شكّلت مدينة داريا واحدة من أبرز مدن الحراك الثوري السوري منذ بداياته الأولى، فلم تكن مجرد نقطة من نقاط التظاهرات التي عمّت المحافظات السورية في عام 2011، بل مثّلت نموذجًا مهمًا للوعي الثوري والحراك السلمي في ذلك الوقت، فقد كان لها تجربة مبكرة في التنظيم والعمل الجماعي قبل الثورة السورية، وأسهمت في سنوات الثورة الأولى في محاولة إعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة، حيث قدم ناشطوها جهدهم في العمل المدني ثم في تنظيم العمل المسلح، فتعثروا في مواضع، ونجحوا أكثر في مواضع أخرى، لكن آلة القتل والحرب استطاعت أن تسيطر على المدينة، وأن تخرج سكانها ومقاتليها وناشطيها منها بعد أربع سنوات من الحصار.
ولأنها كانت رمزًا ثوريًا وتنظيميًا مهمًا، على الرغم من بعض نقاط الضعف التي شابت عملها، والتي قد تفهم في سياق محاولات التجربة والتعلم، فقد أثّر سقوطها معنويًا في بقية المناطق المحاصرة، حتى تمكّن النظام السابق من السيطرة على جزء واسع من مناطق الغوطة الغربية، ثم الغوطة الشرقية والجنوب السوري.
ومع سقوط ذلك النظام، دخلت داريا مرحلة جديدة تختلف جوهريًا عن جميع المراحل التي سبقتها، فلم تعد قضيتها مواجهة سلطة قمعية، بل أصبحت تتمثل في إدارة مجتمع أنهكته الحرب، وأُثقل بتراكمات نفسية واجتماعية واقتصادية معقّدة.
هذا التحول الجذري يطرح سؤالًا مهمًا: هل تستطيع داريا، بما تحمله من إرث ثوري، أن تكون الآن نموذجًا للحكم المحلي، بعد أن كانت من قبلُ رمزًا مهمًا في الثورة؟ أم إن تراكم الأزمات يجعلها عالقة في منطقة رمادية أمام تطلعات بناء الدولة؟
للإجابة على هذا السؤال، لا بد من قراءة التغيرات التي شهدتها المدينة في السنة الأولى بعد التحرير، على مستويات عدة مثل الأمن والخدمات والمشاركة المجتمعية.
المستوى الأمني
كان التحول الأمني أول ما شعر به سكان المدينة بعد سقوط النظام السابق، إذ مثل اختفاء الأجهزة القمعية التي حكمت المدينة سنوات طويلة تحررًا لكثير من سكان المدينة، وأنهى سنوات من الخوف والرقابة والعقاب الجماعي. غير أن هذا التحول لم يُترجم، في الأشهر الأولى من التحرير، إلى إحساس راسخ بالأمان؛ فعلى الرغم من عدم وجود اعتقالات وتسلط وقمع بسبب الرأي كما كان يحدث في أيام النظام السابق، فإن الضعف المهني لدى المنظومة الأمنية في المدينة قد يؤدي إلى ضعف في القدرة على فرض النظام العام أو احتواء الانفلات الفردي. ويضاف إلى ذلك أن انتشار السلاح، وإن اختفت بعض مظاهره في الأيام الأخيرة، لا يزال يشكل عامل قلق لدى سكان المدينة.
ويمكن تفسير هذا الواقع بأنه طبيعي في المجتمعات الخارجة من صراع؛ فالحالة الأمنية لم تعد مصدر تهديد لسكان المدينة، لكنها لم تتحول بعدُ إلى حالة استقرار عام من حيث الوضع المهني للقائمين على الأمن، ومن حيث سيادة القانون على الجميع. وعلى الرغم من ذلك، يمكن ملاحظة تحسن الوضع الأمني بشكل عام، وذلك في حال مقارنته بما كان عليه في الأشهر الأولى من التحرير، لكن الأجهزة القائمة ما يزال أداؤها ضعيفًا نوعًا ما، حيث تؤدي بعض وظائف الضبط، لكنها تفتقر إلى المهنية والتدريب والمرجعية القانونية الواضحة، وهذا قد يعالج بإجراء دورات تدريبية كل فترة.
مستوى الخدمات العامة
في الجانب الخدمي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا؛ فمن جهة، شهدت داريا تحسنًا ملموسًا في بعض القطاعات مقارنة بما كانت عليه في السنوات السابقة، فقد رُمم عدد من المدارس وأعيد افتتاحها بحلة جديدة، وعادت بعض الكوادر التعليمية إلى العمل، وقدمت بعض الخدمات الصحية بدعم من منظمات إنسانية، كما رُممت بعض الشوارع الرئيسية. إضافة إلى ذلك، شهد قطاع الكهرباء تحسنًا ملحوظًا على الرغم من أنها لم يصل بعدُ إلى مستوى جيد، فازدادت ساعات وصول الكهرباء إلى 8 ساعات في اليوم تقريبًا، بعد أن كانت تصل ساعة واحدة في السنوات الأخيرة.
لكن هذا التحسن لا يمكن له أن يخفي الواقع المتردي الذي يعانيه سكان المدينة على أكثر من مستوى، فشبكات المياه والكهرباء تعاني تهالكًا شديدًا في بنيتها التحتية، ويعتمد السكان في كثير من المناطق، ولا سيما في المناطق الغربية، على حلول مؤقتة أو بديلة مرتفعة التكلفة. وما يزال جزء كبير من شوارع المدينة بحاجة إلى ترميم واسع، فضلًا عن الانتشار الواسع للسكن العشوائي الذي ازداد أضعافًا في الفترة الأخيرة في ظل غياب رقابة البلدية أو عدم ظهور مخططات تنظيمية جديدة للأحياء المحيطة بالمدينة، أو عدم معالجة وضع الأحياء التي دمرت في سنوات الحرب. وتُظهر هذه الأوضاع حجم الفجوة بين الاحتياجات الفعلية للسكان وقدرة المؤسسات المحلية على الاستجابة لها.
لكن الأخطر من ذلك هو التفاوت المكاني في توزيع الخدمات، حيث تحظى بعض الأحياء بخدمات أفضل منها في أحياء أخرى، وهذا يخلق شعورًا متزايدًا بالغبن وعدم العدالة، وإن بُرّر بضعف الموارد المالية، أو دمار البنية التحتية، لكنه قد يعكس أيضًا غياب الخطط الإستراتيجية القائمة على أولويات واضحة وعلى معايير عادلة.
المشاركة المحلية
أحد أبرز الأسئلة التي تطرحها تجربة داريا هو: إلى أي حد استطاع السكان التحول من موقع المتلقي إلى الفاعل في صنع القرار؟
من الناحية النظرية، أتاح سقوط النظام مساحة أوسع للتعبير والمشاركة، غير أن هذه المساحة بقيت محدودة في الواقع العملي. فالهياكل الإدارية التي تشكلت اعتمدت في معظمها على التعيين لا على الانتخاب، وهذا يفهم من جهة في سياق المرحلة الانتقالية وضرورة ملء الفراغ، لكنه من جهة أخرى يضعف الإحساس بالتمثيل، ويجعل المشاركة أقرب ما تكون إلى الاستشارة الشكلية منها إلى الشراكة الفعلية.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن الإرث الثقافي لدى المجتمع، الذي راكمته عقود من الحكم المركزي والتسلط والقمع، لا يزال حاضرًا بين الناس في نظرهم إلى الشأن العام أو المشاركة فيه. فكثير من السكان لا يزالون يرون فيه مجالًا محفوفًا بالمخاطر، فيبتعدون عنه ويفضلون الانكفاء على شؤونهم الخاصة، وهذا قد يكون تفسيرًا مهمًا في محاولة فهم هذه الظاهرة إذا ما أضفنا إلى ذلك أن عموم الناس مشغولون في معالجة تحدياتهم اليومية والمعيشية، ولا وقت لديهم ليلتفتوا إلى أهمية رأيهم أو دورهم في إدارة المدينة. لكن في الوقت نفسه، من الواضح أن إدارة المدينة تميل إلى اتخاذ القرار من أعلى، بدافع الحرص أو الخوف من الفوضى، أو القلق من الآخر.
أما فيما يخص دور النساء، فعلى الرغم من حضورهن اللافت في مجالات العمل الإنساني والتعليمي، فإن مشاركتهن في مواقع صنع القرار ما زالت محدودة ومحكومة بعوامل اجتماعية وثقافية راسخة. ويعكس هذا فجوة بين الخطاب الداعم للمشاركة النسائية والممارسة الفعلية على الأرض.
الانقسام الاجتماعي بين المقيمين والعائدين
من أبرز التحولات الاجتماعية التي برزت في داريا بعد سقوط النظام، الانقسام غير المعلن بين فئتين من السكان: الذين بقوا داخل المدينة خلال سنوات سيطرة النظام السابق على المدينة، والذين عادوا إليها من الشمال السوري أو من خارج سوريا بعد سنوات من التهجير أو اللجوء. وعلى الرغم من أن الطرفين ينتميان إلى المدينة ذاتها، ويحملان الذاكرة الجمعية نفسها، فإن التجربة المعيشية المختلفة لكل منهما تسببت بوجود فجوة نفسية واجتماعية واضحة بين الفئتين، وقد انعكست على أنماط التفاعل لكل منهما، وعلى تصوراتهم حول فرص المشاركة في الشأن العام. فمن جهة، ينظر بعض المقيمين إلى العائدين بوصفهم “قادمين من الخارج” لم يعيشوا تفاصيل المعاناة اليومية، ويرون أنهم يحظون بفرص أكبر في الوصول إلى مواقع القرار أو الدعم، بحكم شبكات العلاقات التي كوّنوها خلال سنوات التهجير، أو قربهم من المنظمات والجهات الفاعلة. ومن جهة أخرى، يشعر كثير من العائدين بأن السنوات الطويلة التي عاشوها بعيدين عن مدينتهم قد تُستَخدم بشكل غير مباشر للنظر إليهم بريبة من الذين بقوا في المدينة في الفترة الماضية، وذلك على الرغم من أنهم فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم، وشأنهم في ذلك شأن من بقوا تحت سيطرة النظام السابق.
هذا الانقسام لا يظهر عادة في شكل صدام مباشر، بل يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية مثل فرص العمل لدى المنظمات، والوصول إلى مواقع المسؤولية، ويتجلى أيضًا في الخطاب المتداول حول العائدين من إدلب، وفي الثقة المتبادلة داخل المبادرات التي تنظم في المدنية. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا التمايز الصامت إلى حاجز نفسي يعوق تشكل هوية جامعة، ويضعف إمكانيات العمل المشترك.
وتزداد خطورة هذا الانقسام إذا تقاطع مستقبلًا مع مسألة المشاركة السياسية، إذ يشعر البعض بأنهم مستبعدون من دوائر القرار، فيما يرى البعض، وإن يصرح علنًا، أن من لم يعش تجربة الحصار أو التهجير إلى إدلب لا يملك “الشرعية الأخلاقية” للمشاركة في إدارة الشأن العام. وهذه الثنائية، إن تُركت دون معالجة واعية، قد تتحول إلى شكل جديد من أشكال الإقصاء الاجتماعي الذي يعيد إنتاج الانقسامات بدلًا من تجاوزها.
إن تجاوز هذا الانقسام يتطلب اعترافًا متبادلًا بالتجارب المختلفة، وإقرارًا بأن معاناة الحرب لم تكن واحدة أو متساوية، لكنها كانت قاسية على الجميع بطرق مختلفة. كما يتطلب أيضًا وجود سياسات واعية لدى الإدارة تعزز الاندماج الاجتماعي، وتفتح المجال أمام مشاركة عادلة تقوم على الكفاءة. فإعادة بناء داريا لا يمكن أن تكتمل دون ترميم نسيجها الاجتماعي، ولا يمكن لهذا الترميم أن يتحقق ما لم تُعالَج هذه الفجوة بوصفها قضية سياسية واجتماعية، وإن كانت غير معلنة، لا بوصفها مجرد خلافات فردية عابرة.
الشرعية وبناء الثقة الاجتماعية
من أبرز التحديات التي تواجه التجربة الحالية في داريا مسألة الشرعية. فالإدارة المحلية، على الرغم من قيامها بمهام حيوية، فإنها لم تنبثق عن عملية انتخابية شاملة، وهذا يفهم بأنه قد يكون ضرورة في مرحلة انتقالية مفاجئة، لكنه إن بقي على ما هو عليه من دون تغيير، فسيجعل الشرعية في وقت ما موضع تساؤل لدى شرائح من المجتمع. وهذا لا يعني بالضرورة رفض تلك الشرائح للإدارة بعينها، بل يشير بشكل ما إلى علاقة ملتبسة بين المجتمع والسلطة. وقد تتفاقم هذه المسألة في ظل غياب آليات واضحة للمساءلة، وضعف الشفافية في اتخاذ القرار، وهو ما يعمّق الشعور بالمسافة بين السكان ومراكز القرار. ويضاف إلى ذلك أن التفاوت في توزيع الخدمات، وغياب رؤية معلنة أو خطة إستراتيجية، يكرّسان الانطباع بأن الإدارة تعمل بمنطق إدارة الأزمات لا بمنطق التخطيط الإستراتيجي.
وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا الوضع لا يخلو من إمكانات كامنة وفرص متاحة تساعد في النهوض من جديد. فالمجتمع يمتلك خبرة لا بأس بها في العمل الجماعي، وتجربة جيدة في التنظيم، ويمكن البناء على ذلك لإعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والسلطة على أسس أكثر توازنًا.
آفاق التغيير
على الرغم من التحديات المتراكمة، فإن تجربة داريا لا تخلو من عناصر أمل حقيقية. فوجود إدارة محلية، وإن كانت محدودة الموارد أو الصلاحيات، يشكّل نقطة انطلاق يمكن تطويرها باتجاه نموذج أكثر شمولًا ومأسسة. وإن الإرث المدني الذي راكمته المدينة خلال سنوات الثورة يوفر قاعدة اجتماعية، في حال استثماره، ويمكن البناء عليه لتطوير المدينة على مستويات مختلفة. ويتطلب ذلك، في المقام الأول، الانتقال من منطق الإدارة المؤقتة إلى منطق التخطيط طويل الأمد، ومن الحلول الإسعافية إلى السياسات المستدامة. كما يتطلب أيضًا مشاركة الجميع في إدارة المدينة سواء في ذلك من يقيم الآن في المدينة بما يحمله من معرفة بالمشكلات التي يعانيها المجتمع، أو من يقيم في الخارج بما يحمله من تصورات قد تكون أكثر تطورًا بسبب احتكاكه بثقافات ومجتمعات مختلفة، واطلاعه على إدارة المدن وتقديم الخدمات ومعالجة المشكلات في المدن المتطورة. ويشمل ذلك أيضًا تطوير آليات المشاركة الشعبية، وإجراء انتخابات محلية شفافة، وإن كانت في البداية تقتصر على مستوى لجان الأحياء فقط، وبناء قنوات تواصل فعالة بين الإدارة والمجتمع، إلى جانب الاستثمار في بناء القدرات الإدارية والفنية.
ويضاف إلى ذلك أن تعزيز دور المرأة في مواقع القرار يشكل شرطًا أساسيًا لأي تغيير حقيقي، وهذا ليس لأنه مطلب حقوقي فحسب، بل لأنه يُعد أساسًا لاستدامة أي مشروع تنموي أو سياسي، وهذا لا يتعارض مع الخصوصية الثقافية أو الدينية التي قد يتسم بها أي مجتمع، فهناك كثير من المجتمعات المحافظة لم تتأثر سلبًا محافظتها أو خصوصيتها الثقافية حين عُزز دور المرأة فيها، فقد ازدادت نجاحًا على كثير من المستويات، ومثال ذلك المجتمع المحافظ في تركيا. ولا يقل أهمية عن ذلك ضرورة ترميم الثقة بين المجتمع والمؤسسات عبر الشفافية والمساءلة، والعدالة في توزيع الخدمات، وتبني خطاب جامع يتجاوز الانقسامات.
إن تجربة داريا، بما تحمله من تحديات، تمثل مختبرًا حيًا لفهم تعقيدات المرحلة الانتقالية في سوريا؛ فهي تكشف بوضوح أن الخروج من الاستبداد لا يعني تلقائيًا بناء حكم رشيد، وأن مسار الانتقال من الثورة إلى الدولة مسار طويل ومليء بالعقبات. غير أن هذه التجربة، بكل ما فيها من إنجازات أو إخفاقات، تتيح فرصة نادرة للتعلّم وإعادة التفكير في نماذج الحكم المحلي الممكنة. فإذا ما أُحسن استثمار دروسها، يمكن لداريا أن تتحول من رمز للصمود إلى نموذج لإعادة بناء الدولة والمؤسسات، نموذج يقوم على المشاركة والعدالة والشفافية.
وفي النهاية، فإن مستقبل داريا، كما مستقبل سوريا عمومًا، لن يُحسم فقط بقرارات سياسية عليا، بل بقدرة المجتمعات المحلية على معالجة المشكلات واستخلاص الدروس منها، وتحويل الذاكرة إلى مشروع ومستقبل ليكون أساسًا في بناء عقد اجتماعي جديد أكثر إنصافًا.
مرتبط
المصدر: عنب بلدي
