ألقى الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، كلمة اليوم، الأحد، في افتتاح مؤتمر استثمار الخطاب الديني والإعلامي وأثره على حماية وتعزيز حقوق المرأة في دول منظمة التعاون الإسلامي بالقاهرة 1 و2 فبراير 2026 وذلك برعاية الرَّئيس عبد الفتَّـاح السِّيسي.
وجاء نص كلمة شيخ الأزهر خلال المؤتمر كما يلي:
كلمة شيخ الأزهر بمؤتمر حقوقِ المـرأة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمْدُ لِلَّهِ والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنا رَسُول اللَّهِ محمد، وعلى آلِه وصَحبِه ومَن اهتَدى بهُداهـ.
دولة الرَّئيس أ.د/ مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، نائبًا عن السَّيِّدِ الرَّئيس/ عبد الفتَّاح السِّيسي رئيس جُمهوريَّة مصرَ العربيَّة!
الحُضُــور الكَــريم!
السَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبَركاتُه.. وبعد؛
فيُسعِدُني في بدايةِ كلمتِي أنْ أُرَحِّبَ بحضَراتِكم جميعًا في رِحابِ الأزهرِ الشَّريف، وهو يَزْدَهي اليومَ بهذهـ النُّخبةِ المتميِّزةِ، والكوكبةِ المتفرِّدةِ مِن عُلماءَ ومُفكِّرينَ وإعلاميِّينَ ومُثقَّفينَ؛ جاؤوا مِن أقطارٍ شَتَّى للمُشاركةِ في مُؤتمرِ: «استثمارِ الخطابِ الدِّينيِّ والإعلاميِّ، وأثَرِهـ على حمايةِ وتعزيزِ حُقُوقِ المـرأةِ في دولِ مُنَظَّمةِ التَّعاونِ الإسلاميِّ»، ولمناقشة قضايا المرأة المسلمة، وتقويم ما آلَ إليه وَضْعُها الإنسانيُّ والحضاريُّ في عالم اليوم.. وإنَّه لمؤتمرٌ بالغ الأهميَّة، بل بالغ الخَطَر أيضًا، إذا ما نُوقِشتْ قضاياهـ على ضوءِ ما يضطربُ فيما وراءَ البحارِ مِن نظريَّاتٍ وأُطروحاتٍ وثوراتٍ تتعلَّقُ بالمرأةِ وحقوقِها، والتي تَبلورَتْ في العُقُودِ القليلةِ الماضية في ثورةٍ على الأُسْرَةِ، وفي المطالبةِ بالتَّحرُّرِ من قيودِها، ومِن انحصارِ دور الزَّوجة في الأُمومة.. أو في «عُبُوديَّة التناسُل» حسب ما تقول: الأديبة الفرنسيَّة «سيمون دي بوڤوار»، والتي وَصَفَتْ مؤسَّسة الزَّواجَ بأنَّها: «سِجْنٌ أبديٌّ للمَرأةِ وإعلانٌ لنهايةِ حياتِها وانطفاءُ آمالِها وأحلامِها»..
