يحل شهر رمضان في مصر ضيفا عزيزًا ينتظره الملايين بفارغ الصبر، ليس فقط لأداء فريضة الصيام، بل لما يحمله من أجواء روحانية وبهجة خاصة تختلف عن باقي دول العالم الإسلامي. يتحول فيه الليل إلى نهار، وتزداد صلة الرحم، وتعم المظاهر الاحتفالية الشوارع والبيوت، لتخلق لوحة فريدة من التآلف والمحبة.

قبل حلول الشهر، تبدأ الاستعدادات بشراء الياميش (الفواكه المجففة والمكسرات) من الأسواق التي تتزين بالزينات الملونة والفوانيس بأشكالها وأحجامها المختلفة. خلال الشهر، يتحول نمط الحياة اليومي، حيث يهدأ النهار وتبدأ الحركة في النشاط قبل الإفطار بشراء الكنافة والقطايف، وتزدحم الشوارع بعد صلاة التراويح وحتى السحور. تنتشر الخيم الرمضانية التي تقدم أنشطة ثقافية وفنية، وتعلو أصوات الأغاني الدينية والابتهاجات من المآذن والإذاعة والتلفزيون.

 

ثلاث عادات مصرية أصيلة تميز رمضان

تتميز مصر بعدد من العادات والتقاليد الراسخة التي توارثتها الأجيال، وتشكل جزءًا لا يتجزأ من هوية الشهر الفضيل. إليك أبرز ثلاث عادات مميزة:

فانوس رمضان

يُعتبر فانوس رمضان أشهر رمز لشهر الصيام في مصر، وترتبط قصصه الشعبية بالعصر الفاطمي، حيث قيل إن الخليفة كان يخرج لاستقبال هلال رمضان والفوانيس تضيء طريقه. أو أنها تعود إلى عادة الأطفال في الخروج ليلاً حاملين الفوانيس لإنارة الطريق للمسحراتي.

يتحول الفانوس من مجرد قطعة زجاجية بسيطة إلى تحفة فنية. تتنوع أشكاله بين الشخصيات الكرتونية المحببة للأطفال (مثل بكار وعلاء الدين) والأشكال الهندسية التقليدية، وأصبح يصدر أصواتًا وأضواءً ملونة. لا يكاد يخلو بيت أو محل في مصر من فانوس يزينه، ويُعتبر شراؤه طقسًا أساسيًا للأطفال، يرددون خلاله الأغنية الشهيرة: “وحوي يا وحوي إياحا … حل الهلال يا بهية”.

موائد الرحمن: مشاهد التكافل الاجتماعي

تنتشر موائد الرحمن في كل شوارع وميادين مصر، من القاهرة الكبرى إلى أصغر القرى. وهي موائد تمتد على الأرصفة وأمام المساجد والجمعيات الخيرية، تُعد لإفطار عابر السبيل والمارة والفقراء، بل ولكل من يرغب في الأكل.

ولا تفرق هذه الموائد بين غني وفقير، مسلم ومسيحي. يجتمع عليها الناس سواسية، ليكسروا صيامهم معًا. هذه الموائد تمثل أسمى معاني التكافل الاجتماعي والتراحم التي يتميز بها الشعب المصري. غالبًا ما يكون القائمون عليها من أهالي المنطقة أو تجار الخير، ويتنافسون في جودة الطعام وكثرته، كنوع من الصدقات الجارية. مشهد المارة وهم يتوقفون عن العمل أو الطريق لتناول الإفطار مع الغرباء، هو مشهد يعكس دفء العلاقات الإنسانية في مصر.

المسحراتي:

قبل آذان الفجر بساعات، يجوب المسحراتي الشوارع والحارات، حاملاً طبلته الصغيرة، وينادي بأسماء السكان وأهل الحارة ليقول لهم “اصحى يا نايم وحد الدايم .. وحد الله وأشرب قبل ما تموت” (أو أغانٍ شعبية مشهورة أخرى).

 

 في الماضي كان المسحراتي يؤدي وظيفة أساسية لإيقاظ الناس للسحور. واليوم، ورغم انتشار المنبهات والساعات، لا يزال المسحراتي يحتفظ بمكانته في وجدان المصريين، خاصة في الأحياء الشعبية والقديمة. هو رمز للماضي الجميل والتواصل الإنساني، وأصبح وجوده جزءًا من التراث والطابع الرمضاني المحبوب، ويسعد الأطفال بمرافقته في جولته.

يبقى رمضان في مصر حالة خاصة، فهو أكثر من مجرد شهر للصيام؛ إنه احتفال شامل بالحياة والقيم. العادات المصرية الأصيلة مثل الفانوس، وموائد الرحمن، والمسحراتي، ليست مجرد تقاليد، بل هي تعبير حي عن هوية شعب يجيد تحويل المناسبات الدينية إلى لوحات إنسانية نابضة بالدفء والتآخي.

المصدر: وكالة ستيب الاخبارية

شاركها.