4 يناير 2026Last Update :
صدى الإعلام – بقلم: اللواء أنور رجب – في الذكرى الحادية والستين لانطلاقة الثورة الفلسطينية، وميلاد حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” نستحضر مسيرة وطنية عميقة الجذور، بدأت ثورة للتحرر والكرامة، وتطورت مشروع دولة يسعى إلى تجسيد الحق الفلسطيني واقعاً سياسياً وقانونياً على أرض الوطن وبين الأمم. إنها ذكرى ليست للاحتفاء فقط، بل للمراجعة الواعية، واستخلاص العبر، وتجديد العهد على طريق الحرية والاستقلال.
انطلقت «فتح» من رحم المعاناة، حاملة راية الكفاح الوطني الشامل، فجمعت الفلسطينيين على برنامج تحرري جامع كانت حاضنته الرئيسية وقادته بكل وطنية واقتدار، ونجحت في إعادة الاعتبار للهوية الوطنية الفلسطينية، وفي تثبيت حضور القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية، حيث لم تكن الثورة فعلاً عاطفياً عابراً، بل رؤية منظمة أدركت تعقيدات الصراع، وربطت بين النضال الميداني والعمل السياسي والدبلوماسي، واضعة الإنسان الفلسطيني في صلب المعادلة.
ومع تعاقب المراحل، قادت “فتح” التحول من الثورة إلى بناء مؤسسات الدولة، فأسست لنهج وطني مسؤول يقوم على الشرعية، وسيادة القانون، وبناء المؤسسات، وتكريس الأمن والاستقرار، باعتبارهما شرطين أساسيين لصمود المجتمع وقدرته على مواجهة الاحتلال. هذا التحول لم يكن تراجعاً عن الثوابت، بل ارتقاء بأدوات النضال، واستثمار واعٍ للتوازن بين القوة السياسية والدبلوماسية، وحكمة الإدارة الرشيدة للصراع.
وفي إطار قيادة حركة فتح للمشروع الوطني حافظت على مجموعة من الثوابت ذات الصلة بإدارة العلاقات الداخلية وصياغة منظومة من المواثيق والقوانين والآليات تضبط إيقاع الجهد الوطني وتصهر كل الطاقات والأحزاب والحركات ذات الأيديولوجيات متعددة المشارب والاتجاهات تحت عنوان واحد هو منظمة التحرير.
أول هذه الثوابت، الحفاظ على القرار الوطني المستقل بما لذلك من استحقاقات وأثمان باهظة، والثاني: تجنب الاصطفاف ضمن أي محاور إقليمية أو دولية، والثالث: التمسك بالمظلة العربية وعدم التخلي عنها بغض النظر عن مستوى التباين في وجهات النظر، أما الرابع فكان التمسك بالفهم الوطني وتعزيز الثقافة الوطنية كنهج أصيل ضمن المنظومة التربوية للحركة في إطار إدارة العلاقات الداخلية مع الشركاء في مشروع التحرر الوطني، بما فيها حركة حماس التي تبنت نهجاً ومشروعاً موازياً للمشروع الوطني وعلى النقيض منه، وقدمت نفسها بديلاً لمنظمة التحرير الإطار الجامع والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
وفي المقابل، لا يمكن تجاوز الدروس القاسية التي جلبتها السياسات والبرامج والرؤى المضادة التي فرضها المشروع الاخواني الموازي العابر للحدود وللوطنية الفلسطينية، وما خطه من نهج قائم على التموضع ضمن محور إقليمي تقوده إيران يتبنى برنامجا مضادا للمشروع الوطني الفلسطيني ويتعارض في العموم مع مصالح المظلة العربية وفي مواجهة دائمة مع المجتمع الدولي.
أما الأخطر فكان تبني منظومة فكرية وتربوية قائمة على الاستعلاء والإقصاء والتقسيم الحاد والمتضاد للمجتمع، والتأصيل للعنف واستباحة الدماء كأسلوب لإدارة العلاقة مع الآخر الوطني، حيث توالت الكوارث من الانقلاب الدموي عام 2007 وما رافقه من قتل مئات الفلسطينيين عن سبق إصرار وترصد، مروراً بتجربة حكم قهرية أنهكت أهلنا في قطاع غزة وأسست لانقسام سياسي وجغرافي استثمرته دولة الاحتلال لتقويض القضية الفلسطينية، وصولاً إلى مغامرة وكارثة السابع من أكتوبر وتداعياتها المدمرة على القضية الفلسطينية والانسان الفلسطيني لا سيما في قطاع غزة.
لقد كشفت هذه المحطات، بما لا يدع مجالا للشك، أن القرارات الفردية، وتوريط شعبنا ضمن سياسة المحاور وفي مواجهات غير متكافئة، لا تخدم قضيتنا، بل تفتح أبواب النكبات، وتمنح الاحتلال ذرائع لمراكمة جرائمه وتدمير مقدرات شعبنا. إن وحدة القرار الوطني، واحترام الشرعية والتمسك بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً، وتغليب المصلحة العليا للشعب الفلسطيني ضمن ثقافة ومنظومة تربوية وطنية تعلي من شأن الوطن والمواطن، هي الدروس الأهم التي يجب أن نستخلصها حفاظاً على دماء أبناء شعبنا ومستقبل قضيتنا، وهو ما يستدعي أن نقف اليوم بكل جرأة لقراءة المرحلة السابقة وتقييمها، وإعادة النظر في فهمنا لإدارة علاقاتنا الداخلية وفق معايير وطنية تضع مصلحة الوطن والمواطن كأولوية ضمن منظومة الثوابت الأربعة التي تمسكت بها فتح، والتي بموجبها استحقت فتح أن تسمى أم الجماهير، وقبيلة الشعب، والحركة التي تشبه شعبها.
إن المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة، تفرض علينا وقفة صريحة مع الذات، فقد ولى زمن الشعارات الغوغائية، ودخلنا مرحلة لا تحترم إلا الكيانات السياسية المنظمة والقادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه شعبها وتجاه المجتمع الدولي. إن انتقالنا من “عقلية الثورة” و”واقع السلطة” إلى “استحقاق الدولة” هو معركة الوعي الكبرى التي نخوضها اليوم والتي لا تحتمل الخطاب المزدوج أو المواقف المرتبكة والمترددة.
