“سيكو سيكو”.. بطل جديد لأفلام العيد!

لأفلام الأعياد مواصفات، أو “خلطة” خاصة أصبحت جزءاً من تقاليد صناعة السينما المصرية، وما يحدث كل موسم تقريباً هو أن الفيلم الأكثر احتواءً على هذه المواصفات، يصبح الحصان الرابح الذي يحقق النسبة الأكبر من الإيرادات.
وفيلم موسم عيد الفطر 2025 هو “سيكو سيكو”، حتى قبل أن يبدأ عرضه، ليس لأنه فيلماً عظيماً، وإنما لاحتوائه على المواصفات المطلوبة، بجانب أنه الأكبر إنتاجاً والأكثر تمتعاً بالجودة الفنية، نسبياً.
هو الأكثر حظاً بقائمة ممثليه التي جمعت بين عدد من شباب النجوم الصاعدين هذه الأيام، وعدد من المخضرمين المحبوبين، وهي قائمة تستحق التوقف أمامها قليلاً.
البطلان الرئيسان في “سيكو سيكو” هما عصام عمر وطه دسوقي، كلاهما تألق في الدراما التليفزيونية خلال السنوات القليلة الماضية، وبجانبهم أسماء أخرى تنتمي للجيل نفسه مثل تارا عماد، ديانا هشام، علي صبحي، أحمد عبد الحميد وغيرهم.
هذا الجيل بات يسيطر على السوق السينمائية الآن، إذا استثنينا كريم عبد العزيز وأحمد عز اللذين يمكن أن يستمرا في الصدارة لعام أو عامين آخرين على الأكثر.
بجانب هذه الأسماء الجديدة يضم “سيكو سيكو” من الجيل القديم باسم سمرة، خالد الصاوي، وكلاهما من نجوم الأدوار الثانية المتميزين، بجانب سليمان عيد، دائم الظهور، ومحمود عزب، الكوميديان شبه المعتزل الذي يعيد تقديم نفسه كممثل (كما فعل أخيراً في مسلسل “قلبي ومفتاحه”).
“ثيمات” رائجة
يظل نوعا الكوميدي والأكشن هما الأكثر جماهيرية، خاصة في موسم العيد الذي لا يحتمل عادة أي نوع فني آخر، وغالباً ما يطعم الفيلم الكوميدي ببعض الأكشن، ويطعم فيلم الأكشن ببعض الكوميدي، و”سيكو سيكو” ينتمي بوضوح لنوع “الأكشن الكوميدي”.
أما الموضوع فهو أيضاً واحداً من “الثيمات” الرائجة الآن، وهو الثروة التي تهبط من السماء، التي قد تأتي من عمل غير مشروع، أو ميراث يتركه أحد الأقارب، والاثنان – ما شاء الله – موجودان في “سيكو سيكو”، جنباً إلى جنب مع “ثيمة” الأقارب أو الأصدقاء الرجال الذين يتحدون في مواجهة الأغراب، سواء كان الشرطة أو رجال العصابات الأخرى.. وهي “ثيمة” سبق أن رأيناها في الكثير من الأعمال خلال السنوات الماضية.
مجرمان بالصدفة
بطلا الفيلم يحيى البحيري (عصام عمر) وسليم البحيري (طه الدسوقي) ابنا عم لم يلتقيا لسنوات طويلة، يتصل بهما محامي ليخبرهما بموت عمهما، وترك وصية لهما بملايين الجنيهات.
وعندما يمضي الاثنان في اتباع تعليمات الوصية يجدان عربة محملة بكمية هائلة من المخدرات، فجأة، وبمجرد سنوح الفرصة يتحول الاثنان إلى مجرمين، يحاولان أولاً بيع الشحنة دفعة واحدة لأحد التجار الكبار، ولكن، لأسباب “درامية” بحتة، يفشلان في ذلك، فيقرران تكوين عصابة من الموزعين Dealers، لبيع المخدرات عبر الإنترنت!
ينجح الاثنان في كسب الكثير من الأموال، ولكن يعلم تجار المخدرات الكبار، وعلى رأسهم حاتم حرفوش (خالد الصاوي) بنشاطهما، فيرسل رجاله لمطاردتهما ويمسك بهما، ويطلب منهما بوداعة أن يعملا لحسابه!
لا تسأل عن المنطق أو المصداقية كثيراً في هذا النوع من الأفلام، سليم خاطب وعلى وشك الزواج من غادة (ديانا هشام) ابنة لواء الشرطة وائل الكردي (باسم سمرة) المسؤول عن مكافحة المخدرات! لا يخطر ببال سليم خطورة ما يفعله ولا يؤرقه ضميره بشأن خطيبته المحبة الغافلة.
فقط، عندما يكتشف اللواء وائل بالصدفة أن سليم على علاقة بعصابة المخدرات الكبيرة، يهدد سليم طالباً منه ترك ابنته، والإيقاع بالعصابة.
