– أمير حقوق

يبرز في الدراما السورية توجه لافت، إذ إن هناك فنانين وممثلين يزاحمون صناع المحتوى على منصة “تيك توك”، بينما يشق “تيك توكرز” طريقهم نحو الدراما، في حالة تبادل أدوار.

يعكس هذا التوجه العكسي حالة انتقالية تعيشها الثقافة البصرية الدرامية في سوريا، عبر فنانين يعيدون تعريف حضورهم، وصناع محتوى يطمحون لتثبيت أقدامهم في عالم التمثيل، وبين الطرفين، يقف الجمهور حكَمًا نهائيًا، يقرر من يستحق البقاء، ومن كانت شهرته مجرد “ترند” عابر.

لم يعد ظهور الممثل السوري مقتصرًا على الشاشة الصغيرة أو خشبة المسرح، فقد اتجه عدد متزايد من الفنانين إلى “تيك توك” بوصفها منصة سريعة للوصول إلى جمهور واسع، خاصة فئة الشباب.

وبالتالي باتت الفيديوهات القصيرة، والبث المباشر، والمقاطع اليومية غير الرسمية، أدوات جديدة للفنان للتواصل، وترويج أعماله، وأحيانًا لتأمين دخل إضافي في ظل تراجع الإنتاج الدرامي وقلّة الفرص.

في المقابل، تشهد الدراما السورية دخول وجوه قادمة من “تيك توك” ووسائل التواصل الاجتماعي، كقمر الطائي وبيسان إسماعيل وسوناتا سكاف.

تداخل بين حقلين مختلفين

هذا العبور من الهاتف إلى الكاميرا الاحترافية، والتوجه العكسي بين الفنانين وصناع المحتوى، أثار جدلًا واسعًا بين النقاد والجمهور، فبين من يراه تجديدًا وضخ دماء جديدة، ومن يعتبره تهديدًا لمعايير المهنة وإقصاء للممثلين، مع اضطرارهم للجوء للمنصات الرقمية بغية الاستمرارية والمال، ويبقى السؤال مفتوحًا حول حدود الموهبة ودور الشهرة في صناعة الفن.

الناقد الفني عامر عامر قال، إن المشهد اليوم أمام حالة تداخل بين حقلين مختلفين، هما حقل فني تقليدي (الدراما، السينما) تحكمه معايير مهنية، وهرمية إنتاج، وزمن طويل لبناء النجومية، وحقل رقمي سريع (تيك توك) يقوم على الانتشار اللحظي، والخوارزميات، وبناء الشهرة من دون وسيط مؤسسي.

وأضاف الناقد، في حديث إلى، أن التوجه العكسي لا يعني تبادل أدوار بقدر ما يعكس أزمة في البنية التقليدية للإنتاج الفني، مقابل تغيرات في اقتصاد السوق.

فالفنانون يتجهون إلى “تيك توك” لاستعادة جمهور فقدوه أو لم يعودوا يصلون إليه عبر الشاشة التقليدية، وصناع المحتوى يتجهون إلى الدراما بحثًا عن الشرعية، والاعتراف، والانتقال من “الترند” إلى “الاسم”.

 

الممثلون يذهبون إلى منصة “تيك توك” كي لا يغيبوا، أما صناع المحتوى فيلجؤون إلى الدراما كي يُعترف بهم.

عامر عامر

ناقد فني

 

صورة الفنان مهددة

يؤثر توجه الفنانين إلى منصة “تيك توك” على مدى تفرغ الفنان لمشاريع درامية يشارك فيها من ناحية، وعلى صورته بين الجمهور من ناحية ثانية، فقد يتسبب كلام متسرع أو رد فعل خاطئة على “تيك توك”، بالتأثير على صورة الفنان، وفق ما قاله الصحفي والناقد الفني أنس فرج.

وأشار فرج، في حديث ل، إلى أن ذلك بعكس صناع المحتوى، من الذين تساعدهم جماهيريتهم على هذه المنصات وأرقام المتابعين لديهم في الوصول للأعمال الدرامية، وهو ما يثير شهية المنتجين لإشراكهم في هذه الأعمال، بغض النظر عن مدى إتقانهم للدور الذي يقدمونه، وأخذهم الفرصة من ممثل احترافي يستحقها.

مصدر رزق واستمرار

بين الدوافع الاقتصادية، واستمرارية الوجود، والوصول للجمهور، يشرح نقاد الفن عوامل هذا التوجه العكسي، الذي يسود المشهد الفني بسوريا اليوم.

