درعا – محجوب الحشيش

بعد استمرار الهطولات المطرية في محافظة درعا جنوبي سوريا، عادت السيول للجريان باتجاه السدود التي كانت قد جفت تمامًا خلال العام الماضي، جراء الجفاف الممتد لسنوات.

وشهدت سدود عدة في أرياف درعا عودة تدريجية لنسب التخزين، بشكل متفاوت بين منطقة وأخرى.

في المقابل، لم تعد الينابيع والبحيرات للتفجر والجريان في ريف درعا الغربي، وأهمها بحيرة المزيريب وعيون العبد وشلالات تل شهاب وبحيرة زيزون، رغم استمرار هطول الأمطار واستغناء المزارعين عن الري باستخدام الآبار.

امتلاء تدريجي

من جبل العرب في محافظة السويداء، انحدرت المياه مشكّلة سيولًا أدت إلى ملء سد المتاعية في ريف درعا الشرقي، ووصلت المياه أيضًا إلى سد درعا.

كما سالت المياه من القنيطرة ومدينة نوى باتجاه سد الجبيلية وسد عابدين المجاور لمناطق الجولان السوري.

مدير الموارد المائية في محافظة درعا، هاني العبد الله، قال ل، إن نسبًا متفاوتة من المياه بدأت تصل تدريجيًا عبر الأودية إلى معظم السدود في المحافظة، كان أعلى مستوى في سد المتاعية الذي امتلأ بنسبة 80%، وبنسب أقل في سد إبطع والجبيلية وعابدين.

وأضاف العبد الله أن هذه المياه قد تملأ بعض السدود، لكن بعضها الآخر يحتاج إلى ضخ شتوي، مثل سد طريق السد في درعا.

وأشار إلى أن السدود تأثرت في السنوات الماضية بموجات الجفاف، ما سبب خطرًا على بنيتها التحتية، حيث يُفترض عدم إفراغها بالكامل خشية تشقق الأرضية.

وأكد العبد الله أن تعبئة السدود بمياه الأمطار بشكل تدريجي يقي من انهيار أرضيتها، معتبرًا أن التعبئة التدريجية هي الحل الأمثل بعد جفافها لسنوات.

يوجد في درعا 16 سدًا، يعمل منها 15 سدًا، وفقًا لمدير الموارد المائية.

أهمية السدود

تتجلى أهمية السدود في محافظة درعا في جوانبها الاقتصادية والزراعية، إذ تسهم في الحد من استنزاف المياه الجوفية خلال فصل الصيف، كما أنها تشجع المزارعين على الإقبال على زراعة المحاصيل الصيفية التي تضررت بسبب الجفاف في الموسم الماضي.

وحول أهمية السدود قال المهندس محمد خريبة الخبير في الري، إن السدود لها أهمية في استثمار المياه الفائضة خلال فصل الشتاء واستخدامها في فصل الصيف في سقاية المحاصيل الزراعية، ولها دور في حماية البلدات من انهيار البنى التحتية للأبنية أو الأراضي الزراعية، إذ تستوعب هذه السدود المياه الفائضة.

ونوه خريبة إلى ضرورة إبقاء 20% من السعة التخزينية في السد، للمحافظة على البنية التحتية، إلا أن الجفاف والفوضى الإدارية دفعت المزارعين إلى استجرار كامل المياه من السدود خلال الموسم الماضي ما قد يعرضها للتصدع والتشقق، وبالتالي الانهيار.

وذكر أن عوارض التشقق والتصدع لم تظهر حتى الآن، ولا يمكن اكتشاف هذا العيب إلا بعد امتلاء السد بشكل كامل.

وضرب مثالًا بأن سد المتاعية امتلأ مؤخرًا ولم تظهر عليه أي عيوب، وقال إن السدود في محافظة درعا مبنية بخرسانات صخر بازلتية ومعظمها مبنية في مناطق صخرية ما يخفف من تصدعها.

محمد الحشيش، مزارع في قرية المتاعية، قال ل، إن سد المتاعية يؤمّن مياه الصهاريج اللازمة لسقاية أشجار الزيتون والمواشي في المنطقة خلال فصل الصيف.

وأضاف أنه اضطر في الموسم الماضي إلى شراء المياه من الآبار الخاصة، إذ إن لديه مزرعة زيتون يرويها عبر صهريج يمتلكه.

ونظرًا إلى أن أغلب آبار بلدة المتاعية ذات طبيعة كبريتية، فإن مياه السد تُعد موردًا حيويًا لسقاية المواشي، إذ لا تستسيغ المواشي المياه الكبريتية.

وتبلغ السعة التخزينية لسد المتاعية مليون متر مكعب، لكنه جف منذ عام 2022، حسب إفادة محمد الحشيش.

عودة للزراعة

بعث هطول المطر التفاؤل في نفوس مزارعي ريف درعا الذين بدؤوا بتجهيز أراضيهم لزراعة الموسم الصيفي بعد أن تكبد معظمهم خسائر كبيرة في الموسم الماضي.

وأفاد مزارعون من المنطقة بتدفق المياه في سد عابدين، الذي تبلغ سعته التخزينية حوالي خمسة ملايين متر مكعب.

