– شعبان شاميه
شهدت عدة محافظات في سوريا، لا سيما بشمالها ووسطها وبالمنطقة الساحلية، هطولات مطرية عالية الغزارة خلال الفترة الماضية، أنهت فترة طويلة من الانحباس المطري، رافقتها هطولات ثلجية على أقصى الشمال وبعض المرتفعات الجبلية.
وأعادت هذه الهطولات الحياة إلى الأودية والينابيع، ورفعت منسوب التفاؤل لدى المزارعين، غير أن هذا التفاؤل لا يخلو من حذر، في ظل تساؤلات مشروعة حول قدرة هذه الأمطار على إنقاذ الموسم الزراعي وتعويض سنوات الجفاف والاستنزاف المائي.
رئيس مركز التنبؤ المركزي في المديرية العامة للأرصاد الجوية، التابعة لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية، شادي جاويش، قال ل، إن بداية الموسم المطري الحالي كانت ضعيفة نسبيًا خلال فصل الخريف في معظم المناطق، كما كان من المتوقع تأخر الهطولات حتى بداية فصل الشتاء مع وصول عدة كتل ماطرة إلى منطقة بلاد الشام خلال كانون الثاني الماضي.
وتوزعت النسب المئوية لكميات الهطول حتى الآن، بحسب جاويش، على الشكل التالي: المنطقة الجنوبية 60-65%، المنطقة الساحلية والوسطى 55-60%، المنطقة الشمالية 45-50%، المنطقة الشرقية والجزيرة 35-45% من المعدل العام للهطولات.
وأوضح جاويش أنه بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، يُعرف الجفاف بأنه حالة من النقص في المياه، والتي يمكن أن تكون نتيجة لنقص هطول الأمطار لفترة طويلة.
وأشار الراصد الجوي إلى وجود أنواع أخرى من الجفاف، مثل الجفاف الهيدرولوجي المرتبط بنقص المياه في مصادرها مثل الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية، مبينًا أنه يحدث عندما تستمر فترات الجفاف المناخي لمدة طويلة، بالإضافة إلى الجفاف الزراعي، تابع جاويش، الذي يحدث عندما تكون كمية المياه المتاحة للنباتات أقل من الكمية المطلوبة لنموها.
أما بالنسبة لتعويض مواسم الجفاف من خلال موسم مطري جيد، فإن ذلك يعتمد على عدة عوامل، بحسب جاويش، تشمل:
- مدة الجفاف: الجفاف طويل الأمد بحاجة لمزيد من الوقت لتعويض النقص في المياه.
- نوع التربة: بعض الترب تحتفظ بالمياه بشكل أفضل من غيرها، مما يؤثر على قدرة النباتات على الاستفادة من الأمطار.
- البنية التحتية: وجود أنظمة تخزين المياه مثل السدود والخزانات يمكن أن يساعد في تخزين المياه خلال مواسم الأمطار الجيدة.الاحتياجات الزراعية: قد تحتاج المحاصيل إلى كمية معيّنة من المياه، وقد لا تكون الأمطار الغزيرة كافية لتعويض النقص السابق إذا كانت غير موزّعة بشكل جيد.
وبحسب جاويش، يمكن لموسم مطري جيد أن يساعد في تخفيف آثار الجفاف، لكنه قد لا يعوّض بالكامل عن العجز الذي حدث بسبب فترة الجفاف السابقة، معتبرًا أن الأمر متشعب وبحاجة لدراسة إضافية من قبل “الموارد المائية” و”الزراعة”.
ويعتبر رئيس مركز التنبؤ المركزي في المديرية العامة للأرصاد الجوية، أن الأمور “مبشرة” حتى نهاية الشتاء على الأقل فيما يتعلق بالهطولات المطرية والثلجية، وفق ما ذكره ل.
وتراجعت حصة الفرد من المياه المتجددة في سوريا من نحو 1700 متر مكعب سنويًا عام 2003 إلى أقل من 700 متر مكعب حاليًا، وفق معطيات البنك الدولي، في حين يعد خط الندرة المائية عند أقل من 1000 متر مكعب للفرد سنويًا، ما يضع البلاد ضمن خانة الندرة المائية المطلقة، الأمر الذي يفتح نقاشًا ضروريًا حول آلية الاستفادة القصوى من كل قطرة ماء في ظل واقع مائي متدهور وتغيّرات مناخية متسارعة.
قال المحاضر في المعهد العالي للتخطيط الإقليمي وخبير إدارة الموارد المائية والطبيعية، الدكتور معن دانيال داود، ل، إن الهطولات المطرية تأخرت في كافة المناطق حتى الأيام الأخيرة من شهر كانون الأول، مُنذرة بتكرار كارثي للموسم المطري الاستثنائي للعام الهيدرولوجي 2024-2025، الذي تميّز بأنه الأكثر جفافًا منذ بدء التسجيل المناخي في منطقة شرق البحر المتوسط.
