دير الزور – مروان المضحي
تتحرك ملفات إعادة تأهيل الجسور في ريف دير الزور الشرقي عبر مسارين، الأول تقوده “فزعات” عشائرية ومبادرات أهلية لتأمين عبور يومي طارئ، والثاني يتمثل بمشاريع حكومية لإعادة بناء الهياكل الاستراتيجية المدمرة.
وتأتي هذه التحركات في ظل اعتماد السكان الكلي على العبّارات النهرية التي باتت تشكل عبئًا ماديًا ومخاطر أمنية ولوجستية على ضفتي نهر الفرات.
الجسر الترابي كبديل مؤقت
في مدينة الميادين بريف دير الزور الشرقي، التي تعد المركز التجاري الأبرز في المنطقة الممتدة من العشارة حتى الطيبة، لجأت الإدارة المحلية والفعاليات الأهلية إلى إنشاء جسر ترابي يربط المدينة ببلدة الحوايج من جهة “الجزيرة” (المناطق الواقعة شرق الفرات).
وجاء هذا الإجراء كاستجابة فورية لإنهاء حالة العزلة التي فرضها خروج الجسر الأساسي عن الخدمة.
من جانبه، قال رئيس مجلس مدينة الميادين، يعقوب الأيوب، ل، إن المشروع بدأ منذ الأيام الأولى لتغيير السيطرة الميدانية، مشيرًا إلى أن الهدف هو ربط ضفتي النهر وتخفيف المعاناة الناتجة عن تهميش الخدمات في منطقة الجزيرة.
ووصف الأيوب الأعمال التي لحقت بالجسر بأنها “إسعافية”، مؤكدًا أن الجسر الأساسي للمدينة يخضع لعمليات تأهيل قد تستغرق عامين أو أكثر، ما جعل من الجسر الترابي ضرورة لربط الأسواق وتسهيل حركة المدنيين.
الشعب والحكومة
تبرز في ريف دير الزور ظاهرة “التعاضد الاجتماعي” لتعويض نقص الإمكانيات اللوجستية الضخمة، ففي الميادين، لم يقتصر الدور الحكومي على التوجيه، بل تداخل مع مساهمات مباشرة من الأهالي لتسريع العمل.
قال محمد النايف، من سكان المنطقة، ل، إن الجسر يمثل “شريان حياة” نظرًا إلى ضخامة الإمكانيات التي يتطلبها إصلاح الجسر الأساسي.
وأضاف أن المبادرات الأهلية بالتنسيق مع مجلس البلدية، استهدفت حل معضلة التنقل لآلاف القاطنين الذين يعتمدون على أسواق الميادين، واصفًا العمل بأنه نتاج تعاضد بين المجتمع والمسؤولين.
من جانبه، قال سامر أحمد الأيوب، أحد المشاركين في المبادرة، إن المساهمات الأهلية شملت تقديم آليات ونقل مواد البناء (القساطل)، بهدف إلغاء أجور العبّارات التي استنزفت دخل المواطنين، معتبرًا أن التنسيق بين الكوادر العاملة والأهالي كان المحرك الأساسي لإنجاز الممر الإسعافي.
آليتان للتنفيذ
على طول مجرى النهر، تختلف أدوات التمويل والتنفيذ، ففي بلدة العشارة، اعتمد العمل بشكل رئيس على “فزعة العشائر”، حيث أسهم وجهاء المنطقة في تمويل عمليات الترميم لضمان تواصل القرى بسبب بطء المشاريع الكبرى.
عمر الخليف، أحد أصحاب المركبات التي شاركت بـ”فزعة العشائر” من أجل ترميم الجسر، أوضح ل أنه ومنذ انسحاب “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من المنطقة، بدأت مساهمات أصحاب المركبات الثقيلة، بعد دعوات الأهالي، وذلك لتخفيف المعاناة والانتهاء من التنقل عبر العبّارات النهرية التي تسببت بغرق كثير من السيارات في أثناء التنقل.
ونقل عمر أكثر من 30 دفعة من البقايا الترابية، لردم الأماكن المدمرة، وعددها ثلاث فتحات، وتم العمل عليها على مدار أكثر من عشرة أيام، وشارك في الحملة معظم أبناء دير الزور.
أما في مدينة البوكمال، فتبدو الصبغة الرسمية أكثر وضوحًا، إذ إن عمليات التأهيل جرت بدعم مباشر من وزارة الدفاع ومجلس المحافظة، نظرًا إلى الأهمية الاستراتيجية لجسر البوكمال، الذي يربط بين ضفتي النهر، ولتأمين الممرات اللوجستية الحيوية.
ويربط الجسر مدينة البوكمال ببلدة الباغوز من جهة الشرق والمعروفة بمنطقة الجزيرة.
وكانت إدارة منطقة البوكمال وقيادات من وزارة الدفاع افتتحتا جسر البوكمال- الباغوز بعد الانتهاء من أعمال إعادة تأهيله التي نفذتها محافظة دير الزور بالتعاون مع وزارة الدفاع، وفق ما أعلنت عنه المحافظة في 9 من شباط الحالي.
