تشهد مدينة السويداء أوضاعًا معيشية واقتصادية معقدة، تتداخل فيها وفرة السلع في الأسواق مع عجز الأهالي عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، وسط غياب الدخل وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات العامة.
وبينما يعتمد السكان على جهود فردية، ومساعدات إنسانية، وحوالات المغتربين لتأمين احتياجاتهم، تتفاقم الأعباء في مختلف القطاعات الحيوية، من الصحة والسكن والتعليم، إلى المياه والطاقة والنقل.
وتسلط المعطيات الميدانية الضوء على حجم التحديات التي تواجه الأهالي، إذ تختلف حدة الأزمة من قطاع إلى آخر، لكنها تشترك جميعها في أثرها المباشر على الاستقرار المعيشي للسكان.
وتواصل “اللجنة القانونية العليا” وقوات “الحرس الوطني” تسيير أمور محافظة السويداء الإدارية، وهما جهتان يتبعان للرئاسة الروحية للطائفة الدرزية بعدما رفضت “اللجنة القانونية”، في تشرين الأول 2025، أي تدخل مما سمّتها “حكومة دمشق” في شؤون السويداء، مطالبة جميع العاملين في الشأن العام بالالتزام بروح “المسؤولية الوطنية”، والوقوف صفًا واحدًا في وجه محاولات “الهيمنة والتفكيك”، والعمل من أجل صون كرامة السويداء واستمرار مؤسساتها في خدمة الناس، بعيدًا عما وصفته بـ“التبعية والانقياد”.
الوضع المعيشي والاقتصادي.. فقر وقلة فرص العمل
ثلاثة مصادر أهلية في السويداء، قالت ل، إنه رغم توفر المواد الغذائية والخضار والسلع الاستهلاكية في الأسواق، وعدم وجود انقطاع حاد، إلا أن القدرة الشرائية للمواطنين شبه معدومة.
إذ يعاني معظم الأهالي من فقر شديد وقلة فرص العمل، فيما يعتمد عدد كبير من السكان، وخاصة المهجّرين، على المعونات والمساعدات الإنسانية.
وتشير إفادات المصادر إلى أن الأسعار مرتفعة بشكل غير متناسب مع غياب الرواتب، إذ تسحل أسعار بعض الخضار الأساسية ارتفاعًا ملحوظًا، في وقت لا توجد فيه مصادر دخل ثابتة، ما يجعل تدبير المعيشة اليومية أمراً بالغ الصعوبة.
ويعتمد كثيرون بشكل أساسي على الحوالات المالية القادمة من المغتربين، أما الأسر التي لا تمتلك أقارب أو جهات خارجية تؤمّن لها حوالات شهرية، تعتمد على المساعدات الإنسانية كوسيلة أساسية لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها المعيشية.
المكتب الإعلامي في محافظة السويداء (المعينة من قبل الحكومة السورية) أفاد أن المحافظة تضع تلبية احتياجات المواطنين على رأس أولوياتها، وتعمل من خلال توجيهات ومتابعة المحافظ مصطفى البكور، وبالتنسيق المستمر مع جميع الوزارات والجهات المعنية، على توفير جميع التسهيلات اللازمة لضمان استمرار وصول المواد الأساسية إلى المحافظة.
كما تعمل المحافظة على تسهيل إجراءات تسليم رواتب الموظفين بالتعاون مع الجهات المختصة.
وتسيطر الحكومة السورية ميدانيًا على أرياف المحافظة الغربية، بينما يتحصن مقاتلون محليون مدعومون من الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية في مركز المحافظة.
الأسواق وتوفر السلع
الأسواق في السويداء تشهد توفرًا عامًا في معظم المواد، بما فيها الخضار، التي تصل إلى المحافظة بشكل نظامي، إلا أن تكاليف النقل مرتفعة، إذ يُدفع على بعض الشحنات مبالغ كبيرة، ما ينعكس مباشرة على الأسعار النهائية للمستهلك، وفقًا لمصدر أهلي في المدينة.
المحافظة أكدت أنها تدخل المواد الغذائية الأساسية بشكل مستمر عبر قوافل إغاثية وتجارية، بتسهيل كامل من المحافظة.