ولفت داود إلى حصول تأخر عام للهطول لا يقل عن شهرين ونصف من بداية موسم الأمطار المعتاد حتى في السنوات الجافة.
عودة الجريان إلى نهر رأس النبع بمدينة بانياس التابعة لمحافظة طرطوس بعد جفافه الموسم الماضي – 1 شباط 2026 (/شعبان شاميه)
أوضح داود أن الأمطار والهطولات كانت عاصفة متقطعة، وبعد موسم حرائق صعب في المناطق الجبلية وجفاف مديد في السهول الداخلية أتت نتائج ذلك في جريانات سطحية فيضانية لحظية، مبينًا أن هذه الجريانات أظهرت مدى تأثر سوريا ومناطقها المناخية المختلفة بمفرزات تغيرات المناخ العالمي والإقليمي.
وأضاف داود أن سوريا مرت كدولة، وإقليم جغرافي، بسلسلة موجات جفاف عميقة تؤكد أن التغير المناخي العالمي يلقي بمخرجاته من خلال تبدلات جذرية واسعة في مواعيد الهطولات وشداتها وتتالي سلاسلها، وعلى مكوّنات توزع أجزاء الدورة الهيدرولوجية من جريانات سطحية أو تغذية للمياه الجوفية.
أشار خبير الموارد المائية إلى أن الأهم في الوضع السوري أمور أخرى لها علاقة بتأثيرات نشاطات المجتمع البشري مكانيًا وأخطائه المتزايدة، على حدوث ظواهر بعينها، ويخص من تلك النشاطات منحيين:
• الأول: يرتبط بالتأثيرات الناجمة عن التوسع غير العقلاني، والمجحف معرفيًا، في استثمار واستنزاف الموارد الطبيعية، خاصة موارد المياه والتنوّع الحيوي النباتي (غابوي أو مستزرع)، مما ينعكس على مورد الأرض سلبًا في إضعاف إمكانية الأخير لمواجهة التغيرات الهيدرولوجية ويعمق حدوث تغيرات عميقة في توزع نسب الجريان السطحي وتغذية المياه الجوفية سلبًا، مع منعكس إضافي في تزايد الجريانات الصلبة المؤدية إلى تدهور الترب وانغسال المغذيات منها ومضاعفة إمكانيات الانزلاقات الأرضية في البيئات الهشّة.
• الثاني: يتعلق بأضرار الكوارث المجتمعية المختلفة (حروب ونزاعات مسلحة) المرتبطة بتراجع استعمالات الأراضي الرشيد وتلويثها بأشكال مختلفة من مفرزات الأعمال القتالية والأنقاض وسوء استخدام موارد الطاقة، وانعكاس ذلك على تزايد سرعة انتقال وتركّز الملوثات والمواد المضرّة بالأحياء كافة (وليس فقط البشر).
تنامى التراكم الكمي والنوعي لاستنزاف المجتمعات البشرية للمورد الطبيعي الرئيس الحاد لنشاطهم، المورد المائي، باعتباره معوقًا بل ومانعًا لأي نشاط عقلاني لاحق حال وجود عجز في تأمينه، خلال الفترة منذ أواسط ثمانينيات القرن الـ20، بحسب داود، ليتحول هذا التراكم تدريجيًا من جفاف هيدرولوجي (قسم أساسي منه مرتبط بتغيرات مناخية فوق وطنية، لكن قاعدته الأساس سوء تخطيط واستخدام مستنزِف للموارد المائية المتاحة، سطحية أم جوفية) إلى جفاف اقتصادي ممتد لأعوام.
أضاف داود أن هذا الأمر عمّق تدهور الأحواض المائية السطحية الفرعية وجفّف حوامل وخزانات مائية جوفية رئيسة، مثل ينابيع الخابور وقسم كبير من مناطق جنوبي سوريا.
وذكر داود أن لهذا آثارًا كثيرة برزت في خروج أراضٍ تزايدت مساحاتها باستمرار من الاستثمار الزراعي النباتي المروي، وفي ارتفاع مطّرِد لتكاليف تأمين وإتاحة مورد المياه متزايد النزرة.
هذا الجفاف الاقتصادي تحول في مناطق الجزيرة السورية وأرياف حلب والمناطق المحيطة بالبادية السورية، إلى جفاف اجتماعي تعمّق على فترات، وفق الخبير، ليتسبب في:
• نزاعات عميقة ودموية على الموارد الطبيعية، الأرض ومصادر المياه، بين مكونات سورية أصيلة متجاورة ومترابطة تاريخيًا خاصة بين العاملين في منظومتي إنتاج الغذاء القائمتين على زراعة نباتية مروية مستقرة وإنتاج زراعي حيواني مرتكز على الرعي المتنقِّل.
