في الوقت الذي تتسارع فيه خطوات السعودية لترسيخ موقعها كمركز إقليمي ودولي لصناعة السينما، كشفت “فيلم العلا” عن ملامح مرحلة تشغيلية جديدة لاستوديوهاتها، بالشراكة مع Manhattan Beach Studios إحدى أكبر شركات تشغيل الاستوديوهات في العالم.
الزخم المتصاعد الذي يشهده القطاع، لا سيما في محافظة العلا شمال غربي المملكة، والتي تحتضن أقدم مواقع السعودية المسجلة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، يقود زيد شاكر المدير التنفيذي بالإنابة لـ”فيلم العلا”،مهمة دعم إنتاج الأفلام والمسلسلات في المنطقة، عبر استوديوهات العلا، وتضم منصتي تصوير بمساحة 26 ألف قدم مربعة، إلى جانب موقع تصوير خارجي بمساحة تتجاوز 61 ألف قدم مربعة، فضلاً عن دورها كحلقة وصل حكومية لتسهيل التصاريح والحوافز.
وتحدث زيد شاكر لـ”الشرق”، عن الشراكة مع Manhattan Beach Studios، وخطط جذب الإنتاجات العالمية، والتوازن بين دعم الإنتاج المحلي واستقطاب المشاريع الدولية، إضافة إلى الأرقام المتوقعة لعام 2026، وخارطة التحركات في المهرجانات الكبرى.
قال شاكر أن الشراكة مع Manhattan Beach Studios تمثل قيمة مضافة استراتيجية على المستويين التشغيلي والتقني، مشيراً إلى أن الشركة تُعد “الأولى عالمياً في إدارة الاستوديوهات ومراحل التصوير المغلقة (Sound Stages)”.
وأضاف أن وجود مشغل عالمي بهذا الثقل يحسم كثيراً من النقاشات في الاجتماعات الدولية، موضحاً: “عندما نسعى للترويج المباشر وجذب الإنتاجات، يكون السؤال الأول عن الجهة المشغلة، وبمجرد ذكر اسم (مانهاتن بيتش ستوديوز)، ينتهي النقاش تقريباً لصالحنا، نظراً لسمعتها العالمية وتجارب المنتجين السابقة معها”.
وتدير الشركة أكثر من 600 ستوديو تصوير في الولايات المتحدة وأميركا الشمالية، وتمتلك معرفة عميقة بحركة الإنتاج في السوق، ما يمنح “فيلم العلا” ميزة استباقية في معرفة المشاريع القادمة والمحتملة.
وكشف شاكر عن وجود تنسيق شهري بين الطرفين يشمل اجتماعات تسويقية مشتركة لوضع استراتيجيات استقطاب الإنتاجات المقبلة، وتحديد المشاريع التي يتم الترويج لها بشكل مباشر.
اختيار العلا كبوابة للمنطقة
وأشار شاكر إلى أن دخول “مانهاتن بيتش ستوديوز” إلى المنطقة جاء في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة ضمن رؤية السعودية 2030، مؤكداً أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باتت سوقاً ناشئة في صناعة الشاشة.
وقال إن الشركة كانت تدرس التوسع في المنطقة، وجاءت العلا كخيار منطقي في ظل البنية التحتية الحديثة للاستوديوهات المنشأة، والمصممة وفق أحدث المعايير العالمية، والموقع الفريد للعلا كوجهة تصوير طبيعية، ولفت شاكر أن الشركة لم تساهم في إنشاء الاستوديوهات، بل تتولى تشغيلها بالكامل.
ورأى شاكر أن دعم الإنتاج المحلي ليس خياراً ثانوياً، لكنه “عنصر أساسي في بناء صناعة مستدامة”، واستشهد بعدد من الأفلام السعودية التي أثبتت حضورها مؤخراً وتم تصويرها في منطقة العلا مثل: “نورة”، و”هجرة”، “بديل”، و”بين الرمال”… وغيرها
وشرح آلية التأثير غير المباشر للإنتاجات الدولية على السوق المحلي، موضحاً أن كل مشروع يُنجز في العلا يخلق طواقم عمل محلية، ويسهم في نقل الخبرات، وتوسيع قاعدة الكفاءات الوطنية.
وأوضح شاكر أن “فيلم العلا” لا تكتفي بتنظيم برامج تدريبية، بل تعتمد نظام تتبع مهني مستدام، حيث يتم إنشاء قاعدة بيانات لجميع المتدربين، ومتابعة مساراتهم المهنية بعد انتهاء التدريب.
وقال: “لدينا اليوم أعضاء في فريق فيلم العلا من خريجي برامج التدريب، الهدف ليس التدريب فقط، بل إدخال الكفاءات إلى الصناعة وبناء اقتصاد مستدام”.
وفيما يتعلق بالتوقعات، كشف شاكر أن عام 2026 قد يشهد ما بين 6 و7 إنتاجات، بمزيج من المشاريع دولية، وإقليمية، ومحلية
وأشار إلى أن بعض المشاريع ستستخدم الاستوديوهات بالكامل، بينما سيركز بعضها الآخر على التصوير الخارجي (On Location)، وأكد أن الطاقة التشغيلية تعتمد على طبيعة كل إنتاج، إذ يمكن لمشروع ضخم واحد أن يشغل كامل المرافق، أو يمكن استقبال إنتاجين في الوقت نفسه وفقاً لحجمهما.
وكشف شاكر أن من بين الأهداف الاستراتيجية استقطاب مسلسلات تلفزيونية ضخمة متعددة المواسم (High-End TV)، موضحاً أن هذا النوع من الإنتاج قد يشغل الاستوديوهات لفترات تصل إلى عامين، ما يوفر استقراراً تشغيلياً طويل الأمد.
وأضاف أن تحقيق هذا الهدف سيعني نقلة نوعية في حجم النشاط والإشغال داخل المنشآت.
تحسين التشغيل
ورغم اكتمال البنية التحتية، أكد شاكر أن التركيز الحالي ليس على التوسع في المساحات، بل على “تحسين العمليات التشغيلية وتعظيم الاستفادة من الأصول القائمة”، مع تكثيف جهود جذب الإنتاجات من مختلف الأسواق، وأشار إلى أن المرافق تشهد بالفعل نشاطاً متزايداً، مع استعدادات لإنتاجات جديدة.
وأكد شاكر أن مشاركة “فيلم العلا” ضمن الجناح السعودي في مهرجان برلين السينمائي الدولي، جاءت ضمن “تحرك استراتيجي أساسي”، مشدداً على أهمية “الجولات الترويجية” في بناء العلاقات مع المنتجين العالميين.
كما أشار إلى أن مهرجان كان السينمائي يحظى بأولوية أكبر من حيث التركيز السوقي، في حين يمثل مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي منصة مهمة، لكن المشاركة فيه تتم وفق استراتيجية محددة، وأكد أن التركيز ينصب على أسواق بعينها تتماشى مع خطط جذب الإنتاجات الكبرى.
واختتم شاكر حديثه بالتأكيد أن المرحلة الحالية هي مرحلة “ترسيخ وتشغيل مكثف”، مع التركيز على جذب الإنتاجات وتعزيز حضور العلا كوجهة تصوير عالمية، مشدداً على أن ما تحقق خلال فترة قصيرة يعكس سرعة التحول الذي تشهده صناعة الشاشة في المملكة.
وقال: “الهدف هو إبقاء عجلة التشغيل مستمرة، وجعل العلا نقطة جذب دائمة للإنتاجات العالمية والإقليمية والمحلية على حد سواء”.
شراكة إنتاجية
وحضرت “الشرق” تصوير فيلم Chasing Red، وهو عمل رومانسي موجه لفئة الشباب، الذي يعد أول فيلم روائي يُصور في استوديوهات العلا الجديدة ضمن الشراكة مع Stampede Ventures، الفيلم من بطولة مادلين بيتش وجافين كاسالينيو، ومن إخراج ماكينزي مونرو.
العمل مقتبس عن رواية للكاتبة إيزابيلا رونين حققت أكثر من 260 مليون قراءة على منصة Wattpad، وتدور أحداثه حول طالبة متفوقة تقع في علاقة غير متوقعة مع شاب ذي سمعة سيئة، قبل أن تتحول العلاقة إلى قصة حب جارفة.
وفي سياق متصل، وعبر لقاء افتراضي عبر تطبيق “زووم” من العلا، تحدث المنتج التنفيذي جريج سيلفرستون، أحد أعضاء فريق فيلم Chasing Red، أمام مجموعة من الصحافيين الدوليين والإقليميين بحضور “الشرق”، كاشفاً تفاصيل شراكته الإنتاجية مع فيلم العلا، وخططه لتوسيع نطاق التصوير في المملكة خلال المرحلة المقبلة.
سيلفرستون أوضح أن الاتفاق الموقع مع فيلم العلا هو اتفاق متعدد الأفلام، أُعلن عنه سابقاً بوصفه صفقة تمتد لعشرة مشاريع، تقوم على الاستفادة من برنامج الحوافز والاسترداد النقدي المعتمد في العلا، دون وجود استثمار مباشر في حقوق الملكية أو تمويل بالأسهم.
واعتبر أن الهدف الأساسي من هذه الشراكة يتجاوز تنفيذ فيلم واحد، ليشمل بناء منظومة إنتاجية مستدامة، تتيح تدريب الكوادر المحلية وخلق أثر طويل الأمد على مستوى الصناعة.
وأشار إلى أن تجربة تصوير فيلم K-Pops في العلا كانت نقطة انطلاق فعلية لهذا التعاون، واصفاً إياها بـ”التجربة المميزة” التي عززت قناعة الفريق بإمكانية تحقيق تأثير متبادل: الاستفادة من الإمكانات الطبيعية والتقنية في المنطقة، مقابل المساهمة في تطوير البنية المهنية المحلية.
وحول الجدول الزمني للمشروع التالي، أكد سيلفرستون أن هناك عدة أفلام تتنافس لتكون العمل المقبل ضمن الاتفاق، موضحاً أن الفريق يطمح لبدء التحضيرات بعد شهر رمضان، على أن تنطلق مراحل الإعداد في أبريل أو مايو 2026 إذا سارت الأمور وفق المخطط.
طبيعة جغرافية فريدة
وعن أسباب اختيار العلا موقعاً للتصوير، شدد المنتج التنفيذي على 3 عناصر رئيسية: الاستوديوهات المجهزة تقنياً، برنامج الحوافز المالية، والطبيعة الجغرافية الفريدة. ولفت إلى أن المناظر الطبيعية في العلا تتيح محاكاة بيئات متعددة، من صحارى جنوب غرب الولايات المتحدة إلى مناطق تصلح لأفلام الخيال العلمي والمغامرات وحتى أفلام الويسترن، ما يمنحها مرونة بصرية وإنتاجية عالية.
في المقابل، أقر بوجود تحديات لوجستية مرتبطة بالطبيعة الجغرافية البعيدة نسبياً للمنطقة، مشيراً إلى أن التخطيط المسبق عنصر حاسم، خصوصاً في ما يتعلق بتأمين احتياجات أقسام الديكور والإكسسوارات.
وأضاف أن جزءاً من الطواقم الفنية لا يزال يستقدم من الخارج في الوقت الراهن، غير أن الاتفاق يهدف إلى توسيع قاعدة الكوادر المحلية عبر برامج تدريب تدريجية تواكب تزايد حجم الإنتاج.
وعن انطباعات المواهب القادمة من الولايات المتحدة، أكد سيلفرستون أن ردود الفعل عند انتهاء التصوير تكون إيجابية في الغالب، مشيراً إلى أن بعض المشاركين كانوا على دراية مسبقة بالعلا، بينما تعرف آخرون على المنطقة للمرة الأولى، لكنه شدد على أن التجربة الميدانية كفيلة بتغيير التصورات المسبقة، وتحويل المشاركين إلى “سفراء غير رسميين” للموقع بعد عودتهم.
ويعكس اللقاء استمرار الحراك الإنتاجي في العلا، في وقت تسعى فيه المنطقة إلى ترسيخ موقعها كوجهة تصوير دولية، مستفيدة من الحوافز التنافسية، وتوسع البنية التحتية، والانفتاح المتزايد على شراكات مع شركات إنتاج عالمية.
