كشفت وكالة “رويترز” أن سيطرة الحكومة السورية السريعة على مناطق واسعة كانت خاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لم تكن وليدة تطورات ميدانية مفاجئة، بل جاءت ثمرة سلسلة من الاجتماعات عالية المستوى عُقدت خلف أبواب مغلقة في كل من دمشق وباريس والعراق، في وقت سابق من كانون الثاني الحالي.
وبحسب تسعة مصادر مطلعة تحدثت لـ”رويترز”، في تقرير لها الأربعاء 21 من كانون الثاني، اشترطت عدم الكشف عن هويتها، فإن هذه الاجتماعات لم تنشر في أي تغطية إعلامية سابقة، وإن الولايات المتحدة لم تعرقل هذه العملية، رغم أنها أدت إلى تغيير جذري في موازين القوى داخل سوريا، وعلى حساب قوات كانت تعد حليفة لواشنطن في مرحلة سابقة.
ومهدت تلك الاجتماعات، وفقًا للمصادر، الطريق أمام الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، لتحقيق مكسبين استراتيجيين في آن واحد:
- الأول المضي قدمًا في تنفيذ تعهده بتوحيد كامل الأراضي السورية تحت قيادة مركزية واحدة.
- الثاني ترسيخ موقعه كشريك سوري مفضل للإدارة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب.
أسفر الهجوم فعليًا عن إنهاء فعلي لمنطقة الحكم الذاتي التي كانت “قسد” تطمح إلى الحفاظ عليها في شمال شرقي سوريا، كما شكل في الوقت نفسه اختبارًا مباشرًا لحدود الدعم الأمريكي للشرع، الذي كان يقود في السابق فرع تنظيم “القاعدة” المحلي في سوريا، بحسب “رويترز”.
وبيّن التقرير أن الرئيس السوري انتقل مساره من معارض مسلح إلى رئيس للبلاد، خرج في نهاية المطاف منتصرًا، إذ قال المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، إن واشنطن باتت قادرة الآن على الشراكة مع الدولة السورية، ولا ترى مصلحة في الإبقاء على دور عسكري أو سياسي منفصل لقوات سوريا الديمقراطية.
ونقل مصدر أمريكي مطلع على موقف واشنطن من الملف السوري قوله، إن “الشرع يبدو خبيرًا استراتيجيًا بارعًا”.
الجيش السوري يسيطر على غرب الفرات
سوريا اقترحت الهجوم قبل أسابيع
منذ عام 2015، كانت الولايات المتحدة تقدم الدعم لـ”قسد”، حين جرى النظر إليها بوصفها القوة الأبرز القادرة على دحر تنظيم “الدولة الإسلامية” من شمال شرقي سوريا، واستخدمت “قسد” لاحقًا تلك المناطق لإقامة كيان يتمتع بالحكم الذاتي، مع مؤسسات مدنية وعسكرية مستقلة.
لكن المشهد تبدل في أواخر عام 2024، عندما أطاح مقاتلون بقيادة الرئيس الشرع، برئيس النظام السابق، بشار الأسد، الذي حكم سوريا لعقود، وتعهدوا بوضع كامل الجغرافيا السورية تحت سلطة الحكومة الجديدة، بما في ذلك المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد”.
وخلال محادثات امتدت لأشهر في عام 2025، منحت “قسد” مهلة عام كامل للاندماج مع دمشق، من دون أن تحرز أي تقدم ملموس، ومع انقضاء المهلة، بدأت العوامل تتقاطع والدوافع تتصاعد باتجاه الخيار العسكري.
وفي 4 من كانون الثاني الحالي، أنهى وزير سوري بشكل مفاجئ اجتماعًا في دمشق جمع مسؤولين من الحكومة السورية وممثلين عن “قسد”، كان مخصصًا لبحث مسألة الاندماج، بحسب ما أفاد ثلاثة مسؤولين من “قسد” وكالة “رويترز”.
وفي اليوم التالي، توجه وفد سوري إلى باريس لإجراء محادثات مع إسرائيل بشأن اتفاق أمني بوساطة أمريكية، ووفقًا لما ذكرته وكالة “رويترز”، اتهم مسؤولون سوريون إسرائيل بتقديم دعم لـ”قسد”، وقال مصدران سوريان مطلعان على اجتماع باريس، إن الوفد السوري طالب المسؤولين الإسرائيليين بالتوقف عن تشجيع الكرد على المماطلة في مسار الاندماج.