ثم تَطوَّرتْ هذه الحركات النِّسائيَّة في الغربِ إلى مُنظَّماتٍ تَسَمَّت باسمِ: «الفيمينزم»، وتعني: الثورة النِّسَائيَّة أو: «نظرية الحقوق الجديدة»، التي تطالبُ بإعادةِ تعريفِ «الأُسرةِ» واستبعادِ أنماطِها القديمة، وتَبني أنماطٍ جديدةٍ يحلُّ فيها اسمُ: «الشَّريكِ» مَحَلَّ «الزَّوج»، وألَّا يَقتصِرَ مفهومُ الأُسرةِ على الشَّريكِ والشَّريكةِ، بل يَتَّسِعُ ليشمل الأُسْرةَ المُـــكوَّنة مِن رَجُلَيْنِ أو امرأتَيْن تربطُ بينهم العلاقات المعروفة، كما ظهرت مُصطلحاتٌ جديدةٌ كالأمِّ البيولوجيَّة والأمِّ الاجتماعيَّة والإنجابِ الصِّناعيِّ الذي تطوَّرَ أخيرًا إلى: «الرَّحِمِ الصِّناعيِّ» وما يُتيحُه من إمكان الحَمْل خارجَ الجِسْمِ الإنسانيِّ، وما يُوفِّرُهـ للمرأةِ من حريَّةٍ مُطلَقةٍ في الاستغناءِ عن الرجلِ استغناءً تامًّا إذا ما رغبتْ في إنجابِ أطفالٍ، يخرُجونَ من بُطُونِ الأجهزةِ طبقًا لما تُحدِّدهـ المرأة لطفلِها الصِّناعيِّ مِن مُواصفاتٍ وقُدراتٍ وأشكال.. وليس مِن هَمِّ هذهـ الكلمة أنْ تفيضَ في الحديثِ عن التطوُّرِ التِّقنيِّ المتسارعِ في برامج الرَّحِم الصِّناعي، وانعكاساتِه على الأسرةِ الإنسانيَّةِ بعامَّةٍ، والأسرةِ المسلمةِ بخاصَّةٍ، وإنْ كان مِن هَمِّها أنْ تُشيرَ ولو مِن بَعيدٍ إلى تسارعِ هذا التطورِ ليَتبيَّن لنا خطرُ مُؤتمرِنا هذا، وأنَّه مُؤتمرٌ يَسبَحُ ضِدَّ أمواجٍ دَمَّرَتْ الأسرةَ الغربيَّة التي استَسلَمَتْ لطوفانِه المكتسح، وها هي تُواصلُ مسيرتَها للسيطرةِ على بلادِ العربِ والمسلمين.. وعينُها على ما تبقَّى لها مِن أخلاقٍ دينيَّةٍ وقِيَمٍ إنسانيَّة.
أمَّا قضيةُ المرأةِ التي تُناقَشُ اليومَ في مؤتمرِنا هذا؛ فإنَّها يمكنُ النَّظرُ إليها عَبْرَ زوايا ثلاث:
الأولى: زاويةُ «شَريعةِ الإسلام» التي حَرَّرت المرأةَ المسلمةَ مِن أغلالٍ وقيودٍ كبَّلَتها بها ثقافاتٌ جاهليَّة، عاصَرتْ ظهورَ الإسلامِ، وكان في مُقدِّمتِها: حضارةُ اليونانِ وفلسفتها المُمثَّلَة في قُطبَيها الكبيرَينِ: أفلاطون وأرسطو، وكذلك شريعةُ الرُّومانِ وعقائدُ الهندِ، وكُتُبٌ مقدَّسةٌ حمَّلَتِ المرأةَ وحدَها مسئوليَّةَ الخطيئةِ الأُولى، ثم جاهليَّةُ العربِ التي صادَرَتْ على المرأةِ حقَّ الحياةِ، وحقَّ التَّعلُّمِ، وحقَّ التَّملُّكِ، وحقَّ الميراثِ، إلى آخِرِ ما تعلمونه حضراتُــــكم ويضيقُ الوقتُ عن تذكيرِكم به.
وفي هذا الجَوِّ المُهين للمَرأةِ ظَهَرَ الإسلامُ وكان له في شأنِها كلِمَةٌ تاريخيَّةٌ حاسِمةٌ، ولو أنَّه صَمَتَ في تلكم الأثناء عن مَظالِمِ المرأةِ وهضم حقوقها ما توجَّهَ إليه عَتْبٌ ولا لَوْمٌ، فقد كانتِ الدُّنيا بأسرِها ضِدَّ المَرأةِ، وضِدَّ كرامتِها الإنسانيَّة، غيرَ أنَّ نبيَّ الإسلامِ ما لبث أنْ صَدَعَ في النَّاسِ بما يصدم وعيهم ويقلب نظامهم الاجتماعي رأسًا على عقب حين تَلا عليهم: ▬يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا♂ [النِّسَاء: 1]، ▬وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً♂[الروم: 21]، ▬وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا♂ [النِّسَاء: 19]، ▬وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ♂[البَقَرَة: 228]، ▬وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ♂[البَقَرَة: 231]، ▬فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ♂ [الطلاق: 2]، ▬وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ♂ [الطلاق: 6].
