كشفت دراسة علمية لمقارنة إصابات الركبة بين الرجال والنساء عن “فروق مدهشة” في أنماط الإصابات تبعاً للجنس والعمر، وهو ما يفتح الباب أمام تطوير تقييمات أكثر دقة للمخاطر ووضع استراتيجيات مبكرة للتدخل العلاجي.

وأُعلنت النتائج خلال الاجتماع السنوي لجمعية علم الأشعة في أميركا الشمالية، بعد تحليل آلاف الفحوصات التي أُجريت على مرضى يعانون من آلام الركبة.

وازداد الاهتمام العلمي بالاختلافات بين الجنسين في إصابات الركبة في السنوات الأخيرة، فمعظم الأبحاث السابقة ركزت على الرجال فقط، بينما أظهر توسيع دائرة البحث لتشمل النساء أنهن يمتلكن ملفات خطورة مختلفة، ويتعرضن لإصابات مغايرة في نمطها وشدتها.

وقالت الباحثة المشاركة في الدراسة، جينيفر بيتمن، الأستاذة المساعدة في قسم الأشعة بكلية الطب بجامعة جونز هوبكنز الأميركية، إن النتائج الجديدة تكشف بوضوح أن النساء لسن مجرد نسخة من الرجال فيما يتعلق بإصابات المفاصل والركبة، وأن تجاهلهن في البحث العلمي سابقاً قد أدى إلى فهم غير مكتمل لتوزيع الإصابات بحسب الجنس.

الغضروف الهلالي

شملت الدراسة أكثر من 13 ألف فحص رنين مغناطيسي للركبة أُجريت بشكل متتالي بين عامَي 2019 و2024 في أربعة مراكز أشعة خارجية تابعة لمستشفى جونز هوبكنز، وكان جميع المرضى حضروا بسبب شكاوى تتعلق بآلام في الركبة. 

واستخرج الباحثون من تقارير الأشعة بيانات خاصة بتمزقات أو إصابات في الغضروف الهلالي الداخلي والخارجي، والرباط الصليبي الأمامي، والرباط الصليبي الخلفي، والرباط الجانبي الداخلي، والمركب الجانبي الرباطي الخارجي، وآليات الباسطات أو خلع مفصل الصابونة.

والرباط الصليبي الأمامي أحد أهم الأربطة في مفصل الركبة، إذ يربط عظمة الفخذ بعظمة الساق، ويسهم في تثبيت المفصل أثناء الالتفاف والقفز والتوقف المفاجئ أو تغيير الاتجاهات أثناء الحركة، ما يجعل إصابته من الإصابات الشائعة لدى الرياضيين، حيث تسبب الألم والتورم وعدم الاستقرار.

كما أن الغضاريف الهلالية، الداخلية والخارجية، تعمل مثل ممتصات الصدمات داخل الركبة، حيث تخفف الضغط على المفصل، وتساعد في ثباته، ويحدث تمزقها نتيجة التواء المفصل أو نتيجة تآكلها التدريجي مع التقدم في السن.

وأظهرت قراءة البيانات المستخرجة من تقارير الرنين المغناطيسي أن الرجال أصيبوا بأنماط محددة من الإصابات بمعدلات أعلى من النساء، أبرزها التمزق الكامل للرباط الصليبي الأمامي، أو التمزق المزدوج الذي يجمع بين الرباط الصليبي الأمامي والغضروف الهلالي الداخلي، وكذلك التمزق المشترك بين الرباط الصليبي الأمامي والغضروف الهلالي الخارجي.

إصابات الملاعب

وقال الباحثون إن نسبة تمزقات الرباط الصليبي الأمامي كانت أعلى لدى الرجال، خصوصاً في الفئة العمرية بين 20 و40 عاماً، وأن ذلك يتناقض مع ما ورد في الدراسات السابقة التي ركزت على الإصابات الرياضية، وأشارت إلى معدلات أعلى بين النساء الشابات.

وعزت الدراسة التناقض بين نتائج هذا البحث والدراسات السابقة إلى اختلاف نطاق العينة المدروسة، إذ ركزت الأبحاث القديمة على الرياضيين فقط، بينما درس الفريق الحالي جميع المرضى الذين يعانون من آلام في الركبة بغض النظر عن سبب الإصابة، أو فيما إذا كانوا يمارسون الرياضة أم لا.