يرى الناقد الفني أنس فرج، أن عوامل عديدة تقف خلف هذا التوجه، أبرزها العامل الاقتصادي، فمع كثرة العاملين في المجال الفني وقلة عدد الأعمال، مع حالة من “الشللية”، يندفع عدد من الممثلين للبحث عن مصدر كسب آخر مع قدرة منصة مثل “تيك توك”على تحقيق ربح سريع، ما يسهل عملية الاشتراك والظهور عبر المنصات.

بالتوازي مع حاجة الممثلين بالمقابل لحضور إعلامي مستمر، واستقطاب ذاكرة الجيل الجديد المتابع لهذه المنصات، فضلًا عن تواصلهم مع صناع محتوى ومؤثرين عبر هذه “اللايفات”، ما يعني وصولهم لشريحة مختلفة من المتابعين.

يوافقه الناقد الفني عامر عامر، معتبرًا أن تراجع فرص العمل الفني وضيق السوق الدرامي، مع انكسار النموذج القديم للنجومية، حيث لم تعد الشاشة وحدها كافية، والحاجة للتواصل المباشر مع الجمهور من دون وسيط محدد كشاشة التلفزيون، بالإضافة إلى أن المنصات تفتح مصادر دخل جديدة أو بديلة، تعتبر أبرز العوامل التي غذت هذا التحول.

ماذا عن الدراما؟

تبقى الدراما السورية المتأثر الأساسي وسط هذه التوجهات والتبدلات، مع احتمالية الشقين الإيجابي والسلبي لها، بحسب ما يعتقده نقاد الفن.

الناقد عامر عامر، أشار إلى أن الأمر قد يُفقد بعض الفنانين هالتهم إذا لم يحسنوا إدارة حضورهم في هذه المنصات، ويكشف أحيانًا فجوة بين الموهبة الأدائية والقدرة على التواصل الرقمي، لكنه ليس خطرًا بحد ذاته، إن تم بوعي وحدود.

أما عن دخول صناع المحتوى إلى الدراما، فهنا الخطر الأكبر، بحسب تعبيره، وذلك سيرتب تشويه مفهوم التمثيل إذا تم التعاطي معه كمحتوى سريع، أيضًا يضرب مبدأ العدالة المهنية، مع هيمنة حالة تراجع الأداء في حال لم يخضع صانع المحتوى للتدريب والتقييم.

ولا بد من التذكير بأن الدراما السورية تعاني أصلًا من أزمة نصوص، وضعف إنتاج، وتكرار وجوه، وإضافة عناصر غير مؤهلة قد تفاقم الأزمة بدل أن تحلها.

جودة الأعمال المقدمة

يؤثر هذا التوجه على الدراما بتشتت ذهن الفنان، خاصة أن بعضهم قد يخرج في “لايف” خلال كواليس تصوير عمل درامي، كما يؤثر على صورة الفنان واتزانه وصورته الذهنية التي بناها أمام الجمهور كممثل لديه أدوات تأثير فنية يتواصل من خلالها مع الجمهور عبر شخصيات درامية مدروسة بعناية، بحسب ما قاله الناقد الفني أنس فرج.

وأضاف أن هذا التوجه قد ينعكس على جودة الأعمال المقدمة مع تحول جزء منها إلى حالة “ترند”، ودفع الجمهور للتفاعل معها كمادة استهلاكية، فضلًا عن استغلال الجماهيرية عبر هذه المنصات لتصدير أسماء غير احترافية لمواقع تعب فنانون سنوات طويلة للوصول إليها.

وفي الختام، توجه الناقدان عبر، بتوجيه عدة مقترحات لتحسين صورة المشهد، وحث صناع الدراما السورية على حماية صورتها، وفق ما يلي:

  • الفصل بين الشعبية والموهبة، فالمتابعون ليسوا بديلًا عن الكفاءة.
  • وضع معايير واضحة للدخول إلى التمثيل، واختبارات أداء حقيقية.
  • استخدام صناع المحتوى بذكاء لا بسطحية، ويمكن الاستفادة منهم في أدوار تناسب أدواتهم، لا في أدوار مركزية من دون تأهيل.
  • تأكيد مسؤولية المنتجين عن حماية صورة الدراما السورية من خلال الاستثمار في النص، وإعادة الاعتبار للممثل المحترف، وخلق نجومية قائمة على العمل لا “الترند”.
  • تحسين أجور الفنانين السوريين وتحرك عاجل من النقابة لدعم الفنانين خاصة العاطلين عن العمل.
  • ضبط ظهور الفنانين عبر منصة “تيك توك” بتقنين لطريقة ظهورهم وطبيعة المحتوى الذي يقدمونه، وعدم الإفساح لمشاهير “تيك توك” لتصدر المشهد الدرامي.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.