خصّص المتحف الوطني للفنون في بوليفيا (MNA)، معرضاً دائماً للفنان ميغيل ألانديا، المعروف بـ”رسام الثورة”، وأحد أبرز ممثلي المثقفين اليساريين، الذي استخدم أعماله كأداة للنضال ضد الديكتاتورية ومن أجل التغيير في بلاده.

تمّ افتتاح المعرض في ديسمبر 2025، ويضم أعمال الفنان التي تصوّر نضالات المهمشين في القرن العشرين في بوليفيا. علماً أن اللوحات الجدارية لم تنج من عهد الديكتاتورية، واختفى الكثير منها، بعد أن أمر الجنرال رينيه باريينتوس، بتدمير أعمال الفنان المعروضة في المباني العامة تدميراً ممنهجاً.

حديثاً، عمل المختصّون على إعادة بناء إحدى اللوحات الجدارية، استناداً إلى الرسومات والدراسات التحضيرية التي تركها الفنان، والتي أُزيلت وهُدمت من القصر الحكومي عام 1964. وتشكّل هذه اللوحة محور المعرض الدائم الجديد الذي خصّصه المتحف الوطني للفنان.

عهد الديكتاتور

عام 1965، سيطرت الأنظمة العسكرية على أميركا اللاتينية، ولم تكن بوليفيا استثناءً. حينها أمر الجنرال رينيه باريينتوس بالسيطرة على معسكرات التعدين كأحد أبرز قرارات حكومته. كانت المعسكرات تضم أكبر عدد من القوات المسلحة التابعة للأحزاب اليسارية. وكان من أهمها مركز ميلوني في مرتفعات لاباز، الذي كان يضم إذاعة “صوت عامل المنجم”، وهي محطة إذاعية ومركز اتصالات للتعبئة.

اقتحم الجنود المعسكر، وخرجوا حاملين جثثاً وميكروفونات وأجهزة تحكّم لاسلكية. لكن جدار قاعة مسرح المعسكر كان وهمياً من الطوب اللبن، بناه عمال المناجم بعد تحذيرهم من الهجوم، لحماية جدارية للفنان تروي قصة استغلالهم، وهي واحدة من بين 16 جدارية رسمها ميغيل ألانديا.

وقالت كلاريبل أرانديا، مديرة المتحف الوطني للفنون لصحيفة “EL pais” الفنزويلية: “لقد حققنا حلماً للفنان شاركه معنا أحد أبنائه، وهو ترميم اللوحة الجدارية التي كانت تزيّن قاعة القصر الحكومي في الستينيات”.

يعدّ ألانديا زعيماً نقابياً ناضل من أجل حقوق العمل، ولم ينفصل فنه عن نشاطه السياسي، وهو مسار متماسك تشكّل من خلال معايشته المباشرة للاضطرابات الاجتماعية في القرن العشرين في دولة أميركا الجنوبية.

وُلد ألانديا في كاتافي، كان ابن بائع خبز ومحاسب في شركة تعدين، وشهد ما يُعرف بمذبحة أونسيا (1923) في معسكر قريب، عندما كان في التاسعة من عمره.

يومها أطلق الجيش النار عشوائياً على العمال المضربين الذين نظّموا أنفسهم في اتحاد، مطالبين بالاعتراف بهم وتحسين ظروف عملهم، فقتلوا تسعة منهم.

منذ تلك اللحظة، أصبح الموت الذي غالباً ما يُصوَر بألوان قاتمة، موضوعاً متكرراً في أعمال الفنان، كما يتضح في لوحة “تكريماً لقادة التعدين القتلى” (1965).

توفي الفنان عام 1965 في ليما، بيرو، أثناء منفاه الذي فرضه عليه الجنرال هوغو بانزر سواريز، وذلك لتكريسه فنه ونضاله كعضو في الحركة التروتسكية، وتنديده بالتفاوتات الاجتماعية، ومشاركته في الدفاع المسلح عن حكومة الجنرال خوان خوسيه توريس غونزاليس الثورية في أغسطس عام 1971. 

وثّق ألانديا مسيرته الفنية والسياسية والاجتماعية في أرشيف سياسي قيّم، يُشير إلى الحقبة التي سيطرت فيها النخب الموالية للأوليغارشية على اقتصاد البلاد وإدارتها السياسية.

يغطي الأرشيف السياسي والفني الخاص لميغيل ألانديا، الفترة من عام 1936 إلى عام 1979. ويتألف من 25 ملفاً مُنظّماً في سلاسل وثائقية، تضم 2536 صفحة. تمّ تجميع السلسلة في عقود ومراسلات شخصية مع شخصيات وطنية ودولية كبرى ومقالات اجتماعية وسياسية ومقالات صحفية وقرارات نقابية وسياسية ومؤتمرات عالمية.

يُثري الأرشيف السياسي للفنان مراسلاته مع شخصيات مكسيكية بارزة مثل دييغو ريفيرا، وديفيد ألفارو سيكيروس، وخوسيه كليمنتي أوروزكو، بالإضافة إلى مراسلات مع شخصيات أخرى من أوروغواي، والبرازيل، وكوبا، وتشيلي، والأرجنتين، والإكوادور، وبيرو، وتشيكوسلوفاكيا، والمكسيك، وكوستاريكا، وغيرها، ممن كانوا مدافعين عن ثقافة بوليفيا وفنونها.

شاركها.