وذكر عدي شهاب أنه عاد إلى قريته كويا بعد أن كان قد هاجر عنها خلال فصل الصيف الماضي بحثًا عن العمل.

وجهز عدي أرضه لزراعتها بمحصولي الكوسا والخيار، بعد وصول المياه إلى سد عابدين الذي يروي أراضي كويا.

وقال عدي، إن المزارعين يربطون مباشرة مزاولتهم للأنشطة الزراعية في امتلاء السد الذي يُعد موردًا أساسيًا للري في البلدة.

وكان سد عابدين قد جف مبكرًا في الموسم الماضي، خلال آذار من 2025، لعدم وصول المياه إليه خلال فصل الشتاء، الذي شهد موجة جفاف في المنطقة.

وكان السد سابقًا يغطي حاجة المزارعين من مياه الري حتى نهاية شهر آب، حيث اعتاد السكان في حوض اليرموك زراعة الخضراوات الباكورية.

وأضاف عدي أنه خسر في الموسم الماضي محصوله من الكوسا والبندورة، إذ لم يتمكن من إتمام سقاية محصوله بعد جفاف سد عابدين مبكرًا.

وقدّر شهاب خسارته بما يقارب 15 ألف دولار، حيث يأمل في موسم جيد هذا الموسم حال امتلأ السد.

المياه الجوفية لم تعد

حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، لم تعد الينابيع الجوفية التي جفت مؤخرًا إلى الجريان، رغم كثافة الهطولات المطرية في محافظة درعا.

مديرية زراعة درعا نشرت على صفحتها في “فيسبوك” أحدث تقديرات هطول الأمطار حتى 12 من كانون الثاني الحالي، إذ بلغت كمية الهطول في المنخفض الجوي الأخير 24.2 مم.

في حين وصل مجموع كميات الأمطار هذا الموسم إلى 157.4 مم مقابل 67.1 مم حتى هذا التوقيت في الموسم الماضي.

وقال رئيس الموارد المائية في درعا، هاني العبد الله، ل، إن الينابيع والبحيرات لم تعد للتدفق حتى الآن.

وأضاف أن استمرار هطول الأمطار، وربما الثلوج، يزيد من مخزون المياه الجوفية، ما قد يساعد على عودتها تدريجيًا.

ونوّه العبد الله إلى أن هطول الأمطار يغني الفلاحين عن استجرار المياه من الآبار وبالتالي يزيد من مخزون المياه الجوفية.

وحول عودة الينابيع للجريان قال المهندس محمد خريبة الخبير في الري، إن الينابيع التي جفت بسبب حفر الآبار في محيطها لا يمكن عودتها إلا بعد ردم هذه الآبار، أما الينابيع التي جفت بسبب نقص الهاطل المطري فهي مرشحة للعودة للجريان، وبعضها بدأت المياه تتدفق منها، مثل نبعة البجة التي تروي الحي الشمالي من مدينة نوى بمياه الشرب.

ولا يتوقع خريبة عودة هذه الينابيع إلى سابق عهدها، بسبب تدمير حوامل طبقات المياه وتغيير المسارات عبر حفر أعماق وصلت إلى أكثر من 300 متر.

ما أبرز الينابيع في درعا؟

من أبرز هذه الينابيع بحيرة المزيريب، التي جفت بالكامل عام 2020، ثم عادت للجريان في شتاء 2021، وبعدها لم تعد أبدًا، وتحولت حاليًا إلى أرض مزروعة بالخضار وأشجار الزيتون.

وتعد بحيرة المزيريب من أهم المسطحات المائية في المحافظة، حيث كانت تروي قسمًا من محافظة السويداء سابقًا، وتُعتبر مقصدًا سياحيًا لسكان المحافظة، ومصدرًا مهمًا للثروة السمكية، وكان الفائض منها يُستخدم لسقاية الأراضي المحيطة بها.

ومن الينابيع المهمة التي لم تعد للجريان عيون العبد، التي جفت عام 2022، وهي أحد أهم ينابيع الريف الغربي، وكانت تروي قرية العجمي ومنطقة الجيدور، التي يقطنها ما يقارب 100 ألف نسمة.

وجفت أيضًا العيون الساخنة، التي تغذي شلالات تل شهاب، ما أفقد البلدة أحد أهم معالمها السياحية.

وكانت هذه العيون مصدرًا رئيسًا لتأمين بلدة تل شهاب بمياه الشرب، بالإضافة إلى استخدام الفائض منها لسقاية المحاصيل الزراعية.

كما لم تعد بحيرة زيزون السطحية، التي يشكل المصب الخارج منها شلالات زيزون، والتي كانت أيضًا مقصدًا سياحيًا وتغذي البلدة بمياه الشرب.

ولم يؤثر جفاف هذه المسطحات على الحركة السياحية والزراعية فحسب، بل كانت مديرية المياه تستجر المياه منها بمضخات وأنابيب خلال فصل الشتاء لتخزينها في السدود، مما كان يشكل احتياطيًا يكفي المحافظة من المياه خلال فصل الصيف.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.