قد تتحوّل العادات اليومية البسيطة، مثل إرسال ملاحظة صوتية عبر “واتساب”، إلى أداة طبية قادرة على رصد مؤشرات مبكرة للاكتئاب.
هذا ما خلصت إليه نتائج دراسة علمية حديثة نشرتها مجلة “PLOS Mental Health” المحكمة، في 21 من كانون الثاني الماضي، وكشفت عن نموذج ذكاء اصطناعي طبي قادر على اكتشاف الاكتئاب بدقة، اعتمادًا على تسجيلات صوتية قصيرة فقط.
الدراسة، التي قادها باحثون من البرازيل من بينهم فيكتور أوتاني من كلية “سانتا كازا” للعلوم الطبية في ساو باولو، أظهرت أن النموذج نجح في تشخيص اضطراب الاكتئاب الشديد لدى المشاركات من النساء بدقة بلغت 91.9%، وذلك من خلال تسجيل بسيط يصف فيه الشخص كيف مر أسبوعه.
كيف يقرأ الذكاء الاصطناعي صوتك؟
على الرغم من أن الاكتئاب يُنظر إليه غالبًا كحالة نفسية داخلية، فإن له انعكاسات واضحة على طريقة الكلام، مثل نبرة الصوت وسرعته ومستوى الطاقة فيه، وهي تغيّرات دقيقة يصعب على الأذن البشرية التقاطها.
اضطراب الاكتئاب الشديد يعد حالة صحية نفسية تصيب أكثر من 280 مليون شخص حول العالم، ويمكن أن يكون الكشف المبكر عنه بالغ الأهمية لتلقّي العلاج في الوقت المناسب.
وراهن فريق البحث على قدرة تقنيات التعلّم الآلي على رصد ما يُعرف بـ”المؤشرات الصوتية الحيوية”.
واعتمدَ الباحثون على تدريب سبعة نماذج مختلفة من الذكاء الاصطناعي باستخدام تسجيلات صوتية حقيقية، وليس تسجيلات سريرية مصطنعة.
وشملت البيانات رسائل صوتية أُرسلت عبر “واتساب”، بعضها لمرضى مشخصين بالاكتئاب كانوا يتواصلون مع أطبائهم، وأخرى لأشخاص أصحاء في محادثات يومية عادية.
ويمنح هذا النهج واقعية أكبر للنتائج، كونه يعكس طريقة تحدّث الناس في حياتهم اليومية.
فجوة في النتائج بين الجنسين
أظهرت النتائج تباينًا لافتًا بين الجنسين، ففي تسجيلات “وصف الأسبوع”، حقق النموذج دقة عالية لدى النساء، بينما انخفضت الدقة لدى الرجال إلى نحو 75%.
ويرجّح الباحثون أن يعود ذلك إلى هيمنة الأصوات النسائية على قاعدة البيانات، أو إلى اختلاف طرق التعبير الصوتي عن الاكتئاب بين الرجال والنساء.
لكن المُثير للاهتمام، بحسب الدراسة، أن هذه الفجوة تقلّصت عند تبسيط المهمة، حين طُلب من المشاركين مجرد العد من واحد إلى عشرة.
في هذه الحالة، بلغت دقة النموذج 82% لدى النساء و78% لدى الرجال، ما يشير إلى أن الكلام العفوي يحمل معلومات عاطفية أغنى، لكنه أكثر تعقيدًا في التحليل.
أداة تحذير للصحة النفسية
يرى الباحثون أن لهذه التقنية إمكانات كبيرة، خصوصًا في الدول منخفضة الدخل أو المناطق التي يصعب فيها الوصول إلى أطباء نفسيين، إذ إن ندرة خدمات الصحة النفسية والوصمة الاجتماعية المرتبطة بها، غالبًا ما تؤخّر طلب المساعدة حتى تفاقم الحالة.
ويتخيّل فريق البحث أن تعمل هذه التقنية كضوء تحذير للصحة النفسية، يرصد تغيّرات الصوت وينبّه المستخدم إلى الحاجة لطلب الدعم، من دون أن تحل محل الطبيب.
ويؤكد الباحث الرئيس لوكاس ماركيز، أن الهدف هو توفير أداة فحص أولي منخفضة التكلفة، تعمل في الخلفية عبر وسيلة مألوفة يستخدمها مليارات الأشخاص يوميًا.
الطريق في بداياته
بالرغم من النتائج الواعدة، يشدد الباحثون على ضرورة توسيع نطاق الاختبارات لتشمل لغات وثقافات وفئات عمرية أكثر تنوعًا، ومعالجة التحيّز القائم بين الجنسين.
وتفتح هذه الدراسة الباب أمام مستقبل يصبح فيه هاتفك الذكي حارسًا لصحتك النفسية، قادرًا على سماع ما لا تقوله الكلمات، واكتشاف معاناتك قبل أن تدركها بنفسك.
وأحدث الذكاء الاصطناعي، مؤخرًا، ثورة في الصحة النفسية عبر أدوات تشخيصية دقيقة، وتطبيقات دردشة للدعم الفوري (7/24)، وخطط علاجية مخصصة، مما يوسّع الوصول للرعاية.
وبينما يتيح الذكاء الاصطناعي التحليل التنبؤي، يظل التفاعل البشري والتعاطف ضروريين، وسط مخاوف من مخاطر الخصوصية، والتحيّز الخوارزمي، وضرورة وجود إشراف بشري.
Related
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
المصدر: عنب بلدي