وقدمت هذه المقارنة الشاملة تفسيراً منطقياً لارتفاع نسب الإصابات بين الرجال، إذ لم يعد التركيز مقتصراً على نماذج الإصابات في الملاعب، بل شمل أيضاً الإصابات اليومية والحوادث العادية التي تؤثر على الأفراد في مختلف الفئات العمرية.

وأكدت الدراسة أيضاً أن الرجال سجلوا العدد الأكبر من الإصابات على مستوى الركبة بشكل عام، ما يعزز حقيقة أن الجنس الذكري يظهر قابلية أعلى للتعرض لأنماط مختلفة من الإصابات مقارنة بالنساء.

وقد توصّل الباحثون إلى أن تمزقات الغضروف الهلالي وتمزقات الرباط الجانبي الداخلي كانت أكثر انتشاراً بين الرجال الذين تقل أعمارهم عن 40 عاماً، بينما سجل ارتفاع واضح في نسب هذه الإصابات لدى النساء الأكبر سناً مقارنة بالرجال.

كما وصف الباحثون هذه النتيجة بأنها غير متوقعة، لأنها تشير إلى تغير في اتجاه الإصابات مع التقدم في العمر لدى النساء.

وأكدت النتائج أن النساء الأكبر من 40 عاماً أكثر عُرضة للإصابات التي تؤدي إلى تدهور المفصل بصورة تدريجية مع مرور الوقت، وهو ما يجعل الوقاية والتدخل المبكر مسألة حيوية للحفاظ على صحة الركبة وتقليل احتمالات الإصابة بالتهاب المفاصل وتآكل الغضاريف مستقبلاً.

وأوصت الدراسة الرجال والنساء على حد سواء باتخاذ إجراءات وقائية لتجنب الإصابات عالية التأثير، خصوصاً أثناء ممارسة الرياضات التي تتطلب جهداً بدنياً كبيراً، أو تتضمن وثباً وتوقفاً مفاجئاً أو احتكاكاً مباشراً، وأكدت على أهمية أن تولي النساء فوق سن الأربعين اهتماماً أكبر لصحة المفاصل، وأن يدرجن تمارين تقوية العضلات ضمن أنشطتهن الرياضية بما يساعد على حماية الركبة مع التقدم في السن.

الوقاية الاستباقية

وأبرزت الدراسة أهمية التعرف على أنماط الإصابات حسب الجنس ودورها في مساعدة اختصاصيي الأشعة والأطباء المعالجين في تخصيص بروتوكولات التصوير المناسبة وتقييم المخاطر ووضع استراتيجيات التدخل العلاجي الوقائي بصورة شخصية دقيقة تضمن تحسين نتائج العلاج وتقليل فرص تفاقم الإصابات.

وأكد الباحثون أن الاعتقاد السائد بأن تمزق الرباط الصليبي الأمامي أكثر انتشاراً بين النساء الشابات قد لا يكون صحيحاً دائماً بنسبة 100%، إذ أضافوا أن اختصاصيي الأشعة يمكنهم كذلك توقُّع رؤية معدلات أعلى بكثير من تمزقات الغضاريف الهلالية وحالات التهاب المفاصل لدى النساء الأكبر سناً.

تواصل الدراسة حالياً مرحلة أعمق من البحث من خلال تحليل مزيد من البيانات الديموغرافية وتاريخ المرضى الطبي، بهدف الحصول على فهم أكبر للعوامل التي تحدد اتجاهات إصابات الركبة حسب الجنس والعمر ونمط الحياة والمستوى البدني.

وتعمل المجموعة البحثية على ربط أنماط الإصابات بالعوامل المحتملة المسببة لها من أجل بناء نماذج أكثر قدرة على توقع الإصابات قبل حدوثها وإرشاد المرضى إلى التدخلات الوقائية المناسبة لكل حالة.

وتسعى نتائج الدراسة إلى تغيير الطريقة التقليدية في التعامل مع إصابات الركبة عبر الانتقال من نموذج العلاج بعد الإصابة إلى نموذج الوقاية الاستباقية، خاصة أن توزيع الإصابات لا يتطابق بين الرجال والنساء، وأن كل فئة لديها مفاتيح خطورة مختلفة يجب التعامل معها بطرق مختلفة.

وتطمح الدراسة إلى أن يستفيد من نتائجها الرياضيون والأطباء ومتخصصو العلاج الطبيعي ومقدمو الرعاية الصحية على حد سواء، وبما يضمن تخفيف معدلات الإصابة وتحسين جودة الحياة لدى مختلف الفئات العمرية.

شاركها.