وفيما يخص مادة الطحين، يتم إدخال 502 طن أسبوعيًا، عبر منظمة الهلال الأحمر العربي السوري، بدعم من برنامج الأغذية العالمي، مما يسهم في استقرار هذه المادة الحيوية.
وتؤكّد المحافظة مواصلتها بذل كل الجهود الممكنة، عبر قنوات التنسيق الرسمية والمستمرة، لتسهيل دخول جميع الاحتياجات الإنسانية والإغاثية والتجارية، بهدف دعم أبناء المحافظة وتلبية احتياجاتهم الأساسية والصحية والخدمية.
ونفى محافظ السويداء، مصطفى البكور، فرض رسوم على الشاحنات التجارية التي تدخل المدينة، مؤكدًا أن العمل جارٍ للتنسيق مع المحافظة لدخول المواد العينية.
وأضاف المحافظ في بيان نشرته المحافظة، في 12 من كانون الثاني، أن التنسيق لدخول المواد العينية جاء بعد اكتشاف دخول أدوات وآليات مسروقة ضمن القوافل التجارية إلى السويداء، أما المواد التي تحمل فواتير نظامية فسيتم تسهيل دخولها دون أي قيود.
وأكد أن المواد الغذائية والخضراوات لا تخضع لأي إجراء تنسيقي.
بيان المحافظ البيان اعتبر أن فرض الرسوم هي “إشاعات عبر صفحات إلكترونية مغرضة تروج للكذب والفتنة داخل السويداء، بهدف الإساءة للجهود الحكومية المبذولة لتخفيف المعاناة عن أهالي المحافظة”، بحسب تعبيره.
وأكد أن من يثبت تورطه في قبول مبالغ مالية غير مشروعة عبر عمليات التنسيق، أو استغلال المستفيدين، أو احتكار الخدمات، سيواجه المساءلة القانونية وسيحال إلى الجهات القضائية المختصة للمحاكمة.
في حين أفادت مصادر أهلية في السويداء، أنه في الآونة الأخيرة لوحظ قيام بعض عناصر الحواجز التابعة للحكومة السورية بطلب إتاوات لدخول السيارات المحملة بالبضائع لأهالي السويداء.
كما أوضحت المصادر أن دخول أي سيارة نقل أو خروجها بات يتطلب موافقة من مكتب المحافظة، وقد تعاد سيارات محملة ببعض السلع الغذائية والفواكه والخضار، المتجهة لدمشق، وعلى العكس، بحجة عدم الحصول على ترخيص، رغم أن المحافظة تقول إن المواد الغذائية والخضار لا تتطلب موافقة.
النقل والمحروقات.. غلاء يضرب جذور الخدمات
حركة التنقل داخل المحافظة موجودة، لكنها تتأثر بشكل مباشر بسعر مادتي البنزين والمازوت، اللذين يُباعان بشكل حر، وسط غياب التوزيع النظامي في المحطات.
يؤدي ذلك إلى زيادة كلفة التدفئة والنقل والخدمات المرتبطة بها، حسبما أوضحت المصادر.
كما تعاني المحافظة من تأخر كبير في توزيع مادة الغاز المنزلي، فقد يمتد الدور لأكثر من شهر ونصف إلى شهرين، ما يدفع غالبية الأهالي للاعتماد على الغاز الحر بأسعار مرتفعة.
المكتب الإعلامي في محافظة السويداء، أكد إدخال صهاريج المحروقات والغاز بشكل مستمر وبكميات كافية لتغطية احتياجات المواطنين.
تُغطى احتياجات مؤسسات الخدمات الحيوية (المياه والكهرباء والاتصالات) من المشتقات النفطية بشكل منتظم لضمان استمرار عملها، بحسب المكتب الإعلامي للمحافظة.
كما أشار إلى إدخال كميات من المعدات الكهربائية (كالمحولات والأمراس) اللازمة لإصلاح شبكات الكهرباء والآبار.
القطاع الصحي والأدوية… نقص في الخدمات وأصناف الدواء
القطاع الصحي لم يكن بمنأى عن بقية القطاعات في المدينة، بل يعاني من نقص واضح في الخدمات، خاصة في المشفى العام الذي يُعد غير كافٍ لتلبية احتياجات السكان، رغم وصول مساعدات طبية في فترات سابقة، إلا أنها بحسب شهادات المصادر الأهلية، لم تُوزع على المشفى بشكل فعلي.