وأضاف مصدر سوري ثالث مطلع على الملف، للوكالة، أن المسؤولين السوريين، وخلال وجودهم في باريس، طرحوا فكرة تنفيذ عملية عسكرية محدودة لاستعادة بعض المناطق التي تسيطر عليها “قسد”، من دون أن يواجهوا أي اعتراض.
فيما لم ترد وزارتا الإعلام والخارجية السوريتان على استفسارات “رويترز” بشأن تفاصيل اجتماع باريس، في المقابل، أحالت وزارة الخارجية الأمريكية الوكالة إلى بيان صادر عن توم براك، دعا فيه “قسد” إلى الاندماج، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لا ترغب في وجود عسكري طويل الأمد في سوريا.
وقال سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، يحيئيل ليتر، إنه كان حاضرًا “طوال الاجتماع الثلاثي في باريس”، منوهًا أن إسرائيل لم تقر قط أي هجوم شنه الجيش السوري على الكرد السوريين، ووصف أي ادعاء من هذا النوع بأنه “كاذب”.
كما أفاد مسؤول سوري “رويترز”، بأن حكومة دمشق تلقت رسالة منفصلة من تركيا مفادها أن واشنطن ستوافق على عملية ضد “قسد”، شريطة ضمان حماية المدنيين الكرد.
وأشار التقرير إلى أن تركيا تدخلت مرارًا في سوريا ضد “قسد”، متهمة إياها بالارتباط بحزب “العمال الكردستاني” المصنف لديها كتنظيم محظور، والذي خاض تمردًا مسلحًا داخل الأراضي التركية لعقود.
وفي هذا الإطار، قالت المسؤولة السياسية الكردية هدية يوسف، إن “الاتفاق الذي جرى في باريس منح الضوء الأخضر لشن هذه الحرب”.
الجيش يحكم سيطرته على ريف الحسكة.. “قسد” تحشد بالمدينة
“قسد”: واشنطن خانتنا
بحسب دبلوماسي أمريكي ومصدرين سوريين، أحدهما مطلع على المفاوضات، فإن واشنطن بدأت، بعد أسبوعين من اندلاع الهجوم، بإرسال إشارات واضحة إلى “قسد” تفيد بسحب دعمها المستمر منذ سنوات.
وذكرت المصادر الثلاثة لوكالة رويترز” أن المبعوث الأمريكي، توم براك، التقى، في 17 من كانون الثاني، بقائد “قسد”، مظلوم عبدي، في إقليم كردستان العراق، وأبلغه بأن مصالح الولايات المتحدة باتت مع الرئيس الشرع، لا مع “قسد”، في المقابل، نفى مسؤول في “قسد” صحة هذه الرواية.
وقال مسؤول عسكري أمريكي ومسؤولان كرديان، إن الولايات المتحدة قدمت لـ”قسد” ضمانات بالحماية، في حال تسبب هجوم قوات الشرع بإلحاق أذى بالمدنيين الكرد أو زعزعة استقرار مراكز احتجاز تضم عناصر من تنظيم “الدولة الإسلامية”.
ومع تقدم القوات السورية إلى ما هو أبعد من المنطقة التي اقترحت في الأصل السيطرة عليها، دعاها الجيش الأمريكي إلى وقف تقدمها، فيما أطلقت طائرات التحالف قنابل ضوئية تحذيرية فوق بعض مناطق الاشتباك، إلا أن هذه الإجراءات، وفق المصادر، جاءت دون مستوى التوقعات الكردية.
وقالت هدية يوسف، “ما تقوم به قوات التحالف والمسؤولون الأمريكيون غير مقبول (…) هل تفتقرون فعلًا إلى المبادئ؟ وهل أنتم مستعدون لخيانة حلفائكم إلى هذا الحد”.
وعند سؤال وزارة الخارجية الأمريكية عن طبيعة الضمانات المقدمة، أعادت توجيه “رويترز” إلى بيان براك المتعلق بدمج “قسد”.
“الشرع” كاد أن يبالغ في تقدير قوته
قال مصدر أمريكي مطلع على موقف واشنطن، إلى جانب مصدرين أمريكيين آخرين مطلعين على السياسة الأمريكية، إن الرئيس الشرع، كاد أن يبالغ في تقدير قوته خلال المرحلة الأخيرة من الهجوم.
فقد تمكنت القوات الحكومية السورية من انتزاع السيطرة بسرعة على المحافظات ذات الغالبية العربية من يد “قسد”، وواصلت تقدمها.