ثُمَّ لم يَلبثْ هذا النَّبيُّ الكريمُ أنْ نادَى في أَصْقاعِ العَربِ في حواضرِها وبواديها، فأَعْلَنَ أنَّ: «النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»([1])، وكان مِن أواخِرِ كَلِماتِه وهو يُودِّعُ حياتَه الشَّريفة: «…اتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ»([2]). وقد أَوقَفَ وإلى الأَبَدِ وَأْدَ البناتِ، ومَلَّكَ المرأةَ حقوقًا لم تعرفها من قبل، وسَبَقَت بها نظيراتِها في العالَمِ بأربعةَ عشَرَ قرنًا مِنَ الزَّمانِ: ملَّكها حقَّ الإرثِ، وحقَّ التَّعليمِ، وحقَّ اختيارِ الزَّوجِ، وجعَلَ لها ذمَّةً ماليَّةً مُستقِلَّةً عن زوجِها، تَتصرَّفُ فيها تَصرُّفَ المالكِ في مِلكِه الخالصِ، معَ الاحتفاظِ باسم عائلتِها حتَّى لا تَذُوبَ شخصيَّتُها في شخصيَّةِ شريكِها، وسَاوى بينها وبين الرَّجُلِ في التَّكاليفِ وفي تحمُّلِ المسئوليَّةِ، وساوى بينهما في حَقِّ الفُرقة والانفصال، فأعطى الزوج حقَّ الطلاق وأعطى الزوجة حقَّ الخُلْع.
ومعلومٌ أنَّ هذه الحقوقَ كفيلة بأنْ تَصنَعَ مِن المرأةِ وفي أيِّ مجتمعٍ عُنصرًا خلَّاقًا لا يَقِلُّ شأنًا عنِ الرَّجُلِ إنْ لم يَزِدْ عليه، وقد صَحَّ أنَّهُ ☺ قالَ: «… فَلَوْ كُنْتُ مُفَضِّلًا أَحَدًا لَفَضَّلْتُ النِّسَاءَ على الرِّجَالِ»([3]). وهذا التَّفضيلُ أيُّها الحضور الكريم! ليس مِن بابِ جبرِ الخاطرِ لضعيفٍ مهيضِ الجناحِ مهضومِ الحقوق، وإنَّما هو إنصافٌ مُستَحَقٌّ لميزاتٍ وخصائصَ، كثيرًا ما تَتفوَّقُ فيها النِّساءُ، ويَفضُلنَ بها الرِّجالَ.
هذا؛ ورُغمَ امتِلاكِ أُمَّتِنا هذهـ الكنوزَ الكافِلةَ لرُقيِّ المرأةِ وتأهيلِها لتحمُّلِ مسؤولياتِها التَّربويَّةِ والاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّةِ والسِّياسيَّة. إلَّا أنَّ وضعَ المرأةِ لا يزالُ وضعًا غريبًا على فلسفةِ الإسلامِ ورُوحِ تشريعاتِه المُستَمَدَّة مِن القُرآنِ والسُّنَّةِ المُطهَّرة..
وتعليل هذهـ المفارقة هو ما يُوضِّحه منظور الزاوية الثانية:
وهو: أنَّه حَدَثَ في بعض محطَّاتٍ مُعيَّنةٍ مِن مَسيرةِ فقه المرأة ما يُشبِهُ السَّيْر في الاتجاه المُعاكس أو المقابل لاتِّجاهِـ نُصوص الشَّريعة، وذلك حين طغَى على أفهام البعض وعلى مُمارساتهم مَنطقُ العَادات والتَّقـاليد والعُرف المتوارث، وتغلَّب على هَدْي «التَّشريعاتِ» القُرآنية والنَّبويَّة الواردة في إنصافِ المرأة وتمكينِها من حقوقِها.
وقد نتجَ عن هذا الوضع المعكوس ثقافة شعبيَّة صادَرَتْ كثيرًا من حقوقِ المرأة الشَّرعيَّة، وجعلت من المرأة المسلمة أنموذجًا للضَّعفِ والانزواءِ بين الجُدران، واعتياد المظالم والصَّبر عليها، وذلك في الوقت الذي استطاعت فيه زميلتها في الغربِ والشَّرقِ أنْ تكسرَ كل هذه القيود.