• هجرات بيئية واسعة من أرياف محافظات الجزيرة الثلاث وجبل العرب وجبل الحص وسهول الحمرات وصرّين سواء ضمن الداخل السوري أو إلى خارجه، شملت تلك الهجرات مئات ألوف السوريين حتى نهاية العقد الأول من القرن الـ21.
كان ذلك في خلفية انفجار الأزمة البنيوية الوطنية متعددة الأطياف بشكل ثورة ضد نظام استغلال غولي متعدد الرؤوس، بحسب الخبير المائي، وهو الآن أيضًا أحد أسباب التشظي العميق للمجتمعات المحلية وفقدان الهوية الوطنية الجامعة.
تابع داود أنه لا يمكن من خلال بوادر موسم مطري لم ينتهِ بعد إلا القول، غير جازمين وإنما بشكل أولي، إن الواردات المطرية الجيدة نسبيًا يمكن لها تحسين الوضع المائي والبيئي العام جزئيًا، لكن التحسن بمجمله مرتبط بكيفية تعامل المجتمع البشري تاليًا مع موارده الطبيعية النزرة بشكل عقلاني.
ويرى داود أن هذا الكلام ليس تعبيرًا عن تشاؤم، بل هو دعوة للفعل العاقل القائم على العلم أولًا، وعلى استخدام أفضل الممارسات المجتمعية الرشيدة للموارد المتاحة، والتي برزت في تاريخنا الجمعي من خلال القول المأثور: “لا تُسرف ولو كنت على نهر جارٍ”.
تبرز في هذا المجال أدوات وآليات علمية مجتمعية متخصصة لتحقيق ذلك، بحسب داود، لكنها محصورة أولًا بالمخططين والمديرين الوطنيين لعمليات تخصيص وإدارة واستثمار الموارد، ليكون نتاجها نظامًا مستدامًا أكثر كفاءة اجتماعيًا واقتصاديًا وحقوقيًا ليس فقط على المستوى الوطني بل وحتى على مستوى الأفراد والجماعات.
ويتحتم على أولئك (بصفتهم عاملين في الشأن العام، موظفين حكوميين، باحثي مراكز البحث العلمي متعددي الاختصاصات، وناشطين مجتمعيين) إيفاء العملية التخطيطية أسسها ومحددات استخدام مواردها بشكل تشاركي معلن وواضح، أضاف الخبير، لتكون مانعة لأي تخطيط بعجز في تأمين الطلب على المورد المائي ودون أي استثناء.
ولفت داود إلى أن هذا يجب أن يكون في كل الأحواض المائية ولكامل القطاعات الإنتاجية الاقتصادية المتعلقة بنشاطات المجتمع البشري تنموية أو خدمية أو لأغراض الإصحاح البيئي.
ينعكس هذا لاحقًا وتدريجيًا من سنة لأخرى في انخفاض تكاليف إنتاج الغذاء مكانيًا ووطنيًا، وفي الحد من استنزاف الموارد المائية وصولًا إلى إعادة توازن أحواضها الصغرى وأعالي مساقطها المائية أولًا، تابع داود، إضافة إلى تحسين الغطاء الأرضي النباتي طبيعيًا أم مستزرعًا بشكل حثيث مع منعكسات ذلك على صحة المجتمعات الحية فيه.
العالم يدخل عصر “الإفلاس المائي”
كان تقرير أطلقته جامعة الأمم المتحدة، أظهر قبل أيام أن العالم دخل عصر “الإفلاس المائي العالمي”، إذ لم تعد أنظمة المياه قادرة على العودة إلى مستوياتها السابقة.
وأوضح التقرير أن مصطلحي “الإجهاد المائي” و”أزمة المياه” لم يعودا كافيين لوصف واقع المياه الجديد في العالم، فقد تجاوزت العديد من الأنهار والبحيرات والخزانات الجوفية والأراضي الرطبة والأنهار الجليدية نقاط التحوّل، ولا يمكنها العودة إلى مستوياتها السابقة، مما يعني أن مصطلح الأزمة المؤقتة لم يعد دقيقًا في العديد من المناطق.
وكشف رئيس مركز التنبؤ المركزي في المديرية العامة للأرصاد الجوية، شادي جاويش، ل، أن توقعات الشتاء في سوريا لا تزال تشير إلى استمرار الحالات الجوية حتى شهر آذار المقبل، متوقّعًا أن تضعف الفعالية في شهر شباط خاصة بالثلثين الثاني والثالث منه، على أن تعود خلال آذار.

عودة الجريان إلى نهر رأس النبع بمدينة بانياس التابعة لمحافظة طرطوس بعد جفافه الموسم الماضي – 1 شباط 2026 (/شعبان شاميه)
Related
المصدر: عنب بلدي