أما يحيى، فهو يعمل في شركة كبيرة ترأسها الشابة الجميلة داليا (تارا عماد) وتربطه بها بداية قصة حب، لكنه لا يتورع عن استخدام الشركة كمقر لعصابة تجارة المخدرات، وفقط، عندما تعلم داليا بالأمر، يدرك أن ما كان يفعله خطير ومؤذي لتارا وللشركة!
نهاية مريبة
حتى الآن يكون قد مر ثلثا الفيلم تقريباً، ما يعني ضرورة الوصول إلى حل وختام “سعيد” للبطلين، بما أنهما طيبان ظريفان وسيمان رغم كونهما مجرمين.
أما الحل الذي يتفتق عنه ذهن المؤلف محمد الدباح والمخرج عمر المهندس، فهو يتكون من جزءين: الأول يعاقب فيه يحيى وسليم على جزء من جرائمهما، والثاني يحققان حلمهما بالحصول على ثروة العم، من خلال التواء Twist درامي غريب، ليس فقط لأنه يحقق الحلم الجماعي بالثروة التي تهبط من السماء، ويكافئ البطلين، والجمهور المتعاطف معهما، رغم كونهما مجرمين، لكنه أيضا محل شك، لأن الثروة الأخيرة، أيضا، جاءت من مصدر غير مشروع!
ليس المنطق فقط ما يجب عليك تركه على باب دار العرض في هذا النوع من الأفلام، ولكن الأخلاق أيضا بالمعنى الدرامي الجمالي (وليس السلوكي)، لقد تشبعنا وتعلمنا منذ الطفولة أن للدراما عدالتها الشعرية Poetic Justice التي ربما لا وجود لها في الحياة، ولكن لا غنى عنها في الدراما، ولذلك ننتظر من أي دراما (أدبية أو مسرحية أو سينمائية أو مسلسلاتية) أن يكافأ الأبرار، وينال الأشرار عقابهم، وأن ما بني على باطل ينتهي إلى باطل، وأن الغنى الروحي أهم من المال، وأن الحب هو أعلى القيم شأناً. أؤكد، حتى لو كان العالم يخلو من هذه المثاليات، فإن وظيفة الدراما أن تعوض غيابها معنوياً.
ولكن هذه البديهيات ينساها كثير من صناع أفلام هذه الأيام، لذلك ليس غريباً أن يفقد يحيى وسليم شرفيهما والمرأتين النبيلتين اللتين أحباهما، ولا نرى ذكر لهذه الخسارة الفادحة، طالما أن البطلين عثرا أخيراً على الـ15 مليون جنيه! هذه اللامبالاة بالمحبوبتين هي انعكاس لصناع الفيلم الذين صاغوا وقدموا المرأتين بشكل سلبي قديم، فالخطيبة تكتفي بالبكاء، وتمني الخير لحبيبها الذي قضت في حبه 5 سنوات، حسب قولها، بينما صاحبة الشركة تكتفي بإلقاء “البضاعة” في النيل، وطرد حبيبها من الشركة.
ولو تخيلنا إلغاء الشخصيتين تماماً، فلن يؤثر ذلك بالمرة على أحداث الفيلم، إذ كان يمكن لصاحبة المصنع أن تكون رجلاً، وأن يكون باسم سمرة خال الدسوقي وليس حماه!
لوازم العيد
دعك من المنطق والعدالة الشعرية، إذن، ولنعد إلى مواصفات الخلطة السرية لأفلام العيد.
الأكشن طبيعي في هذه القصة التي تدور في عالم العصابات والمخدرات، ويحتوي “سيكو سيكو” على معارك إطلاق نار ومطاردات بالسيارات ومشاهد خطف وتعذيب أصبحت من لوازم الأكشن، ولكنه أكشن كوميدي، كما ذكرت، لذلك تغلف مشاهد التشويق والحركة بالنكات والسخرية المعتادة، وبالكوميديا النابعة من مفارقات المواقف الدرامية (مما يحسب للفيلم).
ولكن من أجل زيادة الجرعة ترضية لجمهور العيد، لا بد من وجود بعض التوابل الكوميدية المصرية: تلاعب وإيحاء بالألفاظ، كما في مشهد دورة المياه بين طه دسوقي وباسم سمرة، أو في عناوين الفصول الخمسة التي يحتويها الفيلم مثل “كان المتخاذل نفع نفسه” الذي لعب على كلمات مثل شعبي دارج.
هناك أيضاً بعض المشاهد التي تخرج عن سياق كوميديا الموقف، مثل السيدة العجوز على المقهى التي تغني بصوت قبيح مقاطع من أغاني أم كلثوم، وهو مشهد مقحم تماماً بجانب سقم ذوقه الإنساني، أو بعض الاستظراف المكرر من طه الدسوقي.
مع هذه التحفظات يحسب للمخرج عمر المهندس في أول أعماله تنفيذه الجيد للفيلم، خاصة في المشاهد الخارجية وسط القاهرة، وإدارته الجيدة للممثلين، كما يحسب لبطليه حضورهما الذي يؤهلهما للمزيد من النجومية.
* ناقد فني