رأس العين – حسين الشعبو

يواجه المزارعون في ريف رأس العين، شمالي الحسكة، صعوبات متزايدة بسبب أنفاق وخنادق واسعة حفرتها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) داخل الأراضي الزراعية قبل انسحابها من المدينة عام 2019.

ولا تزال هذه الأنفاق والخنادق مفتوحة حتى اليوم، مما يشكل خطرًا مباشرًا على سلامة المزارعين ويعوق الأنشطة الزراعية اليومية.

وتتكون هذه الأنفاق والخنادق من شبكة معقدة تمتد لما يقارب 50 كيلومترًا، على أقل تقدير، بدءًا من مدينة رأس العين حتى الحدود الإدارية لبلدة سلوك في تل أبيض، بعمق يصل إلى ثلاثة أمتار، تشمل أنفاقًا خرسانية تحت الأرض وأخرى محفورة مباشرة في التربة على شكل خنادق، بحسب شهود قابلتهم.

خطر يهدد الزراعة

تشكل هذه الأنفاق خطرًا على الزراعة في ريف رأس العين، إذ تتسبب بانهيارات التربة وتعطل حراثة الحقول، ما يؤثر مباشرة على المحاصيل ودخل المزارعين.

وقسمت الأنفاق أرض سلامة القريط من قرية تل ذياب شرق رأس العين إلى قسمين، وأثرت بشكل سلبي على أرضه، حيث لم يعد يستطيع سقايتها إلا عبر أنابيب بلاستيكية كبيرة تمر بالمياه إلى الجانب الآخر.

ولم يقتصر الضرر على المياه فقط، بل تحولت الأنفاق إلى خطر مباشر على الأرض، إذ تسببت بانهيارات وتصدعات في التربة ألحقت أضرارًا بالمحاصيل وعاقت زراعتها بشكل طبيعي.

وقال سلامة القريط ل، إنه لا يملك القدرة على إغلاق النفق الخرساني ضمن أرضه، لما يتطلبه ذلك من تكاليف باهظة وآليات حديثة ومعدات غير متوفرة في المدينة.

من جانبه، قال علي السعدون، من قرية العزيزية الدويرة، إن الأنفاق المحفورة في أرضه البالغة 60 دونمًا (يساوي الدونم الواحد 1000 متر مربع)، تسببت في تهالك التربة وجعلها غير صالحة للزراعة وعقّدت حركة الماشية وحراثة الأرض.

وأضر تجمع المياه داخل الحفر بالمحاصيل التي زرعها السعدون، وقلّل ذلك الإنتاجية بشكل ملحوظ، ما انعكس مباشرة على دخله المعتمد كليًا على الزراعة.

بعض الأنفاق الخرسانية الطويلة ضمن أرضه زادت الوضع سوءًا، بحسب علي السعدون، ولم تجدِ محاولاته الفردية لإصلاح الأرض نفعًا بسبب حجم الضرر وهشاشة التربة.

وقدّر علي السعدون نفقات ردم الأنفاق الأرضية في أرضه بأكثر من 7000 دولار أمريكي، إذ يتقاضى سائق الحفارة وسائق “التركس” نحو 100 دولار للساعة الوحدة من العمل، ما يجعل تنفيذ العملية شبه مستحيل بالنسبة له لتكلفتها العالية.

ولم تقتصر أضرار الأنفاق على الأراضي الزراعية، إذ تسببت منذ 2019 في 28 إصابة نتيجة سقوط أشخاص فيها، أغلبيتهم من الأطفال بحسب مديرية الصحة برأس العين، بالإضافة إلى نفوق عدد من المواشي.

انخفاض خصوبة الأراضي

أدى وجود الأنفاق إلى انخفاض خصوبة الأراضي بشكل ملحوظ، حيث فقدت التربة تماسكها وقدرتها على الاحتفاظ بالمياه والمواد المغذية، ما أثر سلبًا على نمو المحاصيل وزاد صعوبة الزراعة التقليدية.

