على مدى ثلاثة قرون، حكم المماليك مصر والشام، وشكّلوا دولة توقف أمامها المؤرخون كثيراً بسبب أحداثها المثيرة، وسلاطينها الذين لامس بعضهم المجد والبعض الآخر الجنون.
وفي روايته “جنون مصري قديم” يلقي الروائي طلال فيصل، نظرة على سنوات حكم السلطان الأشرف برسباي، الذي حار المؤرخون في شخصيته وتأثيرها على الدولة.
“الشرق” حاورت الدكتور طلال فيصل في حول سلاطين المماليك والمؤرخين والخيط الممدود بين التاريخ والحاضر.
قدّمت سابقاً السير الروائية في ” نجيب” عن الشاعر نجيب سرور، و”بليغ” عن الموسيقار بليغ حمدي، والآن سيرة السلطان الأشرف برسباي، ما الذي يجذبك للسير الروائية؟
أظن أني بحكم التكوين والطبع والمهنة مشغول بفهم الشخصيات باعتبارها مفتاحاً لفهم العصر والظواهر العامة. نجيب سرور هو الملخص المفيد لأزمة المثقف في الستينيات، الحائر بين المواءمة والصدام.
أما بليغ حمدي فهو فنان لا يكفّ عن المعاناة ولا عن البحث عن حب لا يتحقق، عاطفته المشتعلة هي سر شقائه ونعمته في الوقت نفسه، وهي وقود موهبته.
كذلك برسباي فهو رجل بسيط وخائف، وجد نفسه سلطاناً دون ترتيب. يجمع بين الثلاثة تميزهم كأفراد، وأن إرادتهم كانت محدودة أمام سطوة الزمن وحركته الجبارة.
لكن ما سبب تركيزك على سنوات حكم السلطان الأشرف برسباي؟
ذهبت للكتابة عن المماليك وأنا لا أعرف أي شيئاً عن سلاطينهم. لم أكن حتى أعرف الفارق بين قلاوون وبرقوق. كانت كل هذه الأسماء بالنسبة لي عالماً سحرياً غامضاً لا أجرؤ على الاقتراب منه، دعك من الكتابة عنه. الصدفة وحدها هي التي أوقعت في طريقي مقالاً عن السياسة الاقتصادية للأشرف برسباي، سلطان مصر في زمن المماليك، لفت الأمر انتباهي بسبب طريقة تفكيره في الاقتصاد وإدارة مالية الدولة. ثم بحثت وراءه فوجدت أنه حيّر مؤرخيه.
البعض يعتبره تاجراً جشعاً، والبعض يعتبره مجاهداً عظيماً. ثم لفت انتباهي البساطة التي كان المؤرخون يروون بها أنه كان مختل العقل في أيامه الأخيرة، أو كما قال المقريزي: “كان لديه ملنخوليا”. كل هذا كان مثيراً ودافعاً للتأمل والقراءة ثم الكتابة من بعد.
“جنون مصري قديم” سيرة للسلطان برسباي فحسب أم سيرة لكثير من الحكّام؟
يحاول الكاتب دائما أن يجد نموذجاً عاماً داخل الشخصية التي يكتب عنها، ماكبث مسرحية مستوحاة من ملك حقيقي في تاريخ اسكتلندا، لكننا نسينا الملك وبقي ماكبث مثالاً ونموذجاً لما تفعله السلطة بعقل المهووس بها. حاولت في جنون مصري قديم أن أفعل ذلك ولن نستطيع أن نحكم على نجاحي من عدمه قبل مرور فترة من الزمن.
لكنك لم تبدأ بحكم الأشرف برسباي نفسه، بل عدت إلى فترة سابقة. ما أهمية هذه الخلفية لفهم سنوات حكمه؟
الفكرة أن سنوات حكم المماليك مغرية للكتابة في كل فتراتها وتفاصيلها. فمثلاً المؤيد شيخ الذي كان بمثابة الأب الروحي لبرسباي، كان هو الآخر شخصية درامية، ووصف في آخر أيامه بـ “الخاصكي المجنون”. ثم تولى ابنه المظفر وهو رضيع لا يتجاوز العامين. كل هذه مشاهد يصعب مقاومتها، فضلاً عن أنها تصبّ في المحور الأساس الذي تدور حوله الرواية، وهو الجنون الذي يضرب عصب الدولة من رأسها حتى أفقر فقرائها.
