كشفت دراسة علمية عن ارتفاع ملحوظ في معدلات الوفيات بين الأطفال والشباب المصابين باضطراب طيف التوحد، أو الإعاقة الذهنية، أو الشلل الدماغي، مقارنة بعامة السكان.

وأشارت الدراسة المنشورة في دورية JAMA Pediatrics إلى أن هذه الفئات تواجه مخاطر صحية أكبر خلال مرحلتي الطفولة المتأخرة وبداية سن الرشد، وأن أسباب الوفاة وأنماطها تختلف بشكل واضح عن بقية المجتمع.

وأوضحت أن هذه الحالات العصبية النمائية الثلاث تُعد اضطرابات مدى الحياة، ترافقها درجات متفاوتة من الإعاقات الصحية والوظيفية، وأن بيانات الوفيات المتعلقة بها في الولايات المتحدة كانت حتى الآن محدودة وغير مكتملة.

اضطراب طيف التوحد

استهدفت الدراسة مقارنة معدلات الوفاة وأسبابها لدى أشخاص جرى تشخيصهم بهذه الحالات في سن الثامنة، ومتابعتهم حتى مرحلة الشباب وبداية البلوغ، مع معدلات وأسباب الوفاة في عموم السكان.

واعتمد الباحثون على بيانات “برنامج مراقبة التوحد والإعاقات النمائية” التابع لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، وهو نظام رصد سكاني نشط بدأ عمله منذ عام 2000.

وشملت الدراسة 32 ألفاً و787 طفلاً تم تحديد إصابتهم باضطراب طيف التوحد، أو الإعاقة الذهنية، أو الشلل الدماغي في تسعة مواقع أميركية مختلفة خلال الفترة بين عامي 2000 و2016، وربطت بياناتهم بشهادات الوفاة حتى عام 2021.

كما جرى مطابقة هذه البيانات مع إحصاءات الوفيات العامة الصادرة عن النظام الوطني للإحصاءات الحيوية للفترة نفسها.

الاضطرابات النمائية

وبيّنت النتائج تسجيل 145 حالة وفاة بين 23 ألفاً و393 شخصاً مصاباً باضطراب طيف التوحد، و285 وفاة بين 14 ألفاً و31 شخصاً مصاباً بإعاقة ذهنية، و123 وفاة بين 1612 شخصاً مصاباً بالشلل الدماغي.

وأظهرت التحليلات أن خطر الوفاة كان أعلى مقارنة بعامة السكان في جميع المجموعات، حيث بلغ معدل الخطر النسبي للوفاة 1.35 لدى المصابين بطيف التوحد، و4.35 لدى المصابين بإعاقة ذهنية، و9.62 لدى المصابين بالشلل الدماغي، ما يعكس تفاوتاً كبيراً في شدة المخاطر الصحية.

وكشفت الدراسة أن الفروق في معدلات الوفاة تتأثر بعوامل إضافية مثل الجنس ووجود إعاقات مصاحبة؛ إذ تبيّن أن ارتفاع الوفيات في اضطراب طيف التوحد كان ملحوظاً فقط بين الإناث اللواتي يعانين من إعاقة ذهنية مصاحبة، مقارنة بإناث عموم السكان.

أما في حالات الشلل الدماغي، فقد سجّلت معدلات وفيات مرتفعة لدى الذكور والإناث، سواء بوجود إعاقة ذهنية مصاحبة أو بدونها، مع تسجيل معدلات أعلى بشكل خاص لدى الإناث.

وأظهرت البيانات كذلك أن الخصائص الديموغرافية للذين توفوا اختلفت عن أولئك الذين بقوا على قيد الحياة، خاصة فيما يتعلق بوجود إعاقة ذهنية مصاحبة، والتي كانت أكثر شيوعاً بين المتوفين في مجموعتي التوحد والشلل الدماغي.

كما برزت فروق مرتبطة بالعرق والإثنية في مجموعتي الإعاقة الذهنية والشلل الدماغي، في حين لم تظهر فروق واضحة في مجموعة التوحد.

