تعتزم الولايات المتحدة، إعلان الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الأربعاء، والكشف عن هيكل جديد لإدارة القطاع الفلسطيني، فيما تواجه هذه المرحلة عراقيل عدة، أبرزها مشكلة التمويل، ومعارضة إسرائيل لإعادة الإعمار وسحب قواتها.
وقال مسؤولون أميركيون لصحيفة “وول ستريت جورنال”، إن واشنطن تعتبر أن الوقت بات مناسباً للانتقال من مرحلة وقف القتال إلى مرحلة حكم وإعادة إعمار القطاع، وهي ما تصفه الإدارة الأميركية بـ”المرحلة الثانية” من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المكوّنة من 20 بنداً.
وذكرت الصحيفة أن من المتوقع أن تعلن الولايات المتحدة، أسماء 15 فلسطينياً من التكنوقراط سيشكّلون “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” NCAG، والتي ستتولى المسؤولية عن الإدارة اليومية للقطاع، بما في ذلك الخدمات والمرافق والتعليم.
وأضاف المسؤولون الأميركيون، أن وزير الخارجية البلغاري السابق نيكولاي ملادينوف، والذي عمل مبعوثاً أممياً للسلام في الشرق الأوسط، سيُعيّن ممثلاً سامياً جديداً لـ”مجلس السلام” الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وسيشرف على تنفيذ خطة السلام.
وأشار المسؤولون إلى أن ملادينوف سيعمل كحلقة وصل بين لجنة التكنوقراط الفلسطينيين ومجلس السلام.
لكن صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية، نقلت عن مصادر قولها، إنه من المرجح أن يتأجل الكشف عن “مجلس السلام” بقيادة ترمب وقادة عالميين آخرين في الوقت الحالي.
وكانت مصادر قد أشارت في تصريحات لـ”الشرق”، الثلاثاء، إلى أن علي شعث، المسؤول السابق في السلطة الفلسطينية، هو المرشح لتولي رئاسة “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، مشيرة إلى أن تكليف هذه اللجنة سيصدر عن المجلس التنفيذي الذي يرأسه نيكولاي ملادينوف.
وقال المسؤولون الأميركيون لـ”وول ستريت جورنال”، إن “مجلس السلام”، الذي يضم نحو 12 عضواً، سيوفر التوجيه رفيع المستوى بشأن القضايا المتعلقة بغزة.
وكان ترمب قد قال، متحدثاً للصحافيين على متن طائرة الرئاسة، الأحد، إن المجلس سيضم “أهم القادة من أهم الدول”، دون أن يعلن أسماء أعضائه.
ودخلت “خطة السلام” الأميركية في قطاع غزة، حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي. ووفق المرحلة الثانية، من المقرر أن يتم تشكيل “مجلس السلام”، وحكومة فلسطينية من التكنوقراط في غزة، ونشر قوة استقرار دولية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، والشروع في جهود إعادة الإعمار.
وقال دبلوماسي إقليمي لـ”فاينانشيال تايمز”، إن “اللجنة الوطنية لإدارة غزة تحتاج لإظهار قدرتها على الإنجاز”.
وذكرت مصادر لـ”الشرق”، الثلاثاء، أن “مصر قدمت عشرات الأسماء المقترحة لعضوية اللجنة”، لافتة إلى أن “الجانبين الأميركي والإسرائيلي وافقا على عدد من الأسماء ورفضا الباقي، خاصة تلك التي رشحت من قبل السلطة الفلسطينية والفصائل”.
ووصلت وفود الفصائل الفلسطينية إلى القاهرة، الثلاثاء، حيث من المقرر عقد لقاء مع مسؤولين مصريين، الأربعاء.
وقالت المصادر لـ”الشرق”، إن مصر ستُطلع الفصائل الفلسطينية على الأسماء التي وافق عليها الجانبان الأميركي والإسرائيلي، وعلى الدور المنوط باللجنة.
نزع سلاح “حماس”
وتواجه المرحلة التالية من خطة السلام الأميركية، عقبات كبيرة، خصوصاً بسبب الموقف الإسرائيلي المطالب بـ”نزع سلاح حماس”.