لماذا اخترت أن تدور الرواية في زمنين مختلفين وهما الوقت الحاضر والقرن الـ 15 وفي مسارات متوازية زمنياً وسردياً؟
كنتُ أكتب وعيني على الحاضر، هذا التشابه بين العصرين، في المعاناة وفي منطق التفكير، ثم سؤال التاريخ الكبير الذي يسري في الرواية من أولها لآخرها. من يكتب التاريخ وكيف نثق في المؤرخ، وإلى أي مدى يمكن وصف التاريخ وسردياته بالموضوعية.
كان لا بد من وجود مؤرخ معاصر قادر على طرح هذا التساؤل، وهو الصوت الذي يستطيع المزاوجة بين الحكي، وبين الشرح التاريخي، فضلاً عن العلاقة المضطربة بين الآباء والأبناء، التي كانت في العصرين- رغم اختلافهما- متشابهة. كل هذه العوامل جعلت من وجود المؤرخ المعاصر ضرورة فنية وليست حلية سردية.
هل تعني أن أحداث التاريخ لا تنتمي إلى الماضي فحسب، بل تعود لتطارد الحاضر؟
لم أكن بحاجة لقول ذلك، يكفي مطالعة الوقائع التاريخية ووضعها أمام الأحداث المعاصرة لنبصر التشابه والخيط الممدود بين الزمنين.
لماذا اخترت الكتابة عن هذه الفترة من خلال شخصيات تاريخية غير مشهورة بدلاً من الرواية بلسان برسباي نفسه؟
حدث هذا بدون أي تخطيط، كانت نيتي وأنا ذاهب للكتابة هي جعل الأشرف برسباي بطلاً درامياً مثل الشخصيات التاريخية الكبيرة التي قرأنا عنها، ثم تبيّن لي من دون قصد وأنا أكتب، أن هذا الرجل استقرّ في كرسي الحكم لعوامل لا علاقة لها بشخصه، بل بالآليات التي كانت تتحرك في عمق الدولة. رجال المالية والدين، الوزراء والبهلوانات والمؤرّخين.
هذا الخوف المسيطر في كل أرجاء الدولة، والذي يتطوّر لإيمان الحقيقي بهذا العرش أياً كان من عليه، جعل وجود السلطان شبحي، وجعل أشخاص الرواية هم المحركين الحقيقيين لها ولأحداثها.
السرد في الرواية كان قريباً من أسلوب المؤرخين الكبار القدماء. لماذا اخترتَ هذه الطريقة؟
أحد الانتقادات التي وجّهت للرواية هي أنني افتتنت بأسلوب المؤرّخين والكتابة المملوكية لدرجة اكتسحت السرد. لا أعرف مدى دقّة ذلك، لكني أكتب عن رواية بطلها المركزي مؤرّخ معاصر، وبطلها الآخر مؤرّخ مملوكي محذوف من كتب التاريخ، وفي ثناياها هناك حضور قوي لثلاث مؤرخين معروفين من كبار مؤرخي مصر المملوكية، المقريزي وابن تغري بردي وبدر العيني. وبالتالي كان حضور هذا الأسلوب منطقياً وغير مفتعل في النص.
أكدت في نهاية الرواية على ضرورة تعامل القارئ مع العمل باعتباره رواية، لكن ألا تجد أن التداخل بين الشخصيات والأحداث الحقيقية والمتخيّلة يجعل الفصل بينهما صعباً؟
كان هذا التأكيد بسبب خبرتي السابقة من التعامل مع ما أكتب باعتباره تاريخ، حدث ذلك للأسف في روايتي “سرور” و”بليغ” وسبب الكثير من الالتباس. في “جنون مصري قديم” سنجد البهلوان مثلاً – وهو محرك رئيسي للأحداث- مُخترع، وكذلك الصوفي محمد بن علاء الدين. أيضاً يموت جاني بك الأشرفي بعد موته التاريخي الفعلي بستة أعوام، وكان هذا ضرورياً لإحكام القصة وبنائها الدرامي، ولا أريد أن يفترض أحد أن الرواية مصدر تاريخي لأنها ببساطة ليست كذلك.
هل ترى أن الرواية يمكن أن تكون مصدراً موازياً للتاريخ، لا ينافسه لكن يطرح أسئلته الخاصة؟
تقوم الرواية- التي تدور في زمن كاتبها- بدور تاريخي باعتبارها شهادة صاحبها على تفاصيل زمنه، أما التاريخ فيقوم بدوره العلمي محاولاً الموضوعية في رسم صورة الزمن، المشكلة في الرواية التاريخية أنها تستعير من الاثنين- الرواية والتاريخ- أدواتهما، وهنا يحدث الخلط، لكن أظن أن الرواية في آخر الأمر هي تعبير عن خيال صاحبها الذاتي وهي غير مطالبة بالموضوعية ولا الأمانة العلمية.
كيف تصف صعوبة عمل المؤرّخ، ومن صاحب القرار الحقيقي في بقاء التاريخ أو محوه؟
هناك حكاية بالغة اللطف واجهتني وأنا أحضّر لهذه الرواية. حدث احتكار أفلس بسببه الكثير من التجّار وتسبّب في أزمة ساحقة، هناك مؤرّخ عرض لهذه الحادثة كأنها كارثة، وآخر تعرّض لها بشكل خفّف من آثارها، وآخر لم يأت على ذكرها إطلاقاً.
في هذا الحشد من المعلومات التي تناقض بعضها البعض، كيف يمكن الوصول للحقيقة أو ادعاء امتلاك الصورة النهائية. أظن أن المؤرّخ يتحرك في غابة مظلمة بشمعة ضعيفة محاولا تخمين مساحة هذه الغابة بكف يده، ولكنه يحاول.
هل ترى أن السلطة كانت- ولا تزال- قادرة على إعادة تشكيل الذاكرة التاريخية؟
نحن الآن نعيش في زمن كل لحظة، حرفياً كل لحظة، موثّقة بالصوت والصورة. ورغم ذلك لا يمكنك الوثوق في المعلومة ولا التأكد من خبر أو من الذاكرة، فما بالك ونحن نتحدث عن عصر كل المعلومات فيه شفهية، رغم ذلك أحاول دائماً أن أصدق أو أقنع نفسي أن الحقيقة ستجد طريقة للوصول، ولو عبر رواية خيالية بعد أعوام، أو عبر وثيقة مدفونة تحت جدار لمؤرخ منسي ومهمل من سياق التاريخ.
وهل المؤرخون شركاء للسلطة أم شهداء عليها برأيك؟
هذا قرار المؤرخ وموقفه الشخصي والسياسي، لديك في الرواية كل أنواع المؤرخين، المعتزل والمشارك في السلطة والمؤمن بالسلطة إيماناً أعمى. المحزن أنه حتى الإيمان الصادق بالسلطة لا يحميك دوماً من بطشها، فضلاً عن أنه لا يعفيك من المسؤولية الأخلاقية عن كتابتك ولا أفكارك.
قارنت بوضوح بين المقريزي، وبدر الدين العيني، وابن تغري بردي. ما الذي يميّز رؤية كل واحد منهم للتاريخ؟
كل شخص منهم تشكّل من عوامل متنوّعة فردية وعامة. بدر العيني كان من أسرة فقيرة وتشرّد كثيراً وعانى انتقام السلطة في أول شبابه. المقريزي كان بطبيعته منعزلاً مغترباً يشعر بمسافة بينه وبين الآخرين، أما ابن تغري بردي فهو ابن الذوات الكلاسيكي، كتابته وأفكاره متناغمان تماماً وهذا أكثر ما يعجبني فيه.
