الرقة – أحمد الحمدي

يعزو كثير من سكان محافظة الرقة، شمالي سوريا، الجرائم التي وقعت خلال السنوات الأخيرة، إلى الانتشار الواسع للمخدرات خلال فترة سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على الرقة منذ عام 2017 حتى مطلع العام الحالي، معتبرين أن هذه الظاهرة شكّلت أحد أبرز العوامل التي أدت إلى تفكك النسيج الاجتماعي وارتفاع نسبة العنف داخل المجتمع المحلي.

ولم تكن قصص الجرائم التي كانت تهز مدينة الرقة مجرد حوادث فردية عابرة، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى ظاهرة مقلقة أثارت مخاوف السكان، وطرحت تساؤلات جدية حول أسباب هذا الانفلات الأمني والاجتماعي غير المسبوق.

وبعد دخول الحكومة السورية إلى المدينة، وانسحاب “قسد” منها، خرجت مطالب من السكان، بمحاربة الجريمة بمختلف أنواعها، ومكافحة آفة المخدرات.

“بيئة مفتوحة للمخدرات”

إسماعيل محمد (43 عامًا) وهو من سكان مدينة الرقة، قال إن المدينة تحولت خلال السنوات الماضية إلى “بيئة مفتوحة لتجارة وتعاطي المخدرات”، مشيرًا إلى أن المواد المخدرة كانت تُباع في بعض الأحياء بشكل شبه علني، في ظل غياب الرقابة الفعلية وانتشار شبكات تهريب وترويج مرتبطة بجهات نافذة داخل “قسد” وأجهزتها الأمنية.

وأضاف ل، أن تعاطي المخدرات لم يعد مقتصرًا على فئة عمرية أو اجتماعية محددة، بل طال شبانًا وقاصرين وربّات بيوت، ما أسهم في تفشي سلوكيات عنيفة وغير مألوفة داخل المجتمع.

وأكد سكان في الرقة تحدثوا ل أن طبيعة الجرائم التي شهدتها المدينة خلال الأعوام الماضية تختلف عن أي مرحلة سابقة، سواء من حيث القسوة أو الدوافع.

مطالبات للحكومة

بعد التغيرات السياسية التي شهدتها الرقة مؤخرًا واستعادة الحكومة السورية السيطرة على المحافظة، يوجّه الأهالي مطالبات مباشرة بإطلاق حملة أمنية شاملة لمكافحة المخدرات، أسوة بما جرى في عدد من المحافظات السورية الأخرى التي شهدت حملات واسعة أسفرت عن تفكيك شبكات تهريب وترويج.

وقال إبراهيم الملحم (37 عامًا)، إن السكان يطالبون بتعزيز الوجود الأمني، وملاحقة المتورطين في تجارة المخدرات، وإغلاق أوكار التعاطي، إلى جانب إطلاق برامج علاج وتأهيل للمدمنين، ودعم المبادرات المجتمعية التي تسعى لإعادة الاستقرار إلى المدينة.

وأضاف أن القضاء على المخدرات هو الخطوة الأولى لإعادة الأمن والاستقرار، وإيقاف دوّامة العنف التي عصفت بالمدينة خلال السنوات الماضية، وأن الرقة تستحق فرصة جديدة للعيش بسلام بعد أعوام طويلة من الحرب والفوضى.

“قضاء متساهل”

قالت المحامية غادة العوكان، إن تفشي المخدرات في مدينة الرقة خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل نتيجة مباشرة لـ”سياسات قضائية متساهلة” انتهجتها الجهات القضائية التابعة لـ”قسد”، ما شجع على انتشار هذه الآفة بدل الحد منها.

وأوضحت العوكان أن العقوبات التي كانت تصدر بحق المتورطين بتجارة وتعاطي المخدرات لم تكن رادعة، وغالبًا ما كانت تُخفف أو تُستبدل بها غرامات مالية أو فترات توقيف قصيرة، وهو ما فتح الباب أمام عودة المتهمين إلى ممارسة نشاطهم بسرعة.

وأضافت أن غياب منظومة قانونية واضحة وموحدة، وتعدد المرجعيات القضائية، أسهما في خلق بيئة قانونية هشة، سمحت لشبكات الترويج بالتمدد، خصوصًا في ظل غياب رقابة حقيقية على المنافذ والمعابر، وأن هذه السياسات انعكست بشكل مباشر على الواقع الأمني والاجتماعي في الرقة، مشيرة إلى أن الجرائم ذات الطابع الأسري والعنف المفرط غالبًا ما ترتبط بحالات تعاطٍ أو إدمان.

ودعت المحامية العوكان الحكومة السورية إلى تبني استراتيجية قانونية صارمة لمكافحة المخدرات في الرقة، أسوة بالمناطق الأخرى، تشمل تشديد العقوبات، وضبط شبكات التهريب، إلى جانب إنشاء مراكز علاج وتأهيل للمدمنين، باعتبارهم ضحايا قبل أن يكونوا جناة.

طرق وصول المخدرات

تحدث أحد تجار المخدرات السابقين ل، تحفظ على نشر اسمه لأسباب أمنية، عن الطرق التي كانت تسلكها المخدرات قبل الوصول إلى مدينة الرقة، وعن الأنواع التي تنتشر في المدينة.

وقال، إن معظم شحنات المخدرات كانت تصل إلى مدينة الرقة عبر طريقين، الأول من محافظة دير الزور والآخر من محافظات الداخل السوري لا سيما محافظتي ريف دمشق وحمص.

وذكر أن أكثر الأنواع التي كانت تنتشر في الرقة هي “الأتش بوز” (الكريستال ميث) و”الحشيش” و”الكبتاجون”، وأن الأخير كان يصنع محليًا في ورشات صغيرة موجودة في الرقة ومدينة عين العرب/ كوباني بريف محافظة حلب الشرقي.

ولفت إلى أن “الأتش بوز” كان الأكثر مبيعًا في المدينة، وأن سعر الغرام الواحد منه كان عشرة دولارات قبل سقوط النظام والذي ارتفع تدريجيًا حتى وصل خلال الأشهر الأخيرة إلى 30 دولارًا لذات الوزن.

ويعتمد تجار المخدرات على شبكات كبيرة من المروجين ينتشرون في أحياء المدينة، معظمهم من المراهقين يحصلون على نسب من المبيعات تختلف بين تاجر وآخر، والتي تصل أحيانًا إلى 30% من قيمة المبلغ الذي تباع فيها كمية المخدرات.

ولم ينكر تاجر المخدرات الذي تحدث ل عن تساهل الأجهزة الأمنية التابعة لـ”قسد” في التعاطي مع مروجي المخدرات وتجارها، وأن التاجر أو المروج يستطيع الخروج من السجن بعد إلقاء القبض عليه بمجرد أن يتمكن من دفع رشى للقضاة أو المحققين في المخافر قبل تحويل قضيته إلى النيابة العامة.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.