دخل الصراع بين بكين وطوكيو مرحلة جديدة من التوتر، بعدما فرضت وزارة التجارة الصينية، الثلاثاء، قيوداً على 20 كياناً يابانياً من خلال إدراجها بقائمة ضوابط التصدير الخاصة بها للمواد ذات الاستخدام المزدوج، أي السلع التي يمكن أن تستخدم لأغراض مدنية وعسكرية على حد سواء.

كما وضعت وزارة التجارة الصينية 20 كياناً آخر على قائمة المراقبة، مستشهدةً بعدم إمكانية التحقق من المستخدمين النهائيين، والاستخدامات النهائية لمنتجات حساسة ذات استخدام مزدوج.

والخطوة الصينية هي الأولى من نوعها لإدراج شركات يابانية ضمن سجل ضوابط التصدير الصيني منذ إطلاقه في يناير 2025، ما يُبرز قلق الصين من اندفاع الحكومة اليابانية نحو “إعادة التسلّح وامتلاك أسلحة نووية”.

وجاء تصاعد النزاع بين أكبر اقتصادين في آسيا بعد تصريحات أدلت بها رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البرلمان، نوفمبر الماضي، واعتبرت فيها أن “أي تحرك عسكري صيني في تايوان قد يشكّل تهديداً وجودياً لليابان”، ما يمكن أن يبرر التدخل العسكري. 

ولم يُخفِ مسؤول صيني، فضل عدم الكشف عن هويته، في تصريح لـ”الشرق”، سعي بلاده للضغط على رئيسة الوزراء اليابانية للتراجع عن تصريحاتها المتعلقة بتايوان.

ورداً على تصريحات تاكايتشي، اتخذت الصين خطوات متعددة للضغط على اليابان، بما في ذلك حثّ مواطنيها على عدم زيارة الدولة المجاورة، وإعادة النظر في دراسة الطلاب الصينيين في الجامعات والمعاهد اليابانية.

وفي يناير، أكدت الصين مجدداً أن اليابان لا يحق لها التعليق على المسائل المتعلقة بتايوان، قبل أن تعود تاكاييتشي، ديسمبر الماضي، لتؤكد موقف بلادها المعلن منذ عام 1972، والقائم على “تفهم واحترام” موقف الصين بشأن تايوان، في تصريح اعتبره بعض مستخدمي منصات التواصل الصينية محاولة للتراجع عن تصريحاتها الأخيرة، التي أثارت التوتر مع الصين.

اليابان ترد

وردّت اليابان بقوة على تحديث الصين لضوابط التصدير، وقدّمت احتجاجاً شديد اللهجة، وطالبت بالسحب الفوري لهذه الإجراءات، حسبما أعلن متحدث حكومي رفيع المستوى، الثلاثاء. وقال نائب كبير أمناء مجلس الوزراء في اليابان، كي ساتو، خلال مؤتمر صحافي، إن هذه الخطوة “غير مقبولة على الإطلاق ومؤسفة للغاية”، مضيفاً أن الحكومة اليابانية ستقيّم التأثير المحتمل لهذه الضوابط وستنظر في الردود اللازمة.

في المقابل، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينج، خلال مؤتمر صحافي، الثلاثاء، إن “الهدف هو وقف محاولات اليابان لإعادة التسلح وحيازة أسلحة نووية. ما تفعله الصين هو أمر مشروع تماماً ومبرر وقانوني”.

وانتقد مسؤولون صينيون مراراً التصريحات التي أدلت بها تاكايتشي، وما تصفه بكين بطموحات طوكيو لـ”إعادة التسلّح”، مؤطرين هذه الخطوة على أنها إجراء ضروري لحماية الأمن القومي للصين، والاستقرار الإقليمي.

وأشارت صحيفة “سانكي شيمبون” اليابانية إلى أن إجراءات الإدراج المنسَّقة “تمثل تعزيز الصين لإجراءاتها المضادة ضد إدارة تاكايتشي”.

مسؤول صيني لـ”الشرق”: نضغط على تاكايتشي

وقال مسؤول صيني، طلب عدم الكشف عن هويته، لـ”الشرق”، إن خطوة بلاده الأخيرة “وجّهت رسالة واضحة مفادها أن موقف الصين الثابت الداعي تاكايتشي إلى سحب تصريحاتها المتعلقة بتايوان الصينية لا يزال دون تغيير، حتى بعد إعادة انتخابها”.

وذكر وي دونجشو، وهو خبير عسكري مقيم في بكين، في تصريحات لـ”الشرق”، أن “الكيانات العشرين الخاضعة لقيود التصدير ليست مؤسسات تجارية عادية، بل تُعدّ ركائز أساسية في سلسلة الصناعة الدفاعية والصناعات ذات الاستخدام المزدوج في اليابان، وتمتد عبر الصناعات الثقيلة، والفضاء الجوي، وإلكترونيات الدفاع، والمؤسسات البحثية الأساسية”.

