سقوط الجولان.. كتاب من الذاكرة

لم يخفِ ضابط الاستخبارات السوري، ورئيس قسم الاستطلاع في الجبهة الجنوبية حتى عام 1963، خليل مصطفى، أنه سطر كتابه “سقوط الجولان” من ذاكرته دون وثائق، مضمنًا بين دفتي كتابه تفاصيل عملية تسليم الجولان السوري للاحتلال الإسرائيلي، التي قام بها “المنتصرون” في “ثورة 8 آذار” عام 1963 .
وعلل الضابط السوري ذلك بأنه لم يحتفظ بأي وثيقة تضم معلومات عسكرية، أو خططًا استراتيجية لمواجهة إسرائيل، لنفسه أو لـ”الأيام السود” كما وصفها، ولأنه كان حريصًا على إبقاء الأوامر والنصوص والوثائق محفوظة في الأماكن المعدّة لها، كما قال في مقدمة الكتاب.
ووصف الضابط السوري في كتابه حركة “8 من آذار” بحركة يقودها سرًا ويربط قادتها جاسوس مثل إيلي كوهين، وأورد أسماء متورطة منها الرئيس السوري الأسبق أمين الحافظ والمقدم صلاح ضللي والرائد سليم حاطوم.
ما قبل التسليم
تحدث الكاتب عن الظروف الاجتماعية والعسكرية والاقتصادية التي مهدت لتسليم الجولان للاحتلال الإسرائيلي، مقدمًا شرحًا مفصلا عن الثروات في الجولان، وتحصيناته العسكرية، حتى إن الجيش السوري كان قبل وصول حزب “البعث” إلى الحكم في 8 من آذار قد حصن الجولان من الهجمات النووية والذرية، عبر ملاجئ أرضية ساعد في إنشائها الاتحاد السوفييتي.
على الصعيد الاقتصادي، تطرق الكتاب إلى الآثار التي خلفتها عملية التأميم، ومنها هروب رؤوس الأموال الكبرى من سوريا، التي كانت بطبيعة الحال ستسهم بزيادة القوة الاقتصادية للبلاد وبالتالي الجيش.
تجريد الجيش
لم يكتفِ “البعث” بذلك، كما يقول مصطفى، بل عمد إلى تجريد الجيش السوري من الضباط الأكفاء وذوي الخبرة على الجبهة الجنوبية عبر تسريح ما يقارب ستة آلاف ضابط وعسكري يصنفون أنهم قادة الجيش الكبار وقادة العمليات ورؤساء الأولوية وجنود متطوعون، واستبدالهم بضباط صف احتياط ينتمون لحزب “البعث”، وأغلبهم من طائفة واحدة، واصفًا إياهم بـ”الجهلة وعديمي الخبرة أو خونة”.
ويسوق الكاتب مثالًا عن “الخونة” فيسرد قصة رئيس الأركان السوري الأسبق، أحمد السويداني، الذي شغل منصبه في أثناء فترة الحرب، ويقول إنه فر في أثناء المعركة من نوى بدرعا إلى دمشق، تاركًا وراءه قادة الجيش دون أوامر محتارين في أمرهم.
كما سرد مصطفى قصة العقيد أحمد المير، قائد الجبهة الجنوبية في أثناء الحرب، والذي فر من الجبهة الجنوبية على الحمار، ثم على قدميه خوفًا من أن تستهدفه الطائرات الإسرائيلية.
الحرب والبلاغ “الفاجر”
سرد مصطفى تفاصيل عن حرب حزيران نقلًا عن أشخاص كانوا موجودين على الأرض، وكشف في كتابه أن الألغام (الأرضية المضادة للأفراد والمضادة الآليات) الموضوعة في الجولان لم تنفجر، كما هو مخطط حال حدوث حرب.
وتحدث الكاتب عن قصة هروب الجيش من المعركة، والفوضى التي حصلت عقب أوامر الانسحاب الكيفية الصادرة عن حافظ الأسد (وزير الدفاع السابق في أثناء الحرب)، وعن آلاف الجثث للجنود، والآليات التي استهدفتها الطائرات الإسرائيلية.
وعلق ضابط الاستخبارات السوري على البيان الممهور بتوقيع حافظ الأسد، وزير الدفاع آنذاك، على البلاغ رقم “66” الصادر في 10 من حزيران، واصفًا إياه بـ”الفاجر”، مؤكدًا أن البلاغ أعلن سقوط القنيطرة قبل سقوطها على أرض الواقع بساعات.
الكتاب يحمل فصلًا مهمًا من تاريخ سوريا الحديث، حاول “البعث” خلال حكم الأسدين الأب والابن إخفاءه بشتى الوسائل والأكاذيب والروايات حول معاداة إسرائيل، والوقوف في صف “مقاومة المحتل”.
من خليل مصطفى؟
المعلومات عن الضابط السوري قليلة، فمصطفى مولود عام 1933، وخدم على الجبهة السورية لمدة خمس سنوات، وآخر منصب تقلده كان رئيس قسم الاستطلاع في قيادة الجبهة بالجولان السوري، اعتقل لفترات قصيرة بين عامي 1962 و1963، ثم قام “البعثيون” بتسريحه بعد “ثورة 8 آذار” 1963.
فر مصطفى إلى لبنان عام 1964، وبعد نكسة حزيران 1967، ولاطلاعه الميداني على أسرار وخصائص الجبهة السورية في الجولان ألف كتاب “سقوط الجولان” بطبعتيه عام 1969 و1970، وتكلم فيه عن تسليم الجولان لإسرائيل .
وبعد اختطافه من قبل المخابرات السورية من بيروت عام 1970، رمى به الأسد في سجن “المزة” وعرضه للتعذيب الشديد، وصدر بحقه حكم بالسجن مع الأشغال الشاقة لمدة 15 عامًا، لكن لم يفرج عنه إلا عام 1998، أي بعد 13 عامًا من انتهاء مدة حكمه الفعلية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية
أرسل/أرسلي تصحيحًا
مرتبط
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
المصدر: عنب بلدي