ـ ركان الخضر

تنتشر وكالات السيارات في أغلبية دول العالم، حيث توجد سيارات الشركات الكبرى، مثل “تويوتا” و”فولكس فاجن” و”هيونداي” و”كيا”، في أغلب الأسواق العالمية، بما فيها منطقة الشرق الأوسط عبر شبكات توزيع واسعة، تختلف كثافة انتشارها بناء على القوة الاقتصادية للدولة والرسوم الجمركية المفروضة على الاستيراد.

وتبحث شركات السيارات العالمية عن فتح وكالات لسياراتها في مختلف البلاد لتعزيز حضورها العالمي، من خلال فهم الأسواق عبر الاعتماد على خبرات محلية مطلعة على احتياجات السوق واهتمامات المستهلك.

وتعمل هذه الوكالات على توفير خدمات ما بعد البيع والصيانة، من خلال الاعتماد على الوكلاء المحليين الذين يملكون الخبرة الكافية لتسويق الموديلات المناسبة وتسهيل الوصول للمستهلكين، الأمر الذي يسهم في رفع نسبة المبيعات ويحقق انتشارًا أوسع للعلامة التجارية.

لم تغب السوق السورية عن هذا المجال، فقد شهدت نموًا قي وكالات السيارات العاملة في البلاد خلال العقد الأول من القرن الـ21 بين عامي 2000 و2010، حيث شهدت هذه الفترة انتشارًا لبعض وكالات السيارات الأوروبية والآسيوية، قبل أن تتراجع مع اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، نتيجة الاضطرابات الأمنية التي شهدتها البلاد، وتأثيرها على الأوضاع الاقتصادية بمختلف المجالات ومنها قطاع السيارات.

مع سقوط نظام الأسد، والهبوط الملحوظ في أسعار السيارات، بدأت خلال الفترة الأخيرة بعض الإعلانات التي تتحدث عن عودة بعض وكالات السيارات للعمل في سوريا.

تحاول الوقوف على أبرز الآثار المترتبة على هذه العودة، من خلال البحث في إيجابيات الخطوة وسلبياتها على السوق السورية.

ميزات وكالات الشركات العالمية للسيارات

اعتبر المحلل الاقتصادي والسياسي في شؤون الشرق الأوسط الدكتور محمد صالح الفتيح، أن دخول وكالات السيارات إلى سوريا، سيسمح بتوفير قطع الغيار الأصلية، وينهي الحاجة للاعتماد على قطع الغيار المهربة أو المقلدة التي تستنزف النقد الأجنبي وتلحق أضرارًا بمالكي ومستخدمي السيارات.

وقال الفتيح، في حديث إلى، إن دخول الوكالات الرسمية إلى السوق السورية، سيسمح بضبط الأسواق وينهي حالة فوضى الاستيراد التي يقوم بها بعض التجار، بما في ذلك السيارات والمركبات المستعملة، موضحًا أن العديد من شركات السيارات الكبرى باتت لديها برامج لبيع السيارات المستعملة، التي تتم إعادة تقييمها وضبطها والتحقق من سلامتها ومن ثم بيعها كسيارة مستعملة مكفولة من الشركة.

وأشار الفتيح إلى أن الفترة الماضية شهدت خشية من تحول سوريا إلى مقبرة للسيارات المستعملة ذات المواصفات الفنية الضعيفة، وذلك على نحو ما حصل في بعض الدول الإفريقية التي فتحت أبوابها لاستيراد السيارات المستعملة، مبينًا أن دخول وكالات السيارات سيسمح بالتحقق من جودة السيارة التي تدخل السوق السورية.

كما أن وكالات السيارات تستطيع، وفق الفتيح، التعاون بشكل أكثر شفافية وموثوقية مع المصارف لتقديم تسهيلات للبيع بالتقسيط، منوهًا إلى أن هذه الميزة لا تزال غير متاحة على نطاق واسع حاليًا في سوريا.

وأضاف الفتيح أن هذه التسهيلات ستخفض من أعباء استبدال السيارات القديمة، وتخفض من الضغوط على رؤوس أموال الأفراد والشركات على حد سواء.

من جهته، تحدث الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، ل، أن عودة وكالات الشركات العالمية إلى الأسواق السورية ودورها في تطوير البنية التجارية المحلية، تشكل خطوة استراتيجية في مسار إعادة بناء الاقتصاد الوطني وتعزيز الثقة بالبيئة الاستثمارية، موضحًا أن وجود هذه الوكالات لا يقتصر على إدخال منتجات وخدمات جديدة، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة هيكلة البنية التجارية المحلية ورفع كفاءتها.

وأشار قوشجي إلى أن عودة وكالات السيارات تسهم بتعزيز الثقة بالاقتصاد المحلي، لأنها تعد مؤشرًا إيجابيًا على استقرار السوق وقدرتها على جذب الاستثمارات، وترسل رسالة طمأنة للمستثمرين المحليين والأجانب بأن السوق السورية قابلة للنمو والانفتاح.

وأضاف أن الخطوة تسهم في نقل الخبرات والمعايير الدولية، موضحًا أن شركات السيارات العالمية تعمل وفق أنظمة إدارية وتسويقية، الأمر الذي يساعد في رفع مستوى الأداء التجاري المحلي، كما أن إدخال معايير الجودة التي تستخدمها هذه الشركات يعزز تنافسية المنتجات السورية ويهيئها للاندماج في الأسواق الإقليمية والدولية.

