كشف مدير عام الشركة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (العمران)، محمود فضيلة، أن صناعة الأسمنت شهدت مراجعة شاملة لواقع المصانع، شملت دراسة البنية الإدارية والهندسة الإدارية للعاملين، وتحسين العقود، والانتقال من نمط “المكاتب المغلقة” والبيروقراطية الثقيلة إلى مرحلة جديدة قوامها الانفتاح والتواصل مع الشركات الإقليمية والدولية العاملة في صناعة الإسمنت.
وقال فضيلة في تسجيل مصور نشرته وزارة الاقتصاد والصناعة، اليوم الخميس 8 من كانون الثاني، أن هذه الصناعة، تحولت بعد التحرير إلى أحد أقوى المحركات للصناعة السورية، إذ جرى خلال الأشهر الأولى التواصل مع عدد كبير من الشركات الإقليمية بهدف تطوير هذا القطاع، والاستفادة من الخبرات والتقنيات الحديثة المعتمدة في الدول المجاورة، من خلال الزيارات المتبادلة والمشاركة في الندوات المتخصصة.
واستندت استراتيجية الإدارة الجديدة، إلى مبدأ الانفتاح، عبر دراسة أحدث الأساليب المعتمدة عالميًا في صناعة الإسمنت، والانتقال من النمط التقليدي إلى عالم الصناعة الحديثة، وهو ما انعكس في الحضور الفاعل للشركة المساهمة العامة في المؤتمرات الدولية، وفق فضيلة، سواء في تركيا أو دبي، إضافة إلى المشاركة في المعارض المحلية والإقليمية، والانفتاح الواسع على الشراكات التي وصفها بأنها “بالغة الأهمية”.
ونوه إلى تطوير منهجية جديدة لمعالجة أوجه القصور في صناعة الأسمنت، باتت اليوم أساسًا تعتمد عليه الشركة العامة، وتقوم على أسس علمية وتقنيات حديثة سواء في خطوط الإنتاج أو في الإدارة، هذه الإجراءات تحقق فوائد على المدى القريب والبعيد.
وتعود جذور صناعة الإسمنت في سوريا، إلى عام 1933، إلا أنها لم تشهد على مدار عقود تطورًا مماثلًا لما حققته دول أخرى، سواء من حيث تحديث التقنيات أو مستوى الأجور، بل وصلت حتى عام 2010 إلى مرحلة أصبحت فيها من بين الصناعات الأقل نموًا.
الأسمنت البوزولاني
بدأت الشركة المساهمة العامة، أول أدوارها في إنتاج الأسمنت البوزولاني عام 1942، لكنها واجهت لاحقًا صعوبات كبيرة، أبرزها عدم القدرة على العمل وفق آليات اقتصاد السوق الحر، إلى جانب إفلاس بعض المصانع، وهجرة العمال، وتدهور البنية التحتية، واعتمادها على مصانع قديمة يعود معظمها إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وفق فضيلة.
وأضاف أن هذه التحديات شكلت عائقًا كبيرًا أمام استمرار الشركة، إلا أنه جرى إنتاج منتج جديد تنافسي ومربح، وللمرة الأولى في قطاع صناعة الإسمنت، حصلت الشركة على موافقة حكومية لإنتاج منتج مثبت الجودة.
وأوضح أن لهذا المنتج أثرًا إيجابيًا على المواطنين، إذ أتاح إمكانية الاستيراد من دول أخرى، رغم تفضيل المواطنين توفير الإسمنت محليًا من قبل الحكومة، مؤكدًا أن الإسمنت اليوم لم يعد مجرد مادة بناء، بل يشكل جوهر عملية إعادة الإعمار.
وتمكنت من استيراد مواد تنظيف عالية الجودة، وإنتاج منتجات جديدة، والحفاظ على موقعها في السوق تحت اسم “عمران”، لافتًا إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد دورًا أوسع لها كشريك للمستثمرين والمشرفين والمطورين والمدربين.
وتعمل الشركة العامة للأسمنت، حاليًا على تجهيز مركز لتدريب وتطوير الصناعة في سوريا، بهدف تعزيز مكانة هذه الصناعة كمورد وطني أساسي، بحسب فضيلة، مؤكدًا أن صناعة الأسمنت تُعد اليوم حجر الزاوية في عملية إعادة الإعمار، وأن تعافيها سينعكس مباشرة على انتعاش الاقتصاد.
وتتقاطع هذه الصناعة، مع جوانب مختلفة في الحياة، بحسب فضيلة، الذي ذكر أن “إعادة الإعمار تعني إنتاج الأسمنت، وإنتاج الأسمنت يعني إنشاء مصانع جديدة، الذي يوفر مئات فرص العمل المباشرة في هذه المصانع، كما أن دخول البضائع الأجنبية يعني آلاف فرص العمل غير المباشرة المتعلقة بالنقل والخدمات اللوجستية والتصنيع، وما إلى ذلك”.
