غزوان قرنفل
لم يكن المجتمع السوري في أي من مراحله التاريخية الحديثة مجتمعًا مولعًا بالتطرف أو منجذبًا إلى الأيديولوجيات الإقصائية، بل على العكس، اتسمت سوريا، بمدنها وأريافها وبمكوناتها الدينية والقومية المتعددة، بنمط عيش معتدل، وبإسلام اجتماعي شعبي أقرب إلى التسامح والتدين الفردي منه إلى المشاريع العقائدية المغلقة، لكن ما يبعث على القلق اليوم ليس صعود التطرف بحد ذاته، بل تطبيع المجتمع وتكيفه معه، وتحوّله من ظاهرة صادمة ومرفوضة إلى مشهد مألوف، يمر بلا مساءلة ولا حساسية أخلاقية أو وطنية!
إن الخطر الحقيقي اليوم يكمن في أن شرائح واسعة من السوريين بدأت تفقد قدرتها على تمييز هذا الانزلاق الخطير بعد أن عبثت بهم سنوات الحرب الطويلة وما رافقها من فقر مدقع، وانهيار في الخدمات الأساسية، وتآكل الطبقة الوسطى، ما دفع الناس إلى الانكفاء على همومهم اليومية المتعلقة بالخبز والكهرباء والأمان النسبي، ما جعل كثيرًا منهم، في ظل هذا الاستنزاف المعيشي والنفسي، مستعدين لقبول أي واقع “مستقر” ظاهريًا، حتى لو كان هذا الاستقرار مشبعًا بأفكار متطرفة تحمل في جوفها بذور دمار مؤجل.
ضمن هذا السياق، لا يمكن النظر إلى اختراق شيوخ السلفية للبنية الإدارية والتعليمية للدولة بوصفه تفصيلًا عابرًا أو حادثة معزولة، فما يجري في مؤسسات التعليم، وفي بعض الفعاليات الثقافية، ليس سوى أحد تجلّيات مشهد أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل المجال العام السوري على أسس فكرية أحادية وإقصائية ترى في التنوع تهديدًا، وفي الاختلاف بدعة، وفي الدولة مجرّد غنيمة بيد “الجماعة الناجية”.
المفارقة المؤلمة أن هذه التحولات لم تعد تقابل بالدهشة أو الرفض الشعبي الواسع! لقد أًرهق السوريون إلى حد أن الصدمة استهلكتهم تمامًا، وأن معايير الخطر اختلطت والتبست، وصار وجود خطاب سلفي متشدد في المدارس أو في المنابر الإعلامية، أو حتى في مفاصل القرار الإداري، أمرًا “يمكن تفهمه والتعايش معه” طالما أنه يؤمّن لقمة الخبز وقليلًا من الماء لتغميسها! وهكذا يبدأ التطبيع ليس عبر القناعة، بل بسبب التعب واللامبالاة وقبول الأمر الواقع.
غير أن التاريخ القريب في سوريا والمنطقة يعلّمنا أن هذا النوع من التكيف ليس حيادًا، بل مشاركة صامتة في صناعة الكارثة، فالفكر السلفي المتطرف لا يتوقف عند حدود الوعظ أو المظهر الاجتماعي، بل يسعى، كلما امتلك الأدوات، إلى السيطرة على السياسة والاقتصاد والمجتمع، وإعادة هندسة الإنسان ذاته، وخاصة فئة الشباب الأكثر هشاشة في ظل الفقر والعوز وانسداد الأفق، هؤلاء الشباب المحرومون من التعليم الجيد، ومن فرص العمل، ومن الأمل، يشكلون التربة المثالية لإعادة إنتاج التطرف بأشكال أكثر عنفًا وتنظيمًا، ولا يمكن فصل هذا المشهد الداخلي عن التحذيرات الإقليمية والدولية المتزايدة من احتمال عودة تنظيم “داعش” إلى الواجهة في سوريا وربما في العراق أيضًا، إذ إن التقارير التي تتحدث عن هروب أو تسهيل هروب أعداد من سجناء التنظيم من سجون شرق الفرات، ليست مجرد تسريبات إعلامية، بل مؤشرات خطيرة على هشاشة الوضع الأمني، وعلى قابلية البيئة الحالية لاحتضان موجة جديدة من العنف الجهادي، ربما بوجوه وشعارات مختلفة، لكن قطعًا بجوهر واحد.
الأخطر من كل ذلك أن احتلال واحتكار شيوخ السلفية للمشهد السياسي والإداري والاقتصادي لم يعد يُنظر إليه كتهديد وجودي للدولة السورية ومستقبلها، لقد تكيف معظم الناس حقًا مع هذا الواقع، ليس لأنهم مقتنعون به، بل لأنهم منهكون، غير مدركين أو غير مبالين ربما أن هذا التكيف يراكم ثمنًا باهظًا مؤجلًا سيدفعه السوريون وحدهم فحسب، فالعالم لا يتعامل مع النيات، بل مع الصور والوقائع، ومع ترسخ صورة سوريا كبيئة حاضنة للتطرف، بدأت النتائج تظهر تباعًا، منها منع دخول السوريين إلى دول كالعراق ومصر والولايات المتحدة الأمريكية، وتحوّل سياسات دول اللجوء الأوروبية تجاه اللاجئين السوريين إلى خيارات أكثر قسوة، وهذه ليست قرارات خارج هذا السياق، بل هي انعكاس مباشر لوصمة تتشكل، أو يعاد إنتاجها، عنوانها “الخطر الأمني والتطرف العابر للحدود”، وقريبًا ربما قد يكتشف السوريون أن جواز سفرهم لم يعد مفتاحًا لأي باب، وأن رفع العقوبات الذي لم نرَ أثرًا ملموسًا له، لن يجلب استثمارات حقيقية، ولا تحويلات مالية مستدامة، في ظل غياب دولة مدنية واضحة المعالم وقادرة على طمأنة العالم قبل طمأنة مواطنيها.
إن التطبيع مع التطرّف ليس مسألة فكرية مجردة، بل مسار انتحاري بطيء، فالمجتمع الذي يتغاضى عن اختطاف دولته من قبل أيديولوجيا إقصائية، بدعوى التعب أو الضرورة، إنما يؤجل انفجارًا أكبر، وما هو قادم إن استمر هذا المسار سيكون أدهى وأمرّ، بمزيد من العزلة، ومزيد من الفقر، ومزيد من العنف لكن هذه المرة بلا تعاطف دولي ولا هوامش للمناورة.
إن التحذير اليوم ليس ترفًا فكريًا ولا معارضة سياسية، بل محاولة أخيرة للدفاع عما تبقى من فكرة الدولة ذاتها، وعن إمكانية جعل سوريا دولة لعموم السوريين، لا إمارة سلفية، ولا ساحة اختبار لأوهام دينية قاتلة، والسكوت في هذه اللحظة ليس حيادًا، بل شراكة في الكارثة القادمة.
Related
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
المصدر: عنب بلدي