وبحلول 19 من كانون الثاني، كانت تلك القوات تطوق آخر المدن التي تسيطر عليها “قسد” في شمال شرقي سوريا، رغم وقف إطلاق النار الذي أعلن في اليوم السابق.
وأفادت المصادر الأمريكية الثلاثة بأن الإدارة الأمريكية أبدت غضبها من تجاهل القوات السورية للهدنة، وأعربت عن خشيتها من اندلاع أعمال عنف جماعية بحق المدنيين الكرد.
وأضاف مصدران أن مشرعين أمريكيين يدرسون إعادة فرض عقوبات على سوريا في حال استمرار القتال.
ونقل مسؤول في البيت الأبيض لـ”رويترز” أن الولايات المتحدة تتابع التطورات في سوريا “بقلق بالغ”، داعية جميع الأطراف إلى “إعطاء الأولوية لحماية المدنيين من جميع الأقليات”.
ومع اقتراب القوات السورية من آخر معاقل “قسد”، أعلن الرئيس الشرع بشكل مفاجئ وقفًا جديدًا لإطلاق النار يوم الثلاثاء 20 من كانون الثاني، مؤكدًا أن قواته لن تواصل التقدم إذا قدمت “قسد” خطة اندماج قبل نهاية الأسبوع.
وذكرت المصادر الأمريكية الثلاثة أن هذا الإعلان المفاجئ لاقى ارتياحًا في واشنطن، وأن الشرع بات، وفق تعبيرها، “في مأمن”.
وبعد دقائق فقط، أصدر المبعوث الأمريكي توم براك بيانًا قال فيه إن الدور الأساسي لـ”قسد” كقوة قتالية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” “انتهى إلى حد كبير”، معتبرًا أن الفرصة الأكبر أمام الأكراد تكمن ضمن إطار الدولة السورية الجديدة بقيادة الشرع.
تفاهم بين الحكومة و”قسد”
أعلنت رئاسة الجمهورية السورية التوصل إلى تفاهم جديد مع “قسد”، حول مستقبل محافظة الحسكة، شرقي سوريا، الثلاثاء 20 من كانون الثاني.
وتضمن الاتفاق، وفق البيان الذي نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا) منح “قسد” مهلة لمدة أربعة أيام للتشاور من أجل وضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عمليًا.
وفي حال الاتفاق، لن تدخل القوات الحكومية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي وستبقى على أطرافهما، كما لن تدخل إلى القرى ذات المكون الكردي، باستثناء قوات أمن محلية من أبناء المنطقة، وفق البيان.
وأشارت الرئاسة إلى أن قائد “قسد”، مظلوم عبدي، سيطرح مرشحًا لمنصب مساعد وزير الدفاع، إضافة إلى اقتراح مرشح لمنصب محافظ الحسكة، وأسماء للتمثيل في مجلس الشعب وقائمة أفراد للتوظيف ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وأكدت اتفاق الطرفين على دمج جميع القوات العسكرية والأمنية لـ”قسد” ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، مع استمرار النقاشات حول آلية الدمج التفصيلية، كما ستُدمج المؤسسات المدنية ضمن هيكل الحكومة السورية.
وتعهدت الرئاسة بتنفيذ المرسوم “13” المتعلق بالحقوق اللغوية والثقافية وحقوق المواطنة للكرد، بما يعكس ما وصفته “التزامًا مشتركًا ببناء سوريا موحدة وقوية تقوم على أساس الشراكة الوطنية وضمان الحقوق لجميع مكوناتها”.
ووفق بيان الرئاسة، يبدأ تنفيذ الاتفاق اعتبارًا من الساعة الثامنة مساء الثلاثاء.
من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق النار، اعتبارًا من الثلاثاء حتى أربعة أيام، التزامًا بالتفاهمات مع “قسد” وحرصًا على “إنجاح الجهود الوطنية المبذولة”، وفق تعبيرها.
وأعلنت “قسد” التزامها بوقف إطلاق النار، مؤكدة أنها لن تبادر إلى أي عمل عسكري، مشترطة عدم تعرض قواتها لأي هجمات في المستقبل.
وقالت في بيان لها عقب إعلان الحكومة، إنها منفتحة على المسارات السياسية والحلول التفاوضية والحوار، مشيرة إلى استعدادها للمضي في تنفيذ اتفاقية 18 من كانون الثاني، بما يخدم التهدئة والاستقرار، وفق تعبيرها.
ولم تشر “قسد” في بيانها إلى بقية البنود التي أوردتها الحكومة.
Related
المصدر: عنب بلدي
