اخر الاخبار

سوريا المهيّأة.. هنا يقف الإعلام في خلطة خراب الدولة

علي عيد

صراع النفوذ في سوريا، هدف ستستخدم فيه كل أنواع الفخاخ، النار والبارود، الخديعة، التجويع وقطع شرايين الاقتصاد، تحالف الأعداء، وهناك ما قد يوفر الجهد والمال، وهو التحريض والتسبب بالمذابح العرقية والطائفية بين المكونات الداخلية للدول، وتلك أقذر أنواع الحرب، وتتحمل مسؤوليتها كل الأطراف المساهمة داخليًا وخارجيًا.

هل السوريون مهيؤون اليوم لحرب أهلية ومذابح، نعم، فمعظم دول المنطقة لم تكن سعيدة بيوم 8 من كانون الأول 2024، إيران، روسيا، أذرع إيران في لبنان والعراق واليمن، وقبل هؤلاء كلهم هناك إسرائيل.

كما أن لدى سوريا إرثًا من الحقد المجتمعي بعد ارتكاب نظام الأسد مجازر بحق المدنيين طوال 14 عامًا دون محاسبة، وبلد مدمّر يضربه الجوع، ويشهد تفكّكًا على مستوى الشبكات الاجتماعية.

كما أن سوريا تمر بمرحلة السلطة “الأنوقراطية” (Anocracy)، ولمن يسأل، فهي المرحلة الوسطى بين الديمقراطية والسلطوية.

يعتقد كثيرون أن الحروب الأهلية بحاجة إلى سلطة غاشمة، وقد يكون مفاجئًا لهم أن احتمالات نشوب الحرب الأهلية في بيئات شبه ديمقراطية تساوي ثلاثة أضعافها في بيئات سلطوية، بحسب تحليل توصلت إليه الاستخبارات المركزية الأمريكية عام 1994، يستند إلى دراسة نماذج صراعات وحروب أهلية.

في كتابها “كيف تبدأ الحروب الأهلية” How Civil Wars Start))، تشير الباحثة السياسية الأمريكية باربرا والتر  (Barbara F. Walter)إلى خطر “الأنوقراطية” بالدرجة الأولى، ثم التحزب (Factionalism)، وهو انتشار الأحزاب أو القوى ذات القوام والأساس الإثني والعرقي والديني التي تسعى لحكم إقصائي.

لا ألعن هنا أي سلطة ولا أتغنّى بها، فقناعتي أنها شرّ مطلق عندما يساء استخدامها، كما أنها ضرورة لكيلا تترك الأرض دون ضوابط.

ماذا لدى سوريا أيضًا من مقومات الخراب والحرب الأهلية، لديها ما تحتاج إليه في خلطة إشعال “داحس والغبراء” لـ40 عامًا إضافية، وهو إعلام بلا قواعد، ورؤوس حامية بألسنة منفلتة على وسائل التواصل الاجتماعي.

تشير معظم الحروب الأهلية ومجازر الإبادة إلى دور المحرضين، وها هم يطلون برؤوسهم من كل مكان، من إسرائيل وإيران وربما روسيا والعراق، ومن داخل البلاد هناك من يحملون لافتات تكرر ما يخرج من خطابات خارجية تعزّز من النزعة الأقلوية وتغذي المخاوف، بينما فريق آخر يعتقد أن سلامه المديد بعد عقود من الظلم يتحقق بتخويف الآخر، أو مناصرة البندقية.

تشكل وسائل التواصل الاجتماعي الوجبة الرئيسة التي يلتهمها جميع السوريين دون تمييز هذه الأيام، وهي تلعب دورًا في التحريض على الانتقام.

وضعت الأمم المتحدة توصيات بعنوان “منع التحريض: خيارات السياسة للعمل” (Preventing incitement: Policy options for action)، وخصصت جزءًا مهمًا من بنودها الـ30 لمواجهة تحريض الإعلام (Media incitement)، منها المادتان 6 و7، وتتعلقان بمسؤولية الدولة في ضبط الإعلام، وتنصان على أنه “تقع على عاتق الدول مسؤولية مواجهة خطاب الكراهية برسائل إيجابية شاملة”.

وتحض التوصيات الدول على “تشجيع استخدام الخطاب الإيجابي والبديل كوسيلة لمنع التحريض على العنف الذي قد يؤدي إلى جرائم وحشية والرد عليه”.