ونوه قوشجي إلى ميزة إيجابية أخرى تتمثل في تطوير البنية التحتية التجارية، فالوكالات العالمية عادة ما تستثمر في شبكات توزيع حديثة ومراكز خدمة وأنظمة لوجستية متطورة، مبينًا أن هذه الاستثمارات ترفع من كفاءة سلاسل التوريد وتقلل من تكاليف التشغيل، مما ينعكس إيجابًا على المستهلك.

وقال قوشجي، إن إدخال وكالات السيارات إلى سوريا يدفع إلى خلق فرص عمل وتنمية الموارد البشرية، من خلال توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وفتح المجال أمام تدريب الكوادر المحلية على أحدث الأساليب الإدارية والتقنية، الأمر الذي يسهم في بناء جيل جديد من الخبرات التجارية والإدارية داخل سوريا.

كما أن دخول وكالات السيارات إلى سوريا يسهم، وفق قوشجي، في تحفيز المنافسة وتحسين الخدمات، من خلال رفع مستوى المنافسة، ودفع الشركات المحلية إلى تحسين منتجاتها وخدماتها، وهي منافسة صحية تؤدي إلى خفض الأسعار وتحسين الجودة لمصلحة المستهلك.

عودة وكالات الشركات العالمية إلى الأسواق السورية، بحسب الخبير قوشجي، ليست مجرد حدث اقتصادي، بل هي رافعة لإعادة بناء الثقة وتطوير البنية التجارية وتحفيز النمو المستدام، فهي تمثل جسرًا بين الاقتصاد المحلي والمعايير العالمية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التكامل التجاري والنهضة الاقتصادية.

سلبيات وكالات السيارات

المحلل الاقتصادي محمد صالح الفتيح، قال ل، إن إيجابيات دخول وكالات السيارات إلى السوق السورية لا تلغي الآثار السلبية على الأوضاع في سوريا.

وأوضح الفتيح أن عودة هذه الوكالات تعني إعادة فتح أبواب الاستيراد دون قيود، وهوما يرفع من الطلب على النقد الأجنبي، ويضغط بالتالي على الليرة السورية، وذلك وسط غياب قدرات التصدير.

وأضاف سلبية أخرى تتمثل في أن فتح الاستيراد من دون تسوية أوضاع السيارات القديمة الموجودة حاليًا، يثير احتمال تفاقم الازدحام المروري خصوصًا في المدن الكبرى.

كما لا بد من الإشارة، وفق الفتيح، إلى ضعف خبرات ورشات الصيانة في سوريا، نتيجة عدم التعامل مع سيارات جديدة منذ أكثر من 14 عامًا.

وأشار إلى أن بعض التقنيات الشائعة في دول المنطقة، مثل المحركات الهجينة التي تعمل بالوقود والكهرباء أو المحركات الكهربائية بالكامل، هي غير معروفة في السوق السورية، مبينًا أن تدفق أعداد كبيرة من السيارات الجديدة وسط غياب الخبرات اللازمة للتعامل مع هذه السيارات، يمكن أن يمنح وكالات السيارات القدرة على احتكار خدمات الصيانة، وفرض أسعار عالية على المستخدم الذي يفتقر للخيارات البديلة، وهو سيناريو عالي الاحتمال.

ونوه الفتيح إلى أن مسألة الاحتكار منتشرة في الأسواق الإقليمية، ومنها أسواق الدول الخليجية، حيث يعاني المستخدمون من احتكار الوكالات والمتعاملين معها للخدمات، مما يضطرهم أحيانًا للانتقال إلى دولة خليجية أخرى، مثل الانتقال من السعودية إلى البحرين على سبيل المثال، للحصول على خدمات الصيانة بتكلفة أقل.

الخبير الفتيح عدّد مجموعة واسعة من العوامل التي منعت عمل وكالات السيارات في سوريا خلال السنوات الماضية، بداية من العقوبات التي أثرت بشكل كبير على التحويلات المالية والعمليات التجارية، ونقل بعض أنواع السيارات والمركبات خشية استخدامها من قبل النظام السابق.

كما أن السياسات الحكومية السابقة التي منعت استيراد السيارات بشكل شبه كامل، بهدف الحفاظ على القطع الأجنبي، تعد سببًا آخر في هذا الغياب، وفق الفتيح.

وأضاف أسبابًا أخرى شملت الأوضاع الاقتصادية، وتدهور القدرة الشرائية للسوريين، وانهيار قيمة الليرة السورية، والقيود على تداول النقد الأجنبي، موضحًا أن جميع العوامل السابقة عقّدت من مهمة تسعير السيارات الجديدة وقطع غيارها.

وبيّن أن أسعار السيارات أو قطع الغيار كانت تتضاعف بالليرة السورية خلال فترات قصيرة نسبيًا، الأمر الذي جعل العمل في السوق السورية معقدًا ومليئًا بالمخاطر والشبهات بالنسبة لوكالات السيارات الأجنبية، مما ترك السوق تحت رحمة التجار والمهربين.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.