20 كياناً يابانياً أضافتها الصين إلى قائمة ضوابط التصدير

1.    شركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة لبناء السفن
2.    شركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة لمحركات الطيران المحدودة
3.    شركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة للآلات والمعدات البحرية المحدودة
4.    شركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة للمحركات والشواحن التوربينية المحدودة
5.    شركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة للأنظمة البحرية المحدودة
6.    شركة كاواساكي للصناعات الثقيلة– أنظمة الفضاء الجوي
7.    شركة كاواجو جيفو للهندسة المحدودة
8.    شركة فوجيتسو للدفاع والأمن الوطني المحدودة
9.    شركة IHI لأنظمة الطاقة المحدودة
10.    شركة IHI ماستر ميتال المحدودة
11.    شركة IHI جيت سيرفِس المحدودة
12.    شركة IHI للفضاء الجوي المحدودة
13.    شركة IHI لتصنيع الطيران المحدودة
14.    شركة IHI لهندسة الفضاء الجوي المحدودة
15.    شركة NEC لأنظمة الشبكات وأجهزة الاستشعار المحدودة
16.    شركة NEC لأنظمة الفضاء الجوي المحدودة
17.    شركة “اليابان مارين يونايتد”
18.    شركة JMU لأنظمة الدفاع المحدودة
19.    الأكاديمية الوطنية للدفاع في اليابان
20.    وكالة استكشاف الفضاء اليابانية

تُظهر المعلومات المتاحة علناً أن خمس شركات تابعة لمجموعة ميتسوبيشي، تعمل في مجالات بناء السفن ومحركات الطائرات والآلات البحرية، إضافةً إلى ست شركات تابعة لمجموعة (IHI) في قطاعي الفضاء الجوي والمحركات، قد أُدرجت على قائمة ضوابط التصدير.

كما شملت القائمة الأكاديمية الوطنية للدفاع في اليابان، وهي المؤسسة الرئيسية لتدريب الأفراد العسكريين اليابانيين، ووكالة استكشاف الفضاء اليابانية (JAXA)، التي يمكن تكييف تقنياتها الفضائية لأغراض عسكرية.

ومن بين الكيانات البارزة الأخرى شركة ميتسوبيشي لبناء السفن، وشركة اليابان مارين يونايتد، وشركة كاواساكي للصناعات الثقيلة– أنظمة الفضاء الجوي، وشركة فوجيتسو للدفاع والأمن الوطني.

ووفقاً لتصنيف عام 2024 لأكبر 100 شركة منتجة للأسلحة في العالم، الذي أصدره معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) في عام 2025، سجلت شركات يابانية كبرى، من بينها ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة وكاواساكي للصناعات الثقيلة، نمواً ملحوظاً في المبيعات.

وقال الخبير العسكري الصيني، وي دونجشو، لـ”الشرق”، إن هذا الاتجاه “يعكس ما يصفه مراقبون بأنه اختراق تدريجي وخطير في سياسات اليابان المخففة بشأن تصدير الأسلحة، وهو ما يبرر بشكل أكبر الإجراءات التنظيمية الصينية”.

وأوضح تشو مي، وهو باحث أول في مركز أبحاث تابع لوزارة التجارة الصينية، في حديثه مع “الشرق”، أنه رغم أن قائمة المراقبة لا تفرض حظراً كاملاً، فإنها تُخضع المصدّرين لمراجعات ترخيص أكثر صرامة بكثير فيما يتعلق بالمواد ذات الاستخدام المزدوج.

20 كياناً يابانياً وضعتها الصين على قائمة المراقبة

1.    شركة سوبارو
2.    شركة فوجي لتكنولوجيا الفضاء الجوي المحدودة
3.    شركة إينيوس
4.    شركة يوسوكي المحدودة
5.    شركة إيتوتشو للطيران المحدودة
6.    شركة ليدا غروب القابضة المحدودة
7.    معهد العلوم في طوكيو
8.    شركة ميتسوبيشي للمواد
9.    شركة ASPP المحدودة
10.    شركة ياشيما دينكي المحدودة
11.    شركة سوميتومو للصناعات الثقيلة المحدودة
12.    شركة TDK
13.    شركة ميتسوي بوسان للطيران المحدودة
14.    شركة هينو موتورز المحدودة
15.    شركة توكين
16.    شركة نيسّين إلكتريك المحدودة
17.    شركة سان تكترو المحدودة
18.    شركة نيتو دينكو
19.    شركة NOF
20.    شركة ناكالاي تيسكي المحدودة

وتضمّ الكيانات المدرجة على هذه القائمة شركة “سوبارو”، التي تطوّر مروحيات لقوات الدفاع الذاتي اليابانية، وشركة فوجي للصناعات الجوية، وشركة إينيوس، وشركة يوسوكي، وشركة إيتوتشو للطيران، وجامعة طوكيو للعلوم، وشركة سوميتومو للصناعات الثقيلة. وذكرت وزارة التجارة أن السبب في إدراجها هو عدم إمكانية التحقق من المستخدمين النهائيين والاستخدامات النهائية.

