تتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة رؤية استباقية طموحة لتوظيف الذكاء الاصطناعي كأحد أبرز محركات التحول الاقتصادي والتنموي فيها وتم إطلاق استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي في عام ٢٠١٧ كأول استراتيجية شاملة من نوعها في المنطقة والعالم.
تهدف إلى تحقيق أهداف مئوية الإمارات ٢٠٧١ وتهدف الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي ٢٠٣١ إلى أن تكون الإمارات مركزا عالميا رائدا في مجال الذكاء الاصطناعي مع الاعتماد عليه بنسبة ١٠٠ بالمئة في الخدمات وتحليل البيانات بحلول ذلك العام كما تسعى لخلق سوق جديدة واعدة في المنطقة ذات قيمة اقتصادية عالية ودفع عجلة الاقتصاد.
قامت الإمارات ببناء هيكل مؤسسي متكامل لضمان تنفيذ رؤيتها حيث استحدثت منصب وزير دولة للذكاء الاصطناعي في عام ٢٠١٧ كأول دولة على مستوى العالم تقوم بذلك كما تم تشكيل مجلس الإمارات للذكاء الاصطناعي للإشراف على تكامل هذه التقنيات في القطاعات الحكومية والتعليم واستحدثت أيضا منصب الرئيس التنفيذي للذكاء الاصطناعي في الوزارات والجهات الاتحادية.
أما على الصعيد التشريعي فقد عملت الدولة على تطوير إطار تنظيمي شامل يضمن الابتكار المسؤول وأصدرت حزمة من القوانين والسياسات منها قانون حماية البيانات الشخصية وإرشادات وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وميثاق تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي الذي تم إصداره في يونيو ٢٠٢٤ كما تمنح الإمارات شهادة اعتماد للذكاء الاصطناعي للشركات الملتزمة بالمعايير الأخلاقية والجودة العالية.
القطاعات المستهدفة والتحول الميداني
تركز استراتيجية الذكاء الاصطناعي على قطاعات حيوية متعددة تشمل النقل والصحة والفضاء والطاقة المتجددة والمياه والتكنولوجيا والتعليم والبيئة والمرور وتهدف إلى تحقيق نتائج ملموسة مثل تقليل الحوادث والتكاليف التشغيلية في النقل وخفض نسب الأمراض المزمنة في الصحة وإدارة الاستهلاك في الطاقة وتوفير الموارد المائية.
وتعتبر دبي مختبرا حيا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي حيث تهدف إلى جعل ٢٥ بالمئة من جميع الرحلات ذاتية القيادة بحلول عام ٢٠٣٠ كما تسير نحو تحقيق حكومة ذكية بالكامل حيث تهدف إلى توفير ١٠٠ بالمئة من خدمات الخط الأول للجمهور عبر الذكاء الاصطناعي ودمجه بنسبة ١٠٠ بالمئة في الخدمات الطبية والأمنية.
الاستثمارات والشراكات الدولية الكبرى
تستثمر الإمارات بكثافة في البنية التحتية والتكنولوجيا حيث أطلقت شركة إم جي إكس الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي بقيمة ١٠٠ مليار دولار وتعمل شركة جي ٤٢ كشركة قابضة متخصصة في تطوير الذكاء الاصطناعي وتمتلك شراكات مع كيانات مثل مبادلة ومايكروسوفت.
أما على صعيد الشراكات الدولية فقد تعاونت الإمارات مع الولايات المتحدة لإنشاء أكبر مجمع للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة ضمن اتفاق استراتيجي واستثمرت مايكروسوفت ١٥ مليار دولار في شركة جي ٤٢ وانضمت إلى مجلس إدارتها كما تعاونت مع فرنسا والاتحاد الأوروبي في مشاريع مشتركة مثل تطوير مركز بيانات بقدرة ١ غيغاواط وتتعاون مع الأمم المتحدة عبر منصة الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية المستدامة.
الأثر الاقتصادي والنتائج الملموسة
بدأت ثمار هذا التحول تظهر على الاقتصاد الإماراتي حيث تشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي سيضيف ١٧٠ مليار دولار إلى اقتصاد الإمارات بحلول عام ٢٠٣٠ وتتوقع استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي ٢٠٣١ زيادة حصة الذكاء الاصطناعي من الناتج المحلي الإجمالي إلى ٤٥ بالمئة مضيفة حوالي ٣٣٥ مليار درهم.
وجذبت الدولة استثمارات أجنبية مباشرة تجاوزت ٤٥ مليار دولار في عام واحد بزيادة سنوية قاربت ٥٠ بالمئة في وقت تراجعت فيه التدفقات العالمية بنسبة ١١ بالمئة واستحوذت على أكثر من نصف الاستثمارات المتدفقة إلى منطقة الشرق الأوسط كما استقبلت حوالي ١٠ آلاف مليونير جديد وهو العدد الأكبر عالميا.
تطوير المواهب ومواجهة تحديات سوق العمل
في مواجهة تحولات سوق العمل العالمية التي أشارت دراسات صندوق النقد الدولي إلى أن ٤٠ بالمئة من الوظائف حول العالم ستتأثر بشكل كبير بالذكاء الاصطناعي تتبنى الإمارات سياسات استباقية وتركز على تطوير المهارات وتهدف إلى تدريب عشرة آلاف عالم بيانات ومهندس تعلم آلة في الدولة وتوفر التأشيرات الذهبية لجذب الخبراء العالميين.
وتشير استبيانات قطاعية إلى ثقة عالية حيث أشار ٨٥ بالمئة من المشاركين في استبيان لشركات التكنولوجيا إلى أن مستوى توافر الكفاءات التقنية في السوق الإماراتي ممتاز وأكد ١٠٠ بالمئة وجود دعم حكومي قوي لشركات التكنولوجيا.
تمضي الإمارات قدما في مسيرتها لتحويل اقتصادها من اقتصاد تقليدي إلى اقتصاد معرفي قائم على الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة ومن خلال مزيج متكامل من الرؤية الاستراتيجية الواضحة والهيكل المؤسسي المتين والاستثمارات الضخمة والشراكات الدولية الاستراتيجية والأطر التشريعية الداعمة تضع الدولة نفسها في موقع الريادة الإقليمية والعالمية في سباق الذكاء الاصطناعي وتعمل على ضمان نمو اقتصادي مستدام ومتنوع يحقق الرفاهية للأجيال الحالية والقادمة ويسهم في رسم مستقبل تقني واعد للمنطقة والعالم.
المصدر: وكالة ستيب الاخبارية