وأكد فضيلة أن صناعة الإسمنت في سوريا لم تعد مجرد مهنة، بل أصبحت قطاعًا متناميًا، لافتًا إلى أن شركة “عمران” استفادت من تصدير منتجاتها انطلاقًا من الموقع الاستراتيجي لسوريا، وأن هدف التصدير لا يقتصر على العائد المالي، بل يشمل جذب الاستثمارات وخلق فرص جديدة.
مواقع لجذب المستثمرين
وفرت الشركة العامة للأسمنت، جميع المواقع اللازمة لجذب المستثمرين المحليين والأجانب، وكشف فضيلة، أن 52 مستثمرًا أجنبيًا رسميًا زاروا الشركة، واطلعوا على المصانع وإمكاناتها، مؤكدًا أن سوريا تمر اليوم بمرحلة نمو وانتعاش وانفتاح، ومرحلة جذب استثمارات وإعادة بناء من تحت الأنقاض.
وشدد فضيلة أن البناء المقبل لن يكون عشوائيًا، بل سيقوم على صناعة حديثة ينظمها الجيل الجديد، وأن الصورة النمطية التي تربط مصانع الإسمنت بالتلوث والأمراض لم تعد صحيحة، موضحًا أن الحكومة تتعامل بحزم شديد مع الجانب البيئي، ولن تسمح بوجود مصانع إسمنت لا ترتبط بشبكات دولية معنية بحماية البيئة.
وتطرق خلال حديثه، إلى تطوير المنتجات، مؤكدًا أن المصانع لن تكتفي بإنتاج نوع واحد من الأسمنت، بل ستنتج أنواعًا متعددة، لكل منها استخدامه المناسب، وهو ما دفع الشركة إلى وضع تعريف لثقافة استخدام الإسمنت، بما يضمن دوام المباني والبنية التحتية لفترات أطول.
وفي هذا السياق، أوضح أن الشركة عقدت ندوات متخصصة عند إطلاق المنتج الجديد، بمشاركة خبراء ومهندسين ومقاولين وجامعات، إضافة إلى العاملين في قطاعات الإسمنت والخرسانة وغيرها.
وختم فضيلة بالإشارة إلى توجه الحكومة لإنشاء مراكز لإنتاج الأسمنت، وحرصها على حماية المنتج المحلي، معتبرًا أن استمرار عمل المصانع طالما أن الإسمنت متوفر في الأسواق يصب في مصلحة الحكومة والاقتصاد الوطني، ومؤكدًا أن صناعة الإسمنت لن تعود إلى ما كانت عليه سابقًا، بل ستُبنى على أسس متينة، بما يواكب مرحلة إعادة الإعمار ويعزز حضور سوريا في هذا القطاع على الصعيدين المحلي والدولي.
استكمال الخارطة الاستثمارية لقطاع الأسمنت
وكانت الشركة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (عمران) أعلنت، في 4 من كانون الأول الماضي، عن استكمال وضع الخارطة الاستثمارية لقطاع الأسمنت في سوريا، التي تعتمد على شراكات مع مستثمرين محليين وإقليميين.
وذكر مدير عام الشركة، محمود فضيلة، في تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا)، أن شركة “عمران” عملت خلال الفترة الماضية على طرح كل المعامل التابعة لها للاستثمار والتشغيل.
وأضاف أنه تمت دراسة عروض عشرات الشركات المتقدمة لها من داخل وخارج سوريا ليستقر الأمر على “العطاءات” الأكثر جدوى فنيًا وماليًا مع الحفاظ على الأصول التي ستعود إلى الدولة بعد انتهاء فترات الاستثمار المحددة، ما يسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني ورفع القدرة التنافسية للمنتج السوري.
وكشف فضيلة أنه تم استثمار معمل “طرطوس” من قبل شركة إماراتية، ومعمل “الرستن” من قبل شركة محلية، إضافة إلى استثمار معمل “حماة” من قبل شركة “فيرتكس” العراقية التي ستقوم بتأهيل خط الإنتاج الثالث ليصل إنتاجه إلى عشرة آلاف طن يوميًا خلال خمس سنوات، في حين ما زال معملا “المسلمية” المدمر بحلب و”عدرا” بريف دمشق مطروحين للاستثمار.
وتشهد صناعة الأسمنت في سوريا حراكًا استثماريًا ملحوظًا خلال الأشهر الأخيرة، مع دخول شركات عربية وخليجية على خط تأهيل وتطوير معامل الأسمنت الحكومية والخاصة، وتأهيل الكوادر، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى هذه المادة الأساسية لمرحلة إعادة الإعمار وترميم البنى التحتية والمنازل.
ويأتي طرح معامل الأسمنت للاستثمار ضمن خطة لتعزيز البنية التحتية الصناعية، ورفع كفاءة الإنتاج وتأهيل الكوادر، ونوه فضيلة إلى أهمية تحقيق توازن بين الجدوى الاقتصادية ومتطلبات حماية البيئة، ولا سيما في المناطق التي شهدت سابقًا ارتفاعًا في نسب التلوث.
Related
المصدر: عنب بلدي