وأدى النزاع حول ضوابط التصدير إلى مزيد من تصعيد التوترات الدبلوماسية بين الصين واليابان، مع امتداد الخلاف إلى سلاسل توريد المواد الحيوية. 

قلق ياباني بشأن العناصر الأرضية النادرة

وعلى الرغم من أن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت العناصر الأرضية النادرة مشمولة صراحةً في الحظر الأخير، فإنها تندرج ضمن فئة المواد ذات الاستخدام المزدوج الخاضعة أصلاً لقيود صينية؛ وهي نقطة قلق رئيسية لليابان التي تعتمد بشكل كبير على الصين في العناصر الأرضية النادرة المتوسطة والثقيلة، في ظل محدودية الموردين البدلاء، رغم امتلاك طوكيو سلسلة توريد خاصة بها للعناصر الأرضية النادرة الخفيفة. 

ورجّح رئيس اتحاد الأعمال الياباني يوشينوبو تسوتسوي، الذي يعد أقوى جماعة ضغط تجارية في البلاد، الثلاثاء، أن “يستمر الوضع غير الواضح في الوقت الراهن، والشركات اليابانية قلقة بشأن تراجع القدرة على التنبؤ”، وذلك في إشارة إلى ضوابط التصدير الصينية، وكذلك الرسوم الجمركية التي فرضتها واشنطن، داعياً الحكومة اليابانية إلى اتباع “نهج مناسب” لحل الوضع.

ونجحت اليابان بوجه عام في تنويع سلسلة توريد العناصر الأرضية النادرة لديها، بعدما كانت تعتمد على الصين في 90% من وارداتها من هذه العناصر، وانخفضت النسبة الآن إلى ما بين 60% و70%.

مع ذلك، يرى معهد “نومورا للأبحاث” أن نحو 100% من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة التي تأتي من الصين مثل الديسبروسيوم (الذي يمكن أن يُستخدم في صناعة مغناطيسات النيوديميوم للسيارات الكهربائية وتوربينات الرياح، بالإضافة إلى استخدامه في قضبان التحكم بالمفاعلات النووية)، والتيربيوم (وهو عنصر كيميائي نادر، يمكن أن يُستخدم في إضاءة الفوسفور والشاشات الملونة وكمُثبّت بلوري للوقود، وكذلك في أشباه الموصّلات وفي صناعة أجهزة الليزر، وله خصائص مغناطيسية).

خيارات تصعيد صينية

وقال شو تيانتشن، كبير الاقتصاديين في وحدة المعلومات الاقتصادية Economist Intelligence Unit – EIU، لـ”الشرق”، إن الجولة الحالية من ضوابط التصدير لا تُلحق ضربة كبيرة بالقطاع الخاص، لأن معظم الكيانات الخاضعة للعقوبات مؤسسات مرتبطة بالدفاع.

غير أنه حذّر من أنه إذا اتخذت تاكايتشي خطوات جريئة لتعزيز القدرات العسكرية لليابان وهددت بكين، فإن الصين لا تزال تملك خيارات لاستهداف شركات خاصة، ما قد يؤدي إلى مزيد من تعطيل العلاقات الاقتصادية الثنائية.

ومنذ عام 2023، شددت اليابان القيود على صادرات مُعدات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين، وأدخلت آلية لقائمة ضوابط التصدير في عام 2025.

وفي أوائل فبراير 2026، وسّعت اليابان هذه القائمة بشكل كبير، مضيفةً 42 كياناً صينياً، ليصل إجمالي عدد الشركات الصينية الخاضعة لقيود التصدير اليابانية إلى نحو 110 شركات، معظمها في مجالات أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والطباعة الحجرية (الليثوجرافيا)، والحوسبة الكمّية.

وشدّد شو على أنه رغم الترابط الاقتصادي العميق بين البلدين، إذ أن الصين أكبر شريك تجاري لليابان منذ فترة طويلة، مع أكثر من 50 ألف شركة مستثمرة يابانية وحجم استثمار تراكمي يتجاوز 130 مليار دولار، فإن بكين تصرّفت بـ”حزم لحماية الأمن القومي، والوفاء بالتزامات منع الانتشار الدولية (الخاصة بالأسلحة النووية)”.

ومع تشدد كلا الجانبين في مواقفهما، تطور النزاع حول صادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج من إجراء تنظيمي مستهدف إلى مواجهة استراتيجية أوسع، مما يزيد المخاطر على سلاسل توريد المواد الحيوية، ويزيد من توتر العلاقات الصينية- اليابانية في مجالات الأمن والتجارة والتكنولوجيا.

شاركها.