حدد باحثون علامة جينية في الحمض النووي لدى البعوض الناقل لمرض الملاريا ترتبط بشكل مباشر بمقاومة المبيدات الحشرية.

وتمثل الدراسة، التي أجرتها كلية ليفربول لطب المناطق الحارة في بريطانيا، بالتعاون مع مركز أبحاث الأمراض المعدية في الكاميرون، اكتشافاً مهماً ربما يُسهم في تغيير مستقبل مكافحة الملاريا، كما تُعد خطوة علمية متقدمة في فهم آليات تطوّر مقاومة البعوض للمبيدات، وهي من أبرز التحديات التي تواجه برامج مكافحة الملاريا حالياً.

والملاريا مرض خطير يهدد الحياة تسببه طفيليات من نوع البلازموديوم، وتنتقل إلى الإنسان بشكل أساسي عبر لدغات إناث بعوض الأنوفيلس المصابة، ولا تزال تمثل تحدياً صحياً عالمياً كبيراً، خاصة في المناطق المدارية وشبه المدارية مثل إفريقيا جنوب الصحراء حيث تتركز معظم الإصابات والوفيات. 

وتظهر أعراض المرض عادة خلال ما بين 10 و15 يوماً من العدوى؛ وتشمل الحمى والصداع والقشعريرة، ويمكن أن تتطور في حال عدم العلاج إلى مضاعفات خطيرة مثل فشل الأعضاء؛ أو التشنجات؛ أو الوفاة.

وتوجد 5 أنواع من الطفيليات التي تسبب الملاريا لدى البشر، وتعد “المتصورة المنجلية” الأخطر بينها، بينما يمكن لنوعي المتصورة النشيطة والمتصورة البيضوية أن يكمنا في الكبد لفترات طويلة ويسببا انتكاسات لاحقة.

وتشمل وسائل الوقاية استخدام الناموسيات المعالجة بالمبيدات، والرش داخل المنازل، والأدوية الوقائية للمسافرين، كما أوصت منظمة الصحة العالمية باستخدام لقاحين للأطفال في المناطق عالية الانتقال.

ورغم أن الملاريا قابلة للعلاج عند التشخيص المبكر باستخدام العلاجات المركبة القائمة على “الأرتيميسينين”، إلا أن مقاومة الأدوية تمثل مصدر قلق متزايد.

وتشير التقديرات الحديثة إلى تسجيل نحو 282 مليون إصابة وقرابة 610 آلاف وفاة في عام 2024، معظمها بين الأطفال دون سن الخامسة في إفريقيا، وفي المقابل نجحت دول عدة مؤخراً في القضاء على المرض وحصلت على شهادة الخلو من الملاريا من منظمة الصحة العالمية.

وتأتي هذه الدراسة في وقت حساس، إذ شهدت جهود مكافحة الملاريا تباطؤاً ملحوظاً خلال العقد الأخير، ويعزى ذلك جزئياً إلى تصاعد مقاومة البعوض للمبيدات المستخدمة في الرش داخل المنازل والناموسيات.

وأوضحت الدراسة، التي نشرتها دورية Science Translational Medicine، أن العلامة الجينية المكتشفة تقع في جين مسؤول عن إنتاج إنزيم يعرف باسم “سيتوكروم P450″، وهو إنزيم يلعب دوراً رئيسياً في قدرة البعوض على تكسير مبيدات البيريثرويد والبقاء حياً بعد التعرض لها.

والـ “بيرثرويد” هي المكون الأساسي المستخدم في معالجة الناموسيات، والتي تمثل أحد أهم أدوات الوقاية من الملاريا في إفريقيا.

المبيدات الحشرية

يساعد إنزيم “سيتوكروم P450” بعوض الملاريا على مقاومة المبيدات الحشرية عن طريق تفكيك المبيدات الكيميائية داخل جسمه قبل أن تصل إلى مستوى قاتل، فعند تعرض الناموس لمبيدات مثل “بيريثرويد” المستخدمة في الناموسيات، تعمل إنزيمات P450 على تحويل هذه المواد السامة إلى مركبات أقل خطورة يسهل التخلص منها، ما يسمح للبعوض بالبقاء حيا والاستمرار في التكاثر.

ومع زيادة نشاط هذا الجين أو حدوث تغيرات جينية فيه، يصبح البعوض أكثر كفاءة في “إزالة سمية” المبيد، فتقل فعالية الناموسيات والرشات الحشرية، وهو ما يؤدي إلى انتشار مقاومة المبيدات وصعوبة السيطرة على ناقلات الملاريا.

وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أنه الأول من نوعه الذي يحدد علامة جينية واضحة مرتبطة بما يعرف بالمقاومة الأيضية للمبيدات في البعوض الحامل لطفيليات “المتصورة المنجلية” وهو أحد أكثر أنواع البعوض نقلاً للملاريا في غرب ووسط إفريقيا.

وكانت الدراسات السابقة قادرة على رصد أشكال أخرى من المقاومة، إلا أن تتبع الآليات الجينية المسؤولة عن المقاومة الأيضية ظل تحدياً علمياً معقداً لسنوات.

وأشار الباحثون إلى أن هذه العلامة الجينية سمحت بتطوير اختبار تشخيصي موثوق يمكن استخدامه ميدانياً لرصد انتشار مقاومة المبيدات بين تجمعات البعوض المختلفة.

ومن المتوقع أن يساعد هذا الاختبار صانعي القرار والبرامج الصحية على اختيار أنواع الناموسيات والمبيدات الأكثر فعالية حسب التركيبة الجينية للبعوض في كل منطقة، ما يزيد من كفاءة التدخلات الوقائية.

وأكد الباحثون أن فهم الأساس الجيني لمقاومة المبيدات لا يساهم فقط في تحسين استخدام الأدوات الحالية، بل يساعد أيضاً في تقييم احتمالات حدوث مقاومة متقاطعة مع مبيدات جديدة يجري تطويرها حالياً.

ويمكن لهذا الاكتشاف أن يلعب دوراً حاسماً في الحفاظ على فعالية وسائل الوقاية الأساسية، ودعم الجهود العالمية الرامية إلى تقليل عبء الملاريا وإنقاذ ملايين الأرواح في المستقبل.

شاركها.