هاتين الدولتين السنيتين مقبولا، شريطة أن يعزز الاستقرار الداخلي لباكستان ويتجنب تأجيج التوترات بين الهند وباكستان بما قد يعرقل التواصل الإقليمي أو يهدد المصالح الاقتصادية الصينية.

ولعل أكثر ما يشغل بكين هو ما إذا كان الاتفاق يسهم في الحفاظ على بيئة أمنية مستقرة تشجع على مبادرات البنية التحتية والتجارة والاستثمار طويلة الأجل، بدلا من إحداث تقلبات استراتيجية جديدة. وطالما أن هذا الترتيب لا يزيد من خطر التصعيد بين القوى المتنافسة في جنوب آسيا أو يستدعي تحالفات خارجية معادية للمصالح الصينية، فإنه سيبقى ضمن حدود المقبول.

ويبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كانت مشاركة باكستان في هذا التحالف مع السعودية وتركيا ستعزز مكانة إسلام آباد في الشرق الأوسط، أم أنها ستزيد من تقييد مرونتها الاستراتيجية، وتعقد علاقاتها مع قوى أخرى في المنطقة، كإيران والإمارات العربية المتحدة.

وترى الدكتورة سلمى مالك، الأستاذة المشاركة في جامعة قائد أعظم بإسلام آباد، أن هذا الترتيب قد يعقد علاقات باكستان في المنطقة، مشيرة إلى أن إسلام آباد ستبقى “غريبة عن المشهد الأمني ​​في الشرق الأوسط، ولن تلعب في أحسن الأحوال سوى دور رقابي، وهو ما قد يكلفها مصداقيتها وحسن نيتها لدى بعض حلفائها في الشرق الأوسط”.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.