أما الأدوية، فأسعارها مرتبطة بصعوبة أو سهولة وصولها إلى المحافظة، مع وجود نقص في بعض الأصناف الأساسية، ما يضطر المرضى للاعتماد على بدائل قد لا تكون بنفس الفعالية.
ورغم الظروف القاسية، يواصل عدد من الأطباء العمل في العيادات والمشافي دون أي مقابل مادي، نظرًا لأوضاع الأهالي الصعبة.
في حين، قال المكتب الإعلامي في المحافظة أنه يتم بالتنسيق مع وزارة الصحة تأمين واحتياجات المستشفيات والمراكز الصحية من أدوية ومستلزمات طبية.
السكن والإيجارات.. مشكلة تتفاقم
تشهد الإيجارات السكنية ارتفاعًا غير مسبوق، حيث يبدأ الحد الأدنى للإيجار من 100 دولار أمريكي شهريًا، ويُطلب الدفع بالدولار حصرًا، ما يشكل عبئًا إضافيًا على الأهالي، خاصة المهجّرين الذين يفتقرون لأي مصدر دخل ثابت.
وشرحت المصادر أن واقع الإيجارات دفع غالبية المهجرين من قرى الريف للغربي للمدينة، للإقامة في السكن الجماعي بالقصر العدلي بالمدينة.
المياه.. أغلى مفقود
لا تزال المياه الرئيسية غائبة عن معظم الأحياء، ما يجبر السكان على الاعتماد على نقلات المياه الخاصة (صهاريج المياه)، التي ارتفعت تكلفتها لتصل إلى 800 ألف ليرة سورية وأكثر للنقلة الواحدة.
وتتضمن النقلة حوالي 10 أمتار مياه (متوسط صرف العائلات شهريًا)، ما يولد معاناة يوميّة أمام الأسر.
التعليم.. مدارس تحت وطأة التهجير
المدارس في السويداء لم تخضع للترميم بعد، ما يجعل عددًا منها غير صالح للاستخدام، خاصة في فصل الشتاء، حيث تفتقر إلى التدفئة والحماية الكافية للأطفال، الأمر الذي ينعكس سلبًا على العملية التعليمية وسلامة الطلاب.
ويستكمل التعليم ضمن الحلقات الثلاث (الابتدائية، الإعدادية، الثانوية)، وفق مناهج وزارة التربية السورية.
كما تشهد بعض المدارس إقامات بعض المهجرين، في ظل موجات الصقيع والمنخفضات الجوية، ما يزيد من معاناتهم خاصة من ناحية التدفئة واستمرارية الحياة اليومية.
أحداث السويداء
وبدأت أحداث السويداء، في 12 من تموز 2025، بعد عمليات خطف متبادلة بين سكان حي المقوس في السويداء، ذي الأغلبية البدوية وعدد من أبناء الطائفة الدرزية، تطورت في اليوم التالي إلى اشتباكات متبادلة.
تدخلت الحكومة السورية، في 14 من تموز، لفض النزاع، إلا أن تدخلها ترافق مع انتهاكات بحق مدنيين من الطائفة الدرزية، ما دفع فصائل محلية للرد، بما فيها التي كانت تتعاون مع وزارتي الدفاع والداخلية.
في 16 من تموز، خرجت القوات الحكومية من السويداء، بعد تعرضها لضربات إسرائيلية، ما أعقبه انتهاكات وأعمال انتقامية بحق سكان البدو في المحافظة، الأمر الذي أدى إلى إرسال أرتال عسكرية على شكل “فزعات عشائرية” نصرة لهم.
وبعد ذلك، توصلت الحكومة السورية وإسرائيل إلى اتفاق بوساطة أمريكية، يقضي بوقف العمليات العسكرية.
وشكلت الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية “اللجنة القانونية العليا” في السويداء، في 6 من آب 2025، وهي هيئة لإدارة شؤون المحافظة خدميًا وأمنيًا، بعد خروج القوات الحكومية، وضمت “اللجنة” ستة قضاة، إضافة إلى أربعة محامين آخرين.
أما “الحرس الوطني” هو جسم عسكري أعلن عن تشكيله في 23 من آب 2025، بمباركة من الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، ويضم فصائل عاملة في السويداء.
Related
المصدر: عنب بلدي
