لم يعد تعديل الدساتير في أفريقيا حدثًا استثنائيًا يُناقش في سياق الإصلاح السياسي أو تطوير نظم الحكم، بل تحوّل في عدد متزايد من الدول إلى أداة مباشرة لإعادة إنتاج السلطة وتمديد عمر الرؤساء، حتى بات الدستور نفسه وثيقة قابلة لإعادة الصياغة كلما اقترب من تقييد الحاكم. وبينما تُقدَّم هذه التعديلات رسميًا باعتبارها استجابة لإرادة شعبية أو ضرورة لحماية الاستقرار، تكشف التجربة الأفريقية الحديثة أن التمديد غالبًا ما يكون الشرارة الأولى لانفجار سياسي أو انقلاب عسكري.
تشير تقديرات مراكز بحث أفريقية ودولية إلى أن أكثر من 20 رئيسًا أفريقيًا أجروا تعديلات دستورية أو التفافات قانونية منذ عام 2000 بهدف تمديد بقائهم في السلطة أو إعادة ضبط عدّاد الفترات الرئاسية. بعضهم تجاوز عقدين كاملين في الحكم، في قارة يُفترض أنها تبنّت التعددية السياسية منذ التسعينيات. اللافت أن موجات التمديد لم تأتِ في فترات استقرار حقيقي، بل غالبًا في لحظات هشاشة سياسية أو أمنية، حيث يُستخدم خطاب “الخطر” و“الفراغ” لتبرير تقويض القيود الدستورية.
في أوغندا، جرى تعديل الدستور عام 2017 لإلغاء الحد الأقصى لسن الرئيس، ما فتح الطريق أمام يوري موسيفيني للاستمرار بعد أكثر من أربعين عامًا في السلطة. التعديل قوبل باحتجاجات وقمع، وأسهم في تآكل الثقة في المسار الانتخابي، وهو ما انعكس لاحقًا في تصاعد العنف السياسي وتراجع المشاركة الشعبية. النموذج نفسه تكرر في رواندا، حيث أعيدت صياغة الدستور عام 2015 بطريقة سمحت لبول كاغامي بتمديد بقائه حتى ما بعد 2030، في تجربة تجمع بين نجاح اقتصادي وانغلاق سياسي يطرح سؤالًا مؤجلًا حول ما بعد الزعيم.
في غرب أفريقيا، كانت نتائج التمديد أكثر انفجارًا. في غينيا، أدى تعديل الدستور عام 2020 لتمكين ألفا كوندي من ولاية ثالثة إلى احتجاجات دامية، انتهت بانقلاب عسكري أطاح به عام 2021. لم يكن الانقلاب معزولًا عن السياق الدستوري، بل جاء كذروة لمسار سياسي أغلق كل منافذ التغيير السلمي. السيناريو ذاته تكرر في كوت ديفوار، حيث استُخدم دستور جديد للسماح بولاية ثالثة للرئيس الحسن واتارا، ما أحدث شرخًا سياسيًا عميقًا في دولة كانت تُقدَّم كنموذج للاستقرار.
في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، لم يكن التمديد الدستوري مباشرًا دائمًا، لكنه كان حاضرًا كخلفية سياسية. نخب مدنية ضعيفة، دساتير لا تحمي التداول الحقيقي، ورؤساء يُنظر إليهم كجزء من المشكلة لا الحل. في هذه البيئة، تقدّم العسكر باعتبارهم “البديل المؤقت”، مستفيدين من غضب شعبي تراكم بسبب انسداد الأفق السياسي. وتشير قراءة متقاطعة لمسار الانقلابات منذ 2020 إلى أن عددًا كبيرًا منها وقع في دول شهدت إما محاولات تمديد، أو تفريغًا فعليًا للدستور من مضمونه.
أما في وسط أفريقيا، فقد أصبح التمديد قاعدة لا استثناء. في الكاميرون، يحكم بول بيا منذ عام 1982 بعد إلغاء القيود على عدد الفترات الرئاسية، في مشهد انتخابي ثابت النتائج. في تشاد قبل المرحلة الانتقالية، وفي الكونغو برازافيل، وفي الغابون قبل انقلاب 2023، كانت الدساتير تُعدَّل أو تُفسَّر بما يخدم بقاء الحاكم. والمفارقة أن الغابون، الذي سُوّق طويلاً كنظام مستقر، انتهى بانقلاب عسكري مباشرة بعد انتخابات رئاسية اعتُبرت صورية، ما يؤكد أن التمديد لا يمنع الانقلابات بل يؤجلها فقط.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 30٪ من الدول الأفريقية يحكمها رؤساء تجاوزوا 15 عامًا في السلطة، في حين تُدار الاستفتاءات الدستورية والانتخابات في كثير من هذه الدول بنسب تأييد تتجاوز 80 و90٪، وهي أرقام تعكس تعبئة سياسية وإدارية أكثر مما تعكس اختيارًا حرًا. وغالبًا ما يصاحب هذه العمليات تضييق على المعارضة، وسيطرة كاملة على الإعلام، وقطع أو تقييد الإنترنت، في اعتراف ضمني بالخوف من الرأي العام.
النتيجة المباشرة لهذا المسار هي تآكل فكرة السياسة نفسها. فحين تُغلق أبواب التداول السلمي، يصبح الشارع أو السلاح هو البديل. وحين يتحول الدستور من عقد اجتماعي إلى أداة بيد الحاكم، يفقد المواطن ثقته في الدولة، ويصبح الانقلاب العسكري، مهما كانت مخاطره، مقبولًا لدى قطاعات من المجتمع بوصفه “تصحيحًا قسريًا” لمسار مغلق.
في المحصلة، لم يعد التمديد الرئاسي في أفريقيا مجرد مسألة قانونية، بل عاملًا رئيسيًا في إنتاج عدم الاستقرار. الدستور الذي يُفصَّل على مقاس الرئيس لا يحمي الدولة، بل يضعها على مسار تصادمي ينتهي غالبًا إما بانفجار شعبي أو بدبابة تتقدم إلى القصر الرئاسي.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية: هل الانقلابات العسكرية في أفريقيا سبب الأزمة أم نتيجتها؟ التجربة تشير بوضوح إلى أن كثيرًا منها لم يكن سوى النتيجة المتأخرة لدساتير أُفرغت من معناها، ولأنظمة اعتقدت أن الشرعية يمكن تمديدها إلى ما لا نهاية، قبل أن تسقط فجأة خارج النص الدستوري نفسه.
المصدر: صدى البلد