جسر “السياسية”
أجرى وزير النقل زيارة إلى دير الزور مؤخرًا، والتقى بالمحافظ والجهات المحلية، حيث جرى بحث واقع قطاع النقل في المحافظة، وكان مشروع إعادة تأهيل جسر “السياسية” أبرز الملفات المطروحة.
وقال مدير فرع المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية في محافظة دير الزور، عبد الكريم خضر، إن جسر “السياسية” يعد من أهم الجسور الواقعة على نهر الفرات، لأنه يشكل الرابط الرئيس بين منطقتي “الجزيرة” و”الشامية”، مشيرًا إلى أن إعادة تأهيله باتت من أولويات العمل في المرحلة الحالية.
وأوضح خضر أن أهمية الجسر ازدادت بعد “تحرير منطقة الجزيرة”، ما دفع وزارة النقل والمؤسسة العامة للمواصلات الطرقية إلى وضع مشروع تأهيله في مقدمة خططها الخدمية لتسهيل حركة الأهالي في المحافظة.
وبيّن خضر أن الدراسة الفنية الخاصة بالجسر جاهزة، كما تم إعداد دراسة لجسر رديف هو جسر “گنامة” الواقع على الفرع الصغير، والذي يُعد امتدادًا لجسر “السياسية”. وأشار إلى أنه تم تسليم الإضبارة الخاصة بالمشروع إلى محافظة دير الزور، حيث طُرح للتنفيذ بإشراف المحافظة.
وفيما يتعلق بجسر البوكمال- الباغوز، أوضح خضر أن الأضرار كانت تتركز في فتحة واحدة من الجسر، مضيفًا أن أعمال الإصلاح نُفذت بالتعاون بين محافظة دير الزور ومديرية الخدمات الفنية والهندسة العسكرية، وبالتنسيق مع المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية.
وأشار إلى أنه تم تركيب فتحة جسر حربي خلال نحو أسبوعين من العمل، ليُعاد افتتاح الجسر أمام الأهالي في منطقة البوكمال، بما يسهم في تحسين حركة التنقل بالمنطقة.
تحول في ملف الجسور
المهندس مهند الجميل، قال إن الاعتماد على الجسور الترابية والمبادرات المحلية في دير الزور يعكس عجز الميزانيات، وعدم قدرة الجهات الحكومية على تحمل تكاليف إعادة بناء الجسور الأسمنتية الضخمة بشكل فوري، ما دفعها لتشجيع الحلول المحلية.
وأكد أن تلك الجسور ستساعد على استعادة النشاط التجاري لأسواق الميادين والبوكمال، التي تضررت بشدة جراء انقطاع صلتها بقرى الجزيرة المنتجة زراعيًا.
وعانى الأهالي في دير الزور لسنوات بسبب الدمار في البنية التحتية، وخاصة الجسور التي تربط ضفتي نهر الفرات، وذلك نتيجة للحرب التي شهدتها المنطقة على مر السنوات الماضية.
وأدى تدمير هذه الجسور إلى مشكلات انعكست على الواقع اليومي للأهالي، إذ تعطلت حركة التنقل بين ضفتي النهر، وتضاعفت تكاليف النقل.
ويعتبر العبور باتجاه مدينة دير الزور، أو باتجاه محافظات سورية أخرى، حاجة ملحة بالنسبة لأبناء المنطقة، خصوصًا أولئك الذين يحتاجون إلى مراجعة المستشفيات، أو المؤسسات الحكومية الواقعة على الجانب الآخر من النهر.
وسبق أن وثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، في تقرير حمل عنوان “دير الزور.. محافظة مقطعة الأطراف”، 29 حادثة اعتداء على جسور المحافظة منذ عام 2011 حتى آذار 2017.
وتوزعت الاعتداءات إلى تسعة على يد قوات النظام السوري السابق، و15 كان “التحالف الدولي” مسؤولًا عنها، بينما دمّرت “التنظيمات المتشددة” جسرين، ودُمّر جسر واحد على يد القوات الروسية، بينما نسب التقرير حادثتين إلى جهات مجهولة.
وفي 3 من تشرين الثاني 2017، أعاد النظام فرض سيطرته على مدينة دير الزور، وقال محافظ دير الزور حينها، محمد إبراهيم سمره، إن المدينة تحتاج إلى ستة مليارات ليرة سورية كـ”حالة إسعافية” لإعادة إعمار وبناء ما خربته “التنظيمات الإرهابية” في البنى التحتية للمدينة.
وفي 18 من كانون الثاني الماضي، أكملت الحكومة السورية سيطرتها على كامل مدينة دير الزور، على حساب “قسد” التي كانت تسيطر على الجانب الشرقي من نهر “الفرات” الذي يقسم المحافظة إلى قسمين.
Related
المصدر: عنب بلدي
