في سباق عالمي محموم لتبنّي الذكاء الاصطناعي، اتجهت دول كثيرة إلى التركيز على الخوارزميات والمنصات والتطبيقات السريعة، فيما اختارت دولة الإمارات مسارًا مختلفًا بدأ بخطوة أقل ضجيجًا وأكثر تأثيرًا وهو بناء الإطار الذي يحكم الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقه على نطاق واسع.
هذا المسار، الذي يربط التقنية بالسياسات العامة والأمن السيبراني وحوكمة البيانات، لم يأتِ بوصفه رد فعل متأخر، بل كخيار استراتيجي مبكر جعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من منظومة وطنية متكاملة، لا مجرد أداة رقمية.
وفي هذا السياق، يوضح المهندس عبيدة أبو قويدر، الخبير في الأمن السيبراني، في حديث لوكالة ستيب ميوز أن التجربة الإماراتية تُعد نموذجًا مختلفًا في إدارة الذكاء الاصطناعي، لأنها قامت على التشريع والحماية والحوكمة، قبل التوسع في الاستخدامات والخدمات، ما أعاد رسم قواعد التعامل مع هذه التقنية على مستوى الدولة.
تشريعات البيانات أساس التحول الآمن
ويعدّ صدور القانون الاتحادي لحماية البيانات الشخصية أحد الركائز الأساسية في هذا المسار، حيث يترجم مفهوم الذكاء الاصطناعي المسؤول إلى التزامات قانونية واضحة على المؤسسات، تشمل تقليل جمع البيانات، وتحديد الغرض من استخدامها، وتنظيم الوصول إليها، وتوثيق عمليات المعالجة، وضمان حقوق الأفراد.
وبحسب أبو قويدر، فإن وجود هذا الإطار القانوني يحدّ تلقائيًا من فوضى البيانات، ويمنع الاستخدام غير المنضبط للمعلومات، وهو ما يُعد عنصرًا حاسمًا في أي منظومة ذكاء اصطناعي تعتمد على البيانات بوصفها وقودًا رئيسيًا.
الأمن السيبراني جزء من المعادلة
ويؤكد الخبير في الأمن السيبراني أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن فصله عن الأمن السيبراني، مشيرًا إلى أن وجود استراتيجية وطنية للأمن السيبراني يوفر مظلة شاملة تحمي التحول الرقمي بكامل مكوناته، بما في ذلك أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ويضيف أن هذه الاستراتيجية ترفع الحد الأدنى للأمن السيبراني على مستوى المؤسسات، وتوفر مرجعية وطنية لبناء الجاهزية والمرونة في مواجهة التهديدات المتغيرة، لا سيما مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى بيئات العمل والخدمات العامة.
حوكمة قابلة للتطبيق لا شعارات
وفيما يتعلق بالحوكمة، يوضح أبو قويدر أن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في الإمارات لا تكتفي بطرح طموحات عامة، بل تربط مفهوم الذكاء الاصطناعي المسؤول (Responsible AI) بتجارب حكومية قابلة للقياس والتنفيذ داخل الجهات.
ويشير إلى أن تقليل التحيّز في الخوارزميات، على سبيل المثال، لا يتم عبر النوايا الحسنة، بل من خلال آليات عملية تشمل اختبار النماذج على عينات متنوعة، والمراقبة المستمرة لأدائها بعد التشغيل، وضمان قدر من الشفافية يتيح فهم أسباب القرارات التي تنتجها الأنظمة الذكية، خصوصًا في القطاعات الحساسة مثل التوظيف والائتمان والخدمات العامة.
السيادة على البيانات والتشغيل
ويلفت أبو قويدر إلى أن الاستثمار في البنية التحتية المتقدمة والحوسبة الفائقة لا يهدف فقط إلى تعزيز الابتكار، بل يخدم مفهوم السيادة على البيانات والتشغيل. فحين يتم تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي داخل بيئات خاضعة للسياسات الوطنية، تنخفض مخاطر نقل البيانات الحساسة إلى منصات خارجية، وتصبح عمليات الامتثال والتدقيق أكثر قابلية للتحكم.
كما يحذّر من الاعتماد الكامل على مزودي خدمات خارجيين، مشيرًا إلى أن أي تغيير في السياسات، أو انقطاع في الخدمة، أو قيود تتعلق بالتراخيص أو التصدير، قد يؤدي إلى تعطّل أنظمة حيوية، وهو ما يجعل بناء قدرات محلية مسألة أمن رقمي وسيادي في آن واحد.
تهديدات جديدة تتطلب هندسة أمنية مختلفة
ومع توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي، يلفت أبو قويدر إلى ظهور أنماط جديدة من التهديدات السيبرانية، مثل تسميم بيانات التدريب، وهجمات Prompt Injection على الأنظمة التوليدية، وتسريب البيانات عبر المخرجات، إضافة إلى مخاطر سلاسل التوريد المرتبطة بالنماذج والمكتبات البرمجية.
ولتقليل هذه المخاطر، يشدد على أهمية اعتماد حوكمة ذكاء اصطناعي داخل الجهات، تشمل إنشاء سجل للنماذج المستخدمة، وتصنيف مستويات المخاطر، وإجراء اختبارات أمنية قبل الإطلاق، ومراقبة مستمرة بعد التشغيل، إلى جانب خطط استجابة مخصصة للحوادث المرتبطة بالأنظمة الذكية.
نحو مرجعية عالمية في الذكاء الاصطناعي
ويرى الخبير في الأمن السيبراني أن التحول إلى مرجعية عالمية في الذكاء الاصطناعي لا يُقاس بامتلاك أقوى نموذج فقط، بل بقدرة الدولة على الجمع بين رؤية وطنية واضحة، وتشريعات بيانات متوازنة، ومظلّة أمن سيبراني تعزز الثقة وتدعم الابتكار في آن واحد.
ويؤكد أن هذا التكامل هو ما يميز التجربة الإماراتية، ويضعها في موقع متقدم ضمن الدول التي لا تكتفي باستخدام الذكاء الاصطناعي، بل تسعى إلى تنظيمه وتأمينه وتوظيفه ضمن إطار مستدام يخدم الإنسان والمجتمع.
المصدر: وكالة ستيب الاخبارية