المهندس الزراعي عبد العزيز العبد الله، من مدينة رأس العين، قال ل، إن الأنفاق حفرت داخل الأراضي الزراعية وأدت إلى فقدان تماسك التربة وأضعفت قدرتها على الاحتفاظ بالمياه والمواد المغذية، كما تسببت في تكون حفر وانهيارات جزئية.

وأوضح أن هذه التأثيرات أدت إلى انخفاض ملموس في خصوبة الأراضي وصعوبة الحراثة، ما انعكس على إنتاجية المحاصيل وزاد صعوبة إدارة الأراضي الزراعية بشكل مستدام.

الأراضي بحاجة إلى معالجة عاجلة، بحسب المهندس، كون الأنفاق تركت التربة هشة وغير مستقرة، ما يزيد من خطر تلف المحاصيل وتوقف النشاط الزراعي في أجزاء واسعة من الحقول.

ويكمن الحل الوحيد في تدخل هندسي متخصص لردم الأنفاق باستخدام معدات مناسبة، مع إجراء دراسة تربة دقيقة لتحديد مناطق الضعف ومعالجتها، لضمان استعادة الأرض قدرتها الإنتاجية الطبيعية واستمرار النشاط الزراعي دون مخاطر.

إمكانيات محدودة

يغيب الدعم الحكومي عن المجالس المحلية، ما يزيد صعوبة تنفيذ المشاريع الضرورية، لتجد هذه المجالس نفسها غير قادرة على تلبية احتياجات البنية التحتية والخدمات الأساسية بشكل فعال، جراء ضعف الإمكانيات المتوفرة.

المتحدث باسم المجلس المحلي لمدينة رأس العين، زياد ملكي، قال ل، إن المجلس لم ينتهِ بعد من صيانة شبكات المياه والصرف الصحي في مدينة رأس العين وبلدة تل حلف، نتيجة الأنفاق التي حفرتها “قسد” والتي سببّت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية.

وأوضح أن المجلس صرف نحو 1.3 مليون دولار أمريكي على ردم وإغلاق الأنفاق داخل المدينة لاستعادة الخدمات، لكنه لم يتمكن من إنجاز أكثر من 35% منها حتى الآن.

وأضاف أن المجلس المحلي مستعد، في حال توفرت الإمكانيات، لتوفير المعدات والآليات اللازمة لردم وإغلاق الأنفاق في الأراضي الزراعية، حفاظًا على التربة والمحاصيل واستقرار النشاط الزراعي.

المجلس بحاجة ماسة لدعم حكومي ومنظمات دولية، كون إمكانياته محدودة، بحسب المتحدث، ما يجعل استمرار العمل على إصلاح البنية التحتية وإنقاذ الأراضي الزراعية أمرًا صعبًا دون تدخل خارجي عاجل.

تعتمد رأس العين بشكل رئيس على قطاع واحد هو الزراعة، ما يضيق مجالات العمل، ويحد من توفر وظائف متنوعة للسكان، كما أثر ضعف البنية التحتية والخدمات مع ضيق المساحة في قدرة المنطقة على استقطاب الاستثمارات، وأسهم كل ما سبق في ضعف القدرة الشرائية للسكان.

وتعد الليرة السورية العملة المتداولة في المنطقة، لكن واقعها المضطرب أرهق الأهالي، أما العملة الثانية فهي الليرة التركية (غير متداولة بكثرة) بسبب متاخمة المدينة الحدود التركية، والثالثة هي الدولار الأمريكي.

وتحاصر “قسد” مدينة رأس العين، إلى جانب مدينة تل أبيض، منذ انسحابها من المنطقة، عقب عملية “نبع السلام” التي أطلقتها أنقرة عام 2019، بالاشتراك مع “الجيش الوطني السوري” (انضم إلى وزارة الدفاع).

المصدر: عنب بلدي

شاركها.