وفيما يتعلق بأسباب الوفاة، كشفت الدراسة أن الاعتماد على شهادات الوفاة وحدها لا يعطي صورة دقيقة عن وفيات ذوي الإعاقات النمائية؛ إذ لم يدرج رمز الحالة الأساسية في شهادة الوفاة إلا في نسبة ضئيلة من الحالات، بلغت 11% في اضطراب طيف التوحد، و1% فقط في الإعاقة الذهنية، و49% في الشلل الدماغي.

وأشار الباحثون إلى أن هذا النقص في التوثيق يؤدي إلى التقليل من حجم المشكلة ويحد من القدرة على رسم سياسات صحية فعالة.

فجوات صحية

كما أظهرت التحليلات أن أسباب الوفاة كانت أكثر تنوعاً بين المصابين بالإعاقات النمائية مقارنة بعامة السكان، حيث كانت الأسباب الخارجية مثل الحوادث والإصابات هي السبب الأكثر شيوعاً للوفاة في عموم السكان وفي مجموعة التوحد، في حين كانت أمراض الجهاز العصبي السبب الأكثر شيوعاً للوفاة لدى المصابين بالإعاقة الذهنية والشلل الدماغي.

كما تبيَّن أن الأورام، التي تُعد ثاني أكثر أسباب الوفاة شيوعاً في عموم السكان، لم تكن ضمن الأسباب الخمسة الأولى في أي من مجموعات الإعاقات النمائية.

وبيَّنت الدراسة أيضاً أن الوفيات الناتجة عن الأسباب الخارجية لم تكن مرتفعة بشكل ملحوظ لدى المصابين بالإعاقة الذهنية أو الشلل الدماغي مقارنة بعامة السكان، كما لم تسجل زيادة في هذا النوع من الوفيات لدى المصابين باضطراب طيف التوحد، سواء كسبب أساسي أو ثانوي للوفاة.

وفي المقابل، ظهرت فروق لافتة في أسباب فرعية محددة للوفاة، تحمل دلالات مهمة على الصعيدين السريري والصحي العام.

وتسلط النتائج الضوء على فجوات صحية واضحة وعدم مساواة في فرص البقاء على قيد الحياة بين ذوي الإعاقات النمائية مقارنة ببقية المجتمع.

تحسين استراتيجيات الصحة العامة

ويرى الباحثون أن فهم هذه الفروق يتطلب بيانات سكانية دقيقة ومتكاملة، وليس الاكتفاء بالمصادر التقليدية مثل شهادات الوفاة.

واعتبروا أن هذه المعطيات يمكن أن تسهم في توجيه استراتيجيات الصحة العامة والرعاية الصحية للحد من الوفيات الزائدة، وتحسين جودة الرعاية المقدمة لهذه الفئات.

ولفت الفريق البحثي إلى أن اضطراب طيف التوحد يتميز بصعوبات في التواصل الاجتماعي وسلوكيات متكررة أو مقيدة، بينما تُعرف الإعاقة الذهنية بضَعف القدرات العقلية العامة وتأثيرها على الأداء التكيفي، فيما يُعد الشلل الدماغي اضطراباً حركياً غير تقدمي ينتج عن تلف في الدماغ النامي.

ونوَّه الباحثون إلى أن هذه الحالات غالباً ما تتداخل، إذ يعاني عدد كبير من الأطفال المصابين بالتوحد أو الشلل الدماغي من إعاقة ذهنية مصاحبة، ما يزيد من تعقيد حالتهم الصحية ويضاعف المخاطر.

وخلصت الدراسة إلى أن ارتفاع معدلات الوفاة بين الأطفال والشباب المصابين بهذه الاضطرابات يؤكد الحاجة إلى سياسات صحية أكثر شمولاً، وتحسين الرصد الوبائي، وتعزيز التنسيق بين أنظمة الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، بهدف تقليص الفجوات الصحية، وضمان فرص أفضل للحياة والرعاية لهؤلاء الأفراد على امتداد مراحل عمرهم.

شاركها.