وتشمل “الرفض العلني لخطاب الكراهية من قبل الزعماء السياسيين والدينيين والمجتمعيين”، وكذلك “توفير معلومات موضوعية ودقيقة عن الأحداث لمواجهة الشائعات”.

كما تدعو التوصيتان الدول لتعزيز التعددية الإعلامية، وحق الأقليات القومية والعرقية والدينية والإثنية في الوصول بحرية إلى وسائل الإعلام واستقبال المحتوى الذي ينتجه الآخرون، وتهيئة بيئة قانونية واجتماعية تشجع على حرية الصحافة، والتنظيم المستقل لمحتوى وسائل الإعلام والمعايير الأخلاقية عبر كافة منصات الصحافة.

أما المهمات التي تقع على عاتق المجتمع المدني ووسائل الإعلام، فتتركز على رصد البيانات المتعلقة بأي مناصرة للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضًا على التمييز أو العداء أو العنف، وعلى وجه الخصوص خطاب الكراهية الذي قد يشكل تحريضًا على ارتكاب جرائم فظيعة.

وكذلك تنفيذ مشاريع وبرامج، بما في ذلك من خلال وسائل الإعلام، تتحدى الصور النمطية وتعزز التضامن الاجتماعي، وخاصة تجاه المجموعات التي هي ضحايا التهميش والتمييز.

وتركز التوصيات على دور الزعماء الدينيين في تشجيع وتسهيل الحوار بين الأديان، لكن سوريا تشهد حاليًا ظاهرة رجال دين يحتمون بالبندقية ويعزلون مجتمعاتهم ببيانات سياسية تعزز الانقسام.

تشير التوصيات إلى الممارسات الأخلاقية التي يتبناها الصحفيون والحوكمة الرشيدة التي تتبناها وسائل الإعلام لمنع انتشار أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، والتي تشكل تحريضًا على التمييز أو العداء أو العنف الذي قد يؤدي إلى جرائم وحشية.

وتؤكد أن مسؤولية وسائل الإعلام عن إظهار الإنسانية (أي عدم إلحاق الأذى) والمساءلة أمر بالغ الأهمية لبناء الثقة العامة، وتدعوها لتعزيز المعايير الأخلاقية وإنشاء هياكل موثوقة للتنظيم الذاتي الداخلي بما يعزز مبادئ قول الحقيقة والنزاهة والتقارير المستقلة، وتدريب الصحفيين على تقنيات البحث والتحقيق، بما في ذلك رسم خرائط البيانات.

كما تدعو إلى استخدام شبكات الصحفيين الدولية (عبر جميع منصات الإعلام، بما في ذلك البث والصحافة المطبوعة والخدمات عبر الإنترنت) لتأكيد أو التحقق من صحة المعلومات في المواقف التي يكون فيها العنف الجماعي وشيكًا، فضلًا عن استخدام الخطاب الإيجابي والبديل لمكافحة التحريض على جرائم الفظائع.

ويبرز دور وسائل الإعلام في رسم خرائط لحوادث التحريض على العنف الذي قد يؤدي إلى جرائم الفظائع، ونقل المعايير الأخلاقية للصحافة التقليدية إلى جميع أجزاء المشهد الجديد للمعلومات، وهنا يقصد بها وسائل التواصل الاجتماعي.

تشير توصيات الأمم المتحدة إلى أن شبكة الإنترنت خلقت فرصًا غير مسبوقة للتواصل، لكنها وفرت البنية الأساسية لنشر الكراهية العنصرية والإثنية، والتحريض على العنف العنصري والإثني وتعبئته.

أين الإعلام في سوريا من كل ما سبق.. ها هو، ودون تعميم مطلق، يغوص في خلطة الدّم، مؤثرون بدوافع مختلفة ومن جميع الاتجاهات، وها هي مشاهد الموت تنتشر كالنار في الهشيم، وتبدّد ثلاثة أشهر من مساعي بناء الدولة بكل صبيانية وحماقة.. أمام البلاد فرصة سانحة لوقف التدهور، بقلوب وعقول مفتوحة، والبداية من أخذ الدولة لدورها في تبريد الرؤوس الحامية، وإلا فإن القادم أدهى وأمرّ.. وللحديث بقية.

شكرًا لك! تم إرسال توصيتك بنجاح.

حدث خطأ أثناء تقديم توصيتك. يرجى المحاولة مرة أخرى.

المصدر: عنب بلدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *