– محمد ديب بظت

تتصاعد ظاهرة “شم الشعلة” أو استنشاق المذيبات بين الأطفال في مدينة حلب، حيث بات مشهد الأطفال وهم يحملون عبوات المذيبات أو اللواصق شائعًا في مناطق محددة داخل المدينة، في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية تدفع الفئات الأضعف نحو سلوكيات خطرة وغير مراقبة.

وتتركز الظاهرة بشكل واضح في الحديقة العامة وسط المدينة، وساحة “سعد الله الجابري”، إضافة إلى انتشارها في محيط قلعة “حلب”، حيث يتجمع الأطفال والمراهقون مستفيدين من ضعف الرقابة وازدحام المنطقة.

سمّ سهل الشراء

طبيًا، أوضح الدكتور محمد شعبان، اختصاصي في طب الأطفال، أن المواد المستنشقة “تصل إلى الدماغ مباشرة خلال ثوانٍ عبر الرئتين”، ما يسبب اضطرابًا سريعًا في الوعي وفقدانًا مؤقتًا للإدراك.

وأكد الاختصاصي، خلال حديث إلى، أن التعرض المتكرر يترك آثارًا تراكمية خطيرة، مثل تراجع الذاكرة وضعف التركيز وتلف الخلايا العصبية على المدى البعيد.

وحذر شعبان من أن سهولة شراء هذه المواد ورخص ثمنها يجعلها وسيلة “إدمان صامتة”، لا يشعر معها الطفل أو المراهق بخطورة ما يفعله، ولا يلاحظ الأهل التغير إلا بعد ظهور مشكلات سلوكية واضحة.

معظم الأطفال الذين يظهرون في أماكن انتشار الظاهرة خارج أي مسار تعليمي، إذ إن كثيرًا منهم لا يرتادون المدارس أساسًا نتيجة النزوح المتكرر والفقر، أو التفكك الأسري.

ويؤدي غياب المدرسة، بوصفها مساحة حماية اجتماعية يومية، إلى زيادة قابلية هؤلاء الأطفال للانخراط في سلوكيات خطرة، من بينها استنشاق المذيبات، وسط غياب جهة قادرة على المتابعة أو التدخل.

انفصال عن الواقع

علا حريري، خريجة قسم علم الاجتماع من جامعة “حلب”، قالت إن الظاهرة مرتبطة مباشرة بالضغوط الاقتصادية والتفكك الأسري في مرحلة ما بعد الحرب.

المراهق الذي يعيش خارج المدرسة، وداخل بيئة فقيرة ومضطربة، يبحث عن أي مهرب، فعبوة “الشعلة” تمنحه دقائق من الانفصال عن واقعه، وفقًا لحديث حريري إلى.

المشكلة أن هذا السلوك يعيد تشكيل الدماغ، ويفاقم الميل للعنف والانعزال، ويخلق ارتباطًا نفسيًا صعب الفكاك.

وترى حريري أن مواجهة الظاهرة لا تتم عبر المعاقبة أو الملاحقة، بل عبر بناء بيئة داعمة، وتوفير مساحات آمنة للأطفال، وتفعيل المبادرات المجتمعية في المناطق التي تنتشر فيها الظاهرة.

ويرصد أهالٍ وأصحاب محال تجارية في محيط الحديقة العامة وساحة “سعد الله الجابري”، سلوكيات عدوانية متزايدة لدى بعض الأطفال المتعاطين، من بينها سرعة الانفعال، واللامبالاة، والعزلة عن المحيط الاجتماعي، مقابل غياب شبه تام للدعم النفسي أو التوجيه السلوكي.

فراغ أسري وغياب دعم

بدورها، قالت هند عقيل، الناشطة الاجتماعية وعضو لجنة مكافحة التسول سابقًا في حلب، أن ظاهرة استنشاق المذيبات لدى الأطفال والمراهقين ليست مجرد سلوك طفولي، بل تعكس نقصًا في الأمان والتحفيز الصحي، وظهورها مرتبط بضغط نفسي، وفراغ أسري أو مجتمعي، وضعف التوجيه للطفل، إضافة إلى الأحياء المحرومة من الأنشطة الترفيهية، وغياب البيئة الداعمة نفسيًا واجتماعيًا.

وأضافت عقيل، في حديث إلى، أن الأطفال قد يلجؤون لهذه السلوكيات أحيانًا للفت الأنظار أو إثبات الذات أمام المجتمع، أو تقليد أقرانهم، دون إدراك المخاطر الصحية والمعنوية والاجتماعية.

وأكدت عقيل أن غياب الأماكن المخصصة للترفيه والنشاطات المنظمة، مثل الملاعب والنوادي الشبابية، يترك المجال مفتوحًا للأطفال لمغامرات خطرة، موضحة أن الطفل في بيئة تفتقر للإشراف يصبح أكثر عرضة للسلوكيات التجريبية غير الآمنة.

وحول دور الأسرة، قالت عقيل إن جزءًا كبيرًا من الأهالي لا يملكون الوعي الكافي بخطورة السلوك، أو منشغلون بتأمين لقمة العيش، فيما يتعامل بعضهم مع الموضوع على أنه مجرد لعب أو مزحة، من دون أن يدركوا الأضرار الصحية المحتملة، بما فيها تأثيرها على الجهاز العصبي والهضمي والأسنان، إضافة إلى آثارها النفسية الطويلة المدى.

وشددت على أن الاستجابة الحالية للظاهرة غير كافية، وغالبًا ما تكون رد فعل بعد انتشار مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن معالجة المشكلة تتطلب توفير بدائل آمنة وجاذبة للأطفال، مع متابعة مبكرة من الجهات المعنية، وليس الاكتفاء بإطلاق التحذيرات.

المطلوب تدخل على مستويات

لفتت الناشطة الاجتماعية هند عقيل، إلى أن التدخل يجب أن يتم على عدة مستويات، أولها الأسرة من خلال زيادة الوعي، ومراقبة المحتوى الذي يشاهده الطفل، وخلق تواصل يومي معه.

وعلى المستوى المجتمعي، فمن الأهمية بمكان، فتح مساحات لعب آمنة، وتنظيم نشاطات تطوعية وثقافية ورياضية، وتدريب فرق محلية لرصد السلوكيات الخطرة والإبلاغ عنها للجهات المعنية.

وعلى مستوى الجهات الرسمية، فالأولوية تشديد الرقابة على بيع المواد الخطرة للأطفال، وتفعيل دور المراكز الثقافية والنوادي، مع حملات توعية مستمرة في المدارس ووسائل الإعلام.

وإضافة إلى ما سبق، أشارت عقيل إلى أهمية توفير بدائل تعليمية وترفيهية آمنة، مثل ورشات رسم وموسيقا وبرمجة بسيطة وأعمال يدوية ومخيمات صغيرة مجانية.

مركز مؤقت

تواصلت مع مدير مركز مكافحة التسول في حلب، محمد عثمان، للاستفسار عن الحالات التي سجلها المركز خلال الأشهر الماضية لأطفال يتعاطون مادة “الشعلة”، وعن الأعراض والسلوكيات التي رصدت لديهم، إضافة إلى آليات التدخل المتبعة من ناحية العلاج أو المتابعة النفسية، والعدد الإجمالي للحالات المسجلة.

واكتفى عثمان بالقول إن المركز “بصدد إعادة التأهيل”، وإن الموضوع “يحتاج إلى شرح طويل وليس جزئية بسيطة”، دون الإدلاء بأي تفاصيل تتعلق بعدد الحالات أو طريقة التعامل معها.

وأضاف أن المركز “مؤقت وليس دائمًا”، ولا يقدم خدمات تأهيل أو تدريب لهؤلاء الأطفال، بل يقتصر دوره حاليًا على “استقبال الحالات وتحويلها إلى دور رعاية متخصصة”.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.