تتواصل الاحتجاجات في إيران منذ أسابيع، تذكّر بمشاهد سابقة لكنها تحمل ملامح جديدة أكثر تعقيدًا، فمنذ انتخابات 2009 التي فجّرت “الحركة الخضراء”، مرورًا باحتجاجات 2019 على رفع أسعار الوقود، وصولًا إلى موجة 2022 عقب وفاة مهسا أميني، ظل الشارع الإيراني حاضرًا كعامل ضغط متكرر، لكن هذه المرة، تتقاطع الأزمة الاقتصادية الحادة مع شعارات سياسية مناوئة، فيما تتصاعد التهديدات الأمريكية والإسرائيلية بعمل عسكري، وسط تحذيرات عربية من تداعيات أي انهيار مفاجئ.
وبينما يرى مراقبون أن النظام الإيراني يواجه مرحلة “استقرار هش”، يؤكد آخرون أن أدواته الأمنية والسياسية تمنحه قدرة على الاحتواء المؤقت، ما يجعل المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات.
احتجاجات تتسع وتكشف هشاشة الداخل
ينطلق الغضب الشعبي من الأسواق والجامعات، ثم يمتد إلى الأحياء الشعبية في طهران وأصفهان وشيراز ومشهد، حيث يرفع المتظاهرون شعارات ضد تدهور الأوضاع المعيشية وانهيار العملة المحلية، وتتواصل المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن التي تستخدم الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي، فيما تُفرض قيود صارمة على الإنترنت لعزل الداخل عن الخارج.
يقول الباحث في الشؤون الإيرانية والشرق الأوسط، الدكتور هشام البقلي، في حديث لوكالة ستيب نيوز: إن هذه الاحتجاجات تختلف عن موجات 2009 و2019 و2022، ويضيف أن النظام الإيراني يمتلك خبرة كبيرة في احتوائها عبر حلول مؤقتة تجمع بين القبضة الأمنية ونظرية المؤامرة والاستجابة النسبية لمطالب المتظاهرين، لكنه يشير إلى أن هذه الأدوات لا تعالج جذور الأزمة، بل تمنح النظام وقتًا إضافيًا للبقاء.
واشنطن بين الضغط والتهديد العسكري
يتصاعد الموقف الخارجي مع تهديدات أمريكية متكررة، حيث تؤكد واشنطن أن إيران تقترب من “خط أحمر” يتعلق باستخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين، وتلوّح الإدارة الأمريكية بخيارات تشمل ضربات محدودة أو عمليات سيبرانية، بينما ترد طهران باتهام الولايات المتحدة وإسرائيل بتأجيج الشارع، مؤكدة أنها لن تقبل بالإملاءات.
يقول البقلي إن التدخل العسكري في إيران قادم لا محالة، وأن ما قد يمنع الضربة هو قبول طهران بشروط أمريكية صارمة، منها الإفصاح عن مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وتصفير التخصيب وإيقاف تطوير الصواريخ الباليستية. ويؤكد أن سقوط النظام عبر عمل عسكري ليس بالأمر السهل، لأن النظام الإيراني سيشعل المنطقة بالكامل إذا شعر أن الأمر انتهى ولم تبق أوراق للتفاوض.

المواقف العربية بين التحوّط والوساطة
تظهر المواقف العربية بقدر كبير من الحذر، إذ تعلن قطر استعدادها للتوسط بين واشنطن وطهران، فيما تكشف تقارير عن رسائل سعودية غير معلنة تطمئن إيران بأنها لن تسمح باستخدام مجالها الجوي في أي ضربات محتملة، ويبرز هذا الموقف إدراكًا بأن انهيار النظام الإيراني قد يفتح الباب أمام فوضى شاملة تشمل موجات لجوء وتفكك مؤسسات ومخاطر على الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب إضافة لتوترات أسواق الطاقة.
وحول ذلك يضيف البقلي أن انهيار النظام الإيراني عبر تدخل عسكري ستكون له تبعات خطيرة على المنطقة، ويشير إلى أن إيران لاعب أساسي في ملفات عدة، وأن سقوطها سيؤثر على الاقتصاد العالمي نتيجة ما قد يحدث في المضائق البحرية. ويذكّر بأن غزو العراق عام 2003 لم يجلب الاستقرار بل أطلق موجات إرهاب وتدخلات إيرانية، محذرًا من تكرار المشهد في إيران والعراق مع امتداداتها في اليمن ولبنان.
النووي كورقة بقاء لا كبش فداء
يثير الملف النووي جدلًا واسعًا في الساحة الدولية، حيث تؤكد تقارير أن طهران تجاوزت سقف التخصيب إلى 60%، فيما تحاول وساطات دولية إعادة التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتدفع إسرائيل نحو ضربة عسكرية، بينما تفضّل أطراف أخرى الضغط الدبلوماسي والعقوبات.
يقول البقلي إن خروج إيران من أزمة التظاهرات وارد بقوة لأنها تمتلك أدوات احتواء، لكنه يضيف أن التضحية بالملف النووي أمر شبه مستحيل، إذ إن المشروع النووي مرتبط بأحلام النظام وأسباب بقائه، والتنازل عنه سيؤدي إلى غضب داخلي عارم.
ويؤكد أن توجيه ضربة عسكرية محدودة قد يكون قبلة النجاة للنظام، إذ تمنحه فرصة لتعبئة الداخل وتثبيت أركانه من جديد.
لحظة فارقة في تاريخ النظام الإيراني
يواجه النظام الإيراني لحظة فارقة في تاريخه، حيث تتقاطع احتجاجات الداخل مع تهديدات الخارج، فيما يبقى النووي ورقة البقاء التي لا يمكن التضحية بها، وبينما يرى مراقبون أن النظام يمر بمرحلة “استقرار هش”، تؤكد تصريحات البقلي أن أدواته الأمنية والسياسية تمنحه قدرة على الاحتواء المؤقت، لكنه يضيف أن أي ضربة محدودة قد تعيد إنتاج النظام بدل إسقاطه، ويبقى المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات ومرتبط بجدّية الرئيس الأمريكي بمساعدة الشعب الإيراني والتدخل عسكريا ضد نظام الخامنئي.
إعداد: جهاد عبد الله ستيب نيوز
المصدر: وكالة ستيب الاخبارية