كشفت دراسة علمية حديثة في مجلة JCOM المتخصصة في التواصل العلمي أن الخوف من مادة الكيمياء في المدارس لا يعود فقط إلى طبيعة المادة نفسها، بل يرتبط بشكل كبير بأساليب التدريس والبيئات التعليمية التي يتعرض لها الطلاب.

وأظهرت دراسة أعدتها باحثات برازيليات من معهد الكيمياء في جامعة ساو باولو بمدينة ساو كارلوس، أن التعليم غير النظامي، مثل الأنشطة التي تقام في المتاحف والمراكز العلمية، يمكن أن يعزز دافعية الطلاب ويُقلل من ظاهرة تُعرف باسم “رهاب الكيمياء” أو “الكيموفوبيا”.

والكيموفوبيا خوف أو نفور مبالغ فيه من المواد الكيميائية أو من كل ما يوصف بأنه كيميائي رغم أن كل ما يحيط بنا تقريباً يتكوّن من مواد كيميائية، بما في ذلك الماء والهواء والفيتامينات.

وينتشر هذا المفهوم بسبب ضعف الفهم العلمي وربط كلمة كيميائي بالسموم أو التلوث أو المخاطر الصناعية، إضافة إلى الاعتقاد الشائع بأن كل ما هو “طبيعي” آمن بالضرورة، وهو تعميم غير دقيق، إذ أن خطورة أي مادة تعتمد على نوعها وجرعتها وطريقة استخدامها، وهناك مواد طبيعية شديدة السمية، وأخرى صناعية آمنة عند استعمالها بشكل صحيح، لذلك فالكيموفوبيا تعكس سوء فهم لطبيعة الكيمياء أكثر من كونها خوفاً قائماً على أسس علمية دقيقة.

الدافع الذاتي

وتشير الباحثة الرئيسية “أريانه كارولينا دا روشا” إلى أن “الكيموفوبيا” تصور سلبي لمادة الكيمياء يرتبط بفكرة أنها مادة خطرة أو معقدة أو بعيدة عن الحياة اليومية، وهذا الانطباع يتشكل في الغالب نتيجة نقص المعلومات، إضافة إلى طرق التدريس التقليدية التي تركز على المحتوى النظري والحفظ، مع ضعف في التفاعل والتجريب.

وتؤكد “دا روشا” أن كثيراً من الطلاب لا يرون صلة واضحة بين المفاهيم الكيميائية المجردة كالرموز والمعادلات وبين واقعهم اليومي، ما يؤدي إلى انخفاض الحافز لديهم لمتابعة دراسة هذا التخصص أكاديمياً أو مهنياً.

الدراسة استندت إلى نظرية “التحديد الذاتي” في علم النفس، التي وضعها “إدوارد ديسي” و”ريتشارد رايان” عام 1985، والتي تفترض أن الدافعية ترتبط بثلاث حاجات نفسية أساسية هي الاستقلالية، والكفاءة، والشعور بالانتماء.

ووفقاً لهذا الإطار النظري، فإن الطلاب يكونون أكثر تحفيزاً عندما يشعرون بأن لديهم حرية الاختيار، وقدرة على الفهم والإنجاز، وعلاقة إيجابية مع المحيطين بهم أثناء عملية التعلم.

وأُجريت الدراسة على طلاب المرحلة الثانوية من 6 مدارس حكومية تقع في أحياء على أطراف مدينة ساو كارلوس، في سياق يسعى إلى توسيع فرص وصول هؤلاء الطلاب إلى فضاءات التعليم غير النظامي المرتبطة بالجامعة. 

وتمثلت الأداة الأساسية في معرض تفاعلي حول “عمليات الأكسدة المتقدمة” وهي تقنيات كيميائية تُستخدم لتفكيك المركبات العضوية مثل الأصباغ والمستحضرات الصيدلانية ومنتجات العناية الشخصية وتحويلها إلى مواد أقل سمّية بطرق صديقة للبيئة. 

وقد شارك في زيارة المعرض أكثر من 250 طالباً، حيث تفاعلوا مع نموذج مادي وشرح مبسط لمفاهيم كيميائية.

وأظهرت النتائج أن الطلاب الذين شاركوا في هذه الأنشطة أبدوا مستويات أعلى من الاهتمام والانخراط في تعلم الكيمياء، وشعروا بزيادة في الإحساس بالكفاءة والثقة. كما ساهمت البيئة التفاعلية والترحيبية في تقليل التصورات السلبية تجاه المادة، ما يشير إلى أن المشكلة لا تكمن في المحتوى بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُقدم بها.

السياق الواقعي

وتنسجم هذه النتائج مع دراسات سابقة تؤكد أن التجارب العملية والتشاركية في المتاحف والمراكز العلمية تعزز التعلم العميق وتربط المعرفة بالسياق الواقعي.

ورغم أن الدراسة أقرت ببعض القيود، مثل عدم تتبع الأثر طويل المدى للاحتفاظ بالدافعية، واعتمادها جزئياً على استبيانات ذاتية قد تتأثر بعامل الحداثة (تجربة الجديد)، فإنها تفتح الباب أمام إعادة التفكير في مكانة الكيمياء داخل الفضاءات التعليمية غير النظامية. 

وتخلص الدراسة إلى أن تعزيز حضور الكيمياء في المتاحف والمراكز العلمية، عبر تصميم نماذج تفاعلية منخفضة التكلفة وآمنة وسهلة التشغيل، يمكن أن يسهم في تغيير الصورة النمطية عن المادة، ودعم دافعية الطلاب، خاصة أولئك القادمين من بيئات محدودة الفرص.

وجاء في الدراسة أن “عند منح الطلاب فرصة التفاعل الحر والشعور بالكفاءة والانتماء، تتحول الكيمياء من مادة مخيفة إلى تجربة استكشاف ومعنى، ما يعيد الاعتبار لدور التواصل العلمي في دمقرطة المعرفة وتعزيز المشاركة المجتمعية في قضايا العلم والتكنولوجيا، على حد ما تقول دا روشا.

شاركها.