وحتى أقطع الطريق على بعضِ المُتربِّصين مِمَّن يَتصيَّدونَ كلمة من هنا أو جملة من هناك أُؤكِّد على القول بأنِّي لا أنظر إلى المرأةِ الغربيَّة اليوم بحسبانها أنموذجًا أمثل ندعو المرأة المسلمة لاستلهامه أو تقليدهـ أو اتخاذهـ مثالًا يُحتذى به في نهضتِها المعاصرة، كما أُوكِّد على أنَّ المرأةَ المسلمة إنْ فَعَلَتْ ذلك فإنَّها ستكون في أفضل أحوالها كالمستجير من الرمضاءِ بالنَّار. وما أردته من هذهـ المقارنة السريعة هو توضيح المفارقة بين المرأة المسلمة التي تُعاني التَّشوش والاضطراب فيما تأتي وما تَدع، رغم امتلاكها شريعةً إلهيَّةً تؤهِّلها لأنْ تكون عُنصرًا خلَّاقًا في بناءِ المجتمعات المعاصرة، وبين المرأة الغربيَّة التي استطاعت أنْ تتخلَّصَ من عوائقها رغم افتقادها هذا النُّورَ الذي تمتلكه أختها المسلمة.
والزاويةُ الثالثة التي يمكن أنْ ننظُر منها إلى وضع المرأة المسلمة هي: أنَّ هذه الجوانب المحدودة من إرثِنا الثقافي الشَّعبي، والذي خَفَتَ فيه صوت الدِّين بتأثيرٍ مِن سطوة العادات والتَّقاليد نشأت عنه حالة من التِّيه أربكت المرأة المسلمة المعاصرة، وأفقدتها بعض توازناتها.. وقد تمثَّل ذلك في ظواهر سلبيَّة عديدة:
منها: ظاهرةَ: «المُغالاة في المُهور»، تلك التي صَمَتَ العُلَماء صَمتًا مُريبًا عنها وعن ترسُّخها في عاداتِ النَّاس، وكان واجب العُلماء والدُّعاة أنْ يتصدَّوا لمقاومة هذه الظاهرة، وأنْ يضربوا الأمثال للنَّاسِ بأنفسِهم وأولادِهم وبناتِهم، لتشجيعِهم على التخلص من هذه الظَّاهرة التي جعلت من «الزَّواج» أمرًا عسيرًا على الشباب من البنين والبنات.. وذلك على الرغم مِمَّا تُطالعنا به النُّصوص الشرعيَّة الصَّريحة من يُسْرِ المُهور، والاكتفاء فيها بأيْسَرِ الأشياء وأقلِّها ثمنًا، ومن المعلوم في فلسفةِ الإسلام في قضيةِ المهر أنَّه ليس أكثر من «رَمْز» للتَّعبيرِ عن الرَّغبةِ القلبيَّة الصَّادقة في الارتباطِ بالزَّوجة، وليس مَظْهَرًا للسَّفَهِ أو البَذَخ والمباهاة، وما يستتبع كلَّ ذلك من تكاليفَ ومغارمَ تضطرُّ الأُسَر البسيطة إلى الاقتراضِ والاستِدانةِ ومُعاناة همومٍ وآلامٍ نفسيَّةٍ تُصاحبُها طويلًا، وتَقضُّ مضجعَها ليلًا ونهارًا.. مع أنَّ نبيَّ الإسلام صلوات الله وسلامه عليه نزل في مقدار «المهر» وتيسيرهـ إلى مستوى خاتمٍ مِن حديد، بل اكتفى فيه بأن يحفِّظ الزَّوجُ زوجتَه سورةً من سورِ القرآنِ، ولم يكن ذلك منه ☺ حطًّا من قَدْرِ الزَّوجة أو إزراءً بهذه الرابطة المُقدَّسة، بل كان من قبيل وضع الأمور في مَوضعِها الصَّحيح، فالرَّغبةُ القلبيَّةُ، أو «الحُب» الذي يجمع بين قلبين متحابين هو عاطفةٌ نبيلةٌ ورابطةٌ مُقدَّسةٌ، دونها أموال الدُّنيا بأسرِها، وإذن فليكف فيها ما يُشيرُ إلى هذه العلاقة ولو من بعيد، ولعلَّ هذا ما دفعَ النبي ☺ لأنْ يوصيَ الشَّباب ومن ورائِهم: الأمة كلها باليُسرِ في «المهور»، وجعل من اليُسْرِ سُنَّةً من سُنَنِه ☺، بل تكليفًا شَرعيًّا يُثاب فاعله، وفي هذ الأمر يقول ☺: «خيرُ الصَّدَاقِ يُسراه»([4])، ويقول: «إنَّ أعظمَ النِّساء بركة أيسرهنَّ مؤنة» ([5])، وقال له شاب مرَّة: «إنِّي تزوَّجتُ على مائة وسِتِّينَ درهمًا، فاستكثرها النبي ☺، وقال للشَّابِّ: كأنَّــكُم تنحتونَ الفضَّة مِن عُرْضِ هذا الجَبَل»([6]).
ولخطر المغالاة في المهور على بناء الأسرة في المجتمع عزم أمير المؤمنين: عُمَر ؓ على سَنِّ قانونٍ يُحدِّد المهور عند مستوى يَستطيعه عامَّةُ النَّاس، ومَهَّدَ لذلك بخطبةٍ قال فيها: «ألا لا تُغالُوا في المهور؛ فإنَّها لو كانت مكرمةً في الدُّنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رَسُولُ الله ☺!؛ ما أصدق امرأة قطُّ من نسائِه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فمَن زاد منكم على «أَرْبعمائةٍ» شيئًا جَعلتُ الزيادة في بيت المال»، غير أن عمر لم يلبث أن تراجع عن المضي في تنفيذ فكرته هذه، حين وقفت له امرأة قرشية تقول: «ليس ذلك إليك يا عمر. فقال: ولِمَ؟ قالت: لأنَّ الله تعالى يقول: ▬وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا♂ [النساء: 20]»، فما كان من عُمر إلَّا أنْ قالَ: «اللهُمَّ عفوًا!» أخطأ عُمر وأصابت امرأة.
والآية لا تدعو إلى زيادةِ المهور أو الغلو في قيمتِها، ولكنَّها من باب التَّشديد على أنَّ «المهر» حَقٌّ خالصٌ للزوجة، لا يجوز للزوجِ أنْ يأخذَ منه لا قليلًا ولا كثيرًا، حتى لو كان ما دفعه مَهْرًا لزوجتِه «قنطارًا من ذهب» فهي على سبيل المبالغة في تحذيرِ الزَّوج من أنْ تمتدَ يَدُهـ إلى مَهْرِ الزَّوجة.
وقد ترتَّبَ على ظاهرةِ المُهور الغالية ظاهرة أخرى، هي:
ظاهرةِ العنوسة وظاهرةِ العزوبة التي يُعاني الشَّباب بسببِها، ضغوطًا نفسيَّةً لا يُستهانُ بها من أجلِ أنْ يحتفظَ بطُهرِه وعفافِه وطاعة أوامر ربِّه، وليس من شــــكٍّ في أنَّه لا حَلَّ والوضع كذلك إلَّا تيسيرُ الزَّواج وعودته لصورتِه البسيطة التي حثَّ عليها الإسلام، وإذا كُنَّا نُنادي اليوم بضَرورةِ تجديد الخطاب الدِّيني فإنَّ أوَّل خطاب يجب البدء بتجديدِه وإعادة إنتاجه هو هذا الموضوع.
ولا يتَّسِع المقام للحديثِ عن ظاهرةِ الاستغلال السَّيء لقضيةِ التَّعدُّد وقضية الطَّلاق، وهما ظاهرتان بَعُدَ فيها المسلمونَ بُعدًا ظاهرًا عن أحكامِ شريعتهم ومقاصدها في احترامِ إنسانيَّة المرأة، وحقها في مُراعاةِ مشاعرها..
واسمَحوا لي في نهايةِ كلمتي أنْ أتلوَ على مسامعكم وفي دقائق معدودات ما أَقرَّته هيئةُ كبار العلماء بالأزهر الشريف وبعد مناقشات مستفيضة من قراراتٍ صَدَرَتْ في شأنِ حقوق المرأة في عصرِنا هذا، وكانت كالتالي:
- تجب المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، ومعيارُ التفاضل بين الجنسين يقتصر على الكفاءة والإتقان لا على اختلاف الجنس.
- التأكيد على إعطاء المرأة حَقَّها في الميراث الشرعي ورفضِ المساس بنصيبِها ورفض الدعوات التي تنادي بالمساواةِ المُطلَقة بين الرجالِ والنِّساء لأنَّها تخالفُ النُّصوص القطعيَّة.
- لا يحقُّ للوليِّ منع تزويج المرأة برجلٍ كفء ترضاهـ إذا لم يكن للمنعِ سببٌ مقبول، وللقاضي إذا رُفع إليه أمرها أنْ يزوِّجها.
- يجوز أن تتقَلَّد المرأة كافَّة الوظائف التي تصلح لها؛ بما فيها الوظائف العُليا بالدولة.
- يجوزُ للمَرأةِ في زمانِنا أنْ تسافرَ بغير محرم؛ متى كان سفرها آمنًا بصحبةٍِ تُرافِقُها أو بوسيلةٍ من وسائل السَّفر يمنع تعرُّضها لما تكره.
- القوامة لا علاقة لها بتفضيل الرجل على المرأة، وليست سلطة استبدادية للزوج، بل مسؤولية تامَّة عن المرأة، وما يلزمها من أعباءِ الحماية، والرعاية، والنَّفقة.
- تحريمُ العُنف الأُسَري بكلِّ أشكالِه، والعنف ضِدَّ المرأة خاصَّة.
- التحذير من المُغالاةِ في المهور، ومن فوضى الطَّلاق.
- الطَّلاقُ تعسُّفًا بلا سببٍ معتبرٍ شَرْعًا حرام، ويُؤاخذُ عليه شرعًا، سَواءٌ أكان برغبة المطلق أم بطلبٍ من الزوجة؛ لما فيه من إضرارٍ بالأسرة وبخاصَّةٍ الأطفال، ولمنافاته أخلاقَ الشَّريعة، ولإخلالِه بما أرادهـ الشَّرعُ للزواج من استقرارٍ واستدامة، ويجب تجنُّبه قَدْرَ الإمكان للحدِّ من فوضى الطلاق.. والتحكيمُ في النزاع بين الزوجين قبل إيقاع الطلاق مأمورٌ به شَرْعًا، وعلى العُلماء المُختصِّين بالفتوى أنْ يأخذوا بأيسَرِ الأقوال عند بيان الحُكم الشَّرعي فيما يُعرض عليهم من حالاتِ الطَّلاق.
- يجب تعويض الزَّوجة المشاركة في تنمية ثروة زوجها، بأنْ تأخذ مِن التَّرِكة قبل قسمتِها ما يعادل حقها؛ إنْ عُلِم مقداره، أو يُتصالح عليه بحسب ما يراه أهل الخبرة والحكمةإنْ لم يُعْلَم مِقدارُه.
هذ؛ وفي ختامِ كلمتي يُسْعِدُني أنْ أتقدَّمَ بخالص الشُّكر والتقدير لمعالي المستشارة/ أمل عمَّار، رئيسِ المجلس القومي للمَرأة، وللدكتورة/ أفنان الشُّعيبي، المديرةِ التنفيذيَّة لمُنظَّمةِ تنمية المرأة بدولِ مُنظَّمة التَّعاون الإسلامي، ولكلِّ مَن شارَكَ في تنظيم هذا المؤتمر، لما بَذلُوهـ من جُهدٍ في سبيلِ إعدادهـ، وتقديمه بهذه الصُّورة المشرِّفة واللائقة بالأزهرِ الشَّريف وبالمجلس القومي للمرأة.
شُكْرًا لِحُسْنِ اسْتِماعِكُمْ. والسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
تحريرًا بