تطل رواية عبد الله مكسور “عائد إلى حلب” كنافذة صغيرة إلى قلب الحرب السورية، لكنها في الوقت نفسه مرآة لما فقدته المدينة وسكانها.
صدرت الرواية عام 2013 عن دار “فضاءات”، وتمثل محاولة للعودة إلى حلب بعد اندلاع الثورة، ليس فقط كمكان جغرافي، بل ككيان بشري وثقافي يموج بالذكريات والمعاناة.
يقدم مكسور سردًا يلتصق بالواقع السوري حينذاك، ويحمل مزيجًا بين التجربة الشخصية والبعد الجماعي لمعاناة المدنيين في زمن الحرب.
البطل، صحفي سوري، يعود إلى حلب بعد سنوات من الغياب، عودة ليس فقط إلى المدينة، بل إلى الذاكرة والجراح التي خلّفتها الحرب، حيث يهدف إلى إجراء تحقيق صحفي حول أحداث الحرب وآثارها على المدنيين، خصوصًا في بلدة اللطامنة، التي شهدت نزوحًا جماعيًا واعتقالات واسعة، وأصبحت مختبرًا لتوثيق قصص الناس في مواجهة العنف والخوف.
في صفحات الرواية، يعمل مكسور على مستويين متوازيين، يجسد المستوى الأول سردًا جماعيًا يوثق صراخ المدينة تحت القصف والحصار، ونزوح سكانها، ووجوه الأطفال والنساء والرجال الذين أصبحت حياتهم اليومية مجرد محاولة للبقاء على قيد الحياة.
يتنقل النص بين شهادات مباشرة لمقاتلين ولاجئين وأهالٍ عبر أحياء المدينة والقرى المحيطة، مسجلًا كل خوف وخيبة أمل، في صورة واقعية قريبة من الصحافة الميدانية.
أما المستوى الثاني، فهو سرد ذاتي يعكس تجربة الراوي، الصحفي الذي يعود ليواجه المدينة التي عرفها وها هي اليوم تتفكك أمام عينيه، إذ يستعيد ذكريات الماضي، عن الحب والمدينة والناس، ليقارنها بالحاضر الممزق، ويطرح سؤالًا وجوديًا منذ البداية: “هل يموت الإنسان مرتين؟”.
الرواية تتجاوز مجرد سرد الأحداث لتغوص في الأثر النفسي للحرب على الهوية والذاكرة والوجود الإنساني، فالموت والدمار والغياب ليست مجرد خلفية، وإنما عناصر فاعلة تشكل الشخصيات والمكان نفسه، وهي بذلك تقدّم رؤية مختلفة عن الحرب، ليس كصراع سياسي فحسب، بل تجربة إنسانية شاملة تؤثر في كل التفاصيل الصغيرة من حياة الناس.
يتنقل الراوي بين مشاهد متعددة تكشف عمق الأزمة الإنسانية التي خلّفتها الحرب، حيث يعيش النازحون في المخيمات على الحدود ضمن خيام باردة محرومة من أبسط ضروريات الحياة، فضلًا عن الاعتقالات والتعذيب الذي يمارسه النظام بحق المدنيين، والمواجهات المسلحة بين الفصائل التي تضيف طبقة من الرعب اليومي فوق آثار الحرب، وفي كل مكان يستمع الصحفي إلى شهادات الناس ويكتب عنهم.
الرواية، المكونة من 206 صفحات، هي الجزء الثاني من ثلاثية الروائي والصحفي السوري عبد الله مكسور التي بدأت بأيام في بابا عمرو وواصلت سردها واقع الثورة والحرب في سوريا.
عبد الله مكسور، صحفي وروائي سوري، ولد في مدينة حماة عام 1983، ويحمل إجازة جامعية في الآداب والعلوم الإنسانية ودرجة الماجستير في الإعلام والعلاقات العامة من جامعة “القاهرة”.
Related
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
المصدر: عنب بلدي