واعتبر مسؤولون حاليون وسابقون في حديثهم لـ”وول ستريت جورنال”، أن مسألة “سلاح حماس.. تعرقل إعادة إعمار القطاع وتقوّض الجهود الرامية إلى إنشاء هيكل حكم قابل للحياة بعيداً عن نفوذ الحركة”.
وقال دان شابيرو، السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل، في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما: “ثبت أن حماس كانت أكثر صلابة مما توقعه معظم الناس في المراحل الأولى من الحرب”.
وأشار المسؤولون الأميركيون، إلى أن نجاح الخطة يعتمد إلى حد كبير على تخلي “حماس” عن سلاحها وتنازلها طوعاً عن السيطرة على غزة.
وقال المسؤولون، إن العديد من الدول المهتمة بالمشاركة في قوة الاستقرار الدولية في غزة، شددت على أنها لا ترغب في المشاركة في مهمة “نزع سلاح حماس بالقوة”، وهو ما عقّد الجهود الرامية إلى تشكيل القوة الدولية.
ومع ذلك، تتوقع إدارة ترمب أن تفقد “حماس” السلطة في نهاية المطاف، وتفسح المجال أمام هيكل جديد للحكم في قطاع غزة.
وكانت “حماس” قد أفادت، الأحد، بأن “لديها قرار واضح بحل الجهات الحكومية التي تدير الأوضاع في قطاع غزة، وتسليمها للجنة التكنوقراط وتسهيل كل تفاصيل استلامها لعملها ونجاحها”، ودعت إلى “الإسراع في تشكيل هذه اللجنة”.
كما ذكرت الحركة في بيان، الثلاثاء، أن وفدها بقيادة رئيس الحركة في غزة، خليل الحية، وصل إلى مصر لإجراء محادثات، مشيرة إلى أن الوفد “سيبحث تسريع الدخول في المرحلة الثانية، بما في ذلك تشكيل اللجنة الإدارية، واستكمال انسحاب الاحتلال من قطاع غزة”.
مشكلات في التمويل
ولا تزال الدول الغربية والإسلامية مترددة في نشر قوات حفظ سلام أو تخصيص تمويل لغزة، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لنصف القطاع.
وقال دبلوماسي إقليمي لـ”فاينانشيال تايمز”، إن “الأموال التي تم جمعها لم تتجاوز مليار دولار فقط، في حين تُقدر الاحتياجات بعشرات المليارات”.
ويخطط المسؤولون الأميركيون، لاستغلال منتدى دافوس الاقتصادي، المقرر عقده هذا الشهر، لحشد الدعم المالي والسياسي لخطط بغزة.
ويواجه الانتقال إلى المرحلة الثانية عراقيل إسرائيلية، بما في ذلك معارضة إعادة الإعمار على نطاق واسع، أو المزيد من انسحاب القوات الإسرائيلية.
وسافر نيكولاي ملادينوف، الأسبوع الماضي، إلى إسرائيل لعقد اجتماعات مع كبار المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وفق “فايننشيال تايمز”.
وفي مكتب نتنياهو، الخميس الماضي، كان حاضراً العديد ممن أصبحوا الآن مسؤولين عن إدارة غزة بعد الحرب، بمن فيهم ميروسلاف زافيروف، المساعد الرئيسي لملادينوف، ودبلوماسي بلغاري وأممي سابق ذو خبرة طويلة في الشرق الأوسط.
وجلس إلى جانب البلغاريين، المبعوث الأميركي البارز الذي يقود فريق غزة في إسرائيل، آرييه لايتستون، ورائد أعمال إسرائيلي ومستشار متطوع للفريق الأميركي، ليران تانسمان.
أما على الجانب الإسرائيلي فقد جلس مايكل أيزنبرج، وهو مستثمر أميركي-إسرائيلي ومستشار نتنياهو بشأن غزة وسياسة الولايات المتحدة، والجنرال رومان جوفمان، سكرتير رئيس الوزراء العسكري ومرشح لرئاسة جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي “الموساد” لاحقاً هذا العام.
ووفقاً لمصادر مطلعة، لعب جميع المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين الأربعة، دوراً محورياً في تخطيط ودعم “مؤسسة غزة الإنسانية”، التي عملت عدة أشهر العام الماضي مع متعاقدين عسكريين أميركيين، وتعرضت لانتقادات كبيرة بعدما تحولت إلى مسرح لعدة عمليات إطلاق نار من الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين.
وبحسب ما نقلت “فاينانشيال تايمز” عن مصادر داخل “مؤسسة غزة الإنسانية”، وآخرين تعاملوا معها، عمل لايتستون على جمع التمويل والدعم الدولي، فيما قام أيزنبرج وتانسمان وجوفمان بوضع الفكرة وتطويرها داخل النظام الإسرائيلي.
وغالباً ما كانت مواقع المؤسسة داخل غزة مسرحاً للفوضى، حيث قتل الجيش الإسرائيلي مئات الفلسطينيين خلال محاولتهم الحصول على المساعدات الغذائية.
ويتهم مسؤولو المؤسسة الآن الحكومة الإسرائيلية بالتسبب في أزمة غذائية حادة عبر إغلاق كامل لتدفق المساعدات إلى غزة في مايو الماضي، عند بدء عمل المؤسسة.
أسلوب “غير تقليدي”
وانتقد مسؤولون ومحللون إسرائيليون وغربيون، المرحلة الثانية من الخطة الأميركية، معتبرين أنها منفصلة عن الواقع السياسي والأمني في غزة.
ولفتوا إلى أن الفريق الصغير، المكوّن من دبلوماسيين ورجال أعمال ومستشارين غير رسميين، “طموح للغاية لكن غير مطلع بشكل كافي”، وأنه “قريب بشكل كبير من حكومة نتنياهو اليمينية”.
وقد وضع هذا الفريق خطة من 32 صفحة، أطلق عليها اسم مشروع “شروق الشمس” Project Sunrise، بقيمة 112 مليار دولار لإعادة تطوير غزة على مدى عقد، كقطاع فاخر مستقبلي مدعوم بالذكاء الاصطناعي، وفق “وول ستريت جورنال”.
وقال أحد المطلعين على شؤون غزة، إنهم “يركزون على مشروع شروق الشمس.. لكن لا يوجد شيء يربط الوضع الحالي في غزة بما يريدون الوصول إليه”.
وأشار دبلوماسي إقليمي، إلى أنه “يمكن القول إنها خطة سيئة أو غير كافية، لكن ما لم يأت أحد بأفكار أفضل، هذا ما سيحدث”.
ولفت مسؤولان إسرائيليان، إلى أن المخطط الأخير لغزة يعكس “الأسلوب غير التقليدي” الذي اعتمده ترمب في ولايته الثانية، حيث تقاد السياسات بواسطة رجال أعمال خاصين يستخدمون أساليب صناعة التكنولوجيا ومستشارين غير رسميين.
وحل الفريق المدني الأميركي والإسرائيلي محل المقر العسكري الأميركي في جنوب إسرائيل، المسمى “مركز التنسيق المدني-العسكري”، الذي أنشئ بهدف مراقبة وقف إطلاق النار، والتنسيق بين تل أبيب وواشنطن ودول أخرى ومنظمات غير حكومية، لكنه أصبح وفق 4 مصادر مطلعة، “مجرد اجتماعات لا تنتهي حول سياسات ثانوية ومعارك عقيمة مع البيروقراطية الإسرائيلية”.
وذكر مسؤول إسرائيلي، أن “مركز التنسيق المدني-العسكري مجرد تشتيت للانتباه، ومن السهل تدوين الأفكار على اللوح، لكن شيئاً لا يُنفّذ على أرض الواقع. العمل الحقيقي يجري في فندق كيمبنسكي”، في إشارة إلى فندق ديفيد كيمبنسكي الفاخر على ساحل تل أبيب المطل على البحر المتوسط، حيث يقيم ويعمل “فريق غزة” الأميركي.
ويرتبط الفريق الأميركي، الذي يضم نحو 12 عضواً، مباشرة بجاريد كوشنر، الذي بات المحرك الرئيسي لمرحلة الانتقال بعد الحرب، وفقاً لخمسة مصادر مطلعة.
ووصف الفريق الأميركي خططه بشأن غزة بـ”الواقعية”، مستشهداً بما تعتبره إدارة ترمب “إنجازاً تمثل في التوصل إلى وقف إطلاق النار وإطلاق سراح المحتجزين إسرائيليين”.
