أعلنت فرنسا، عزمها رفض الاتفاقية التجارية بين الاتحاد الأوروبي، ودول أميركا الجنوبية الأعضاء في كتلة السوق المشتركة “ميركوسور” وذلك قبل تصويت مهم، الجمعة، في بروكسل، وسط محاولات أوروبية للرد على انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب للقارة وقادتها، وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة.
و”ميركوسور”، هي السوق المشتركة لدول أميركا الجنوبية، تأسست في البداية من قبل الأرجنتين والبرازيل وباراجواي وأوروجواي، ثم انضمت إليها فنزويلا وبوليفيا، وتُعد نموذجاً للتعـاون بين دول الجنوب.
وكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في منشور على منصة “إكس”، الخميس: “قررت فرنسا التصويت ضد توقيع الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور”، واصفاً توقيع الاتفاقية بأنه “ليس نهاية القصة”.
وقال ماكرون: “سأواصل الكفاح من أجل التنفيذ الكامل والملموس للالتزامات التي حصلنا عليها من المفوضية الأوروبية وحماية مزارعينا”، مضيفاً أن “الفوائد الاقتصادية لاتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور ستكون محدودة بالنسبة للنمو الفرنسي والأوروبي”.
وقال مسؤول في قصر الإليزيه إن ماكرون والحكومة توصلوا إلى أن هناك “رفض سياسي إجماعي” للاتفاق التجاري في فرنسا، و”أن فوائد الاتفاق لا تبرر تعريض القطاعات الزراعية للخطر”، وفق ما أوردت مجلة “بوليتيكو”.
وذكرت المجلة أن الاتفاق واجه معارضة منذ فترة طويلة من مختلف الأطياف السياسية في فرنسا، ورفضاً شديداً من المزارعين. وعادت الجرارات مجدداً إلى شوارع باريس، الخميس، للاحتجاج على الاتفاق، وتجمعت أمام الجمعية الوطنية (البرلمان).
ورحبت فرنسا بالخطوات الأخيرة التي اتخذها الاتحاد الأوروبي لجعل الاتفاق أكثر قبولاً، التي تشمل زيادة الضمانات الزراعية وتعهدات تمويل جديدة في الميزانية طويلة الأجل للكتلة، لكنها شددت على أن هذه التدابير لم توضع بعد في صيغتها النهائية، ولم تدخل حيز التنفيذ.
أقلية معرقلة
يأتي هذا الإعلان قبل ساعات من تصويت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على الاتفاق. وإلى جانب بولندا، كانت فرنسا أشد منتقدي الاتفاق؛ لكن هاتين الدولتين لا يشكلان العدد الكافي من الأصوات لعرقلة الاتفاق، الجمعة، لا سيما إذا أيدته إيطاليا.
وللموافقة على الاتفاقية، التي استغرق إعدادها أكثر من عقدين وستنشئ منطقة للتجارة الحرة تضم أكثر من 700 مليون شخص، يجب أن تحظى بأغلبية مؤهلة من 15 دولة من أصل 27 دولة في الاتحاد الأوروبي تمثل 65% من سكان الاتحاد.
ولم يذكر المسؤول في قصر الإليزيه أي سيناريو يمكن أن يؤدي إلى رفض الاتفاق، من قبل ما يسمى بـ “أقلية معرقلة” من الدول، وقال إن نتيجة التصويت يمكن توقعها “بشكل واضح تماماً”، مشدداً على أنه لا ينبغي تنفيذ الاتفاقية التجارية بشكل مؤقت، حتى يوافق عليها البرلمان الأوروبي.
وتخشى باريس أن يؤجج الاتفاق غضباً شعبياً ضد المؤسسة السياسية، في وقت يتصدر فيه اليمين المتطرف استطلاعات الرأي للانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027.
وفي حال الموافقة على الاتفاقية، ستسافر رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى باراجواي لتوقيعها في مطلع الأسبوع المقبل.
وفي ديسمبر 2024، توصل الاتحاد الأوروبي وتكتل “ميركوسور” إلى اتفاق للتجارة الحرة بعد 25 عاماً من المحادثات، وسط مخاوف من إثارة انقسام عميق بين دول أوروبا في ظل معارضة فرنسا ودول أخرى للاتفاق.
وتضمن الاتفاق تعديلات على المشتريات العامة وتجارة السيارات وصادرات المعادن الحيوية مقارنة بنسخة جرى الاتفاق عليها في عام 2019. كما أرفق به ملحق عن التدابير البيئية لتهدئة مخاوف أميركا الجنوبية من نزعة حمائية بالاتحاد الأوروبي.
انقسام بشأن الاتفاق
وأشارت “بوليتيكو” في وقت سابق، إلى أن هجوم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على القارة الأوروبية وقادتها، أقنع قيادة الاتحاد الأوروبي بأن إحراز تقدم في اتفاق التجارة “المتعثر” مع السوق المشتركة لدول أميركا الجنوبية (ميركوسور) سيكون أفضل وسيلة لإظهار ثقلها الجيوسياسي في منطقة تتنافس على استقطابها كل من الصين والولايات المتحدة.
ونقلت المجلة عن مسؤول أوروبي رفيع قوله: “الرد على الولايات المتحدة بشأن تدهور أوروبا، والرد على استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وعلى اتفاق التجارة الأميركي، والرد على الصين وروسيا، وعلى تزايد النزعة النفعية بين القوى، هو ميركوسور”.
وواجه قادة الاتحاد الأوروبي مقاومة راسخة في فرنسا وشكوكاً متنامية في إيطاليا، حيث تسود معارضة الاتفاق الطبقة السياسية بأكملها منذ سنوات، بسبب مخاوف من أن يُعرض مزارعيها المؤثرين لتدفق واسع لمنتجات أميركا اللاتينية الأرخص.
وبالنسبة لمؤيدي الاتفاق، يُعد تعزيز الروابط مع تكتل “ميركوسور”، اختباراً رئيسياً لما إذا كانت باريس تريد فعلاً أن تقف أوروبا على قدميها بعد سنوات كانت فيها أعلى الأصوات دفاعاً عن سيادة أوروبا.
تجادل مجموعة من الحكومات، تقودها ألمانيا وإسبانيا، بأن اللحظة قد حانت لكي تدعم فرنسا حديثها عن السيادة بأفعال ملموسة، محذرة من أن تعطيل باريس لاتفاق مع “ميركوسور” يقوض مساعي أوروبا للاعتماد على نفسها. وبالنسبة إلى تلك الدول، يمثل الاتفاق مع “ميركوسور”، “فرصة ذهبية” لشركاتها للتوسع في أسواق جديدة ذات توجهات مماثلة، بعيداً عن الصين أو الولايات المتحدة.
وفيما تدعم برلين الاتفاق بقوة، باعتباره فرصة حيوية لدعم الاقتصاد الألماني، ترفضه فرنسا بشدة، متخوفة من تأثيرها السلبي على قطاع الزراعة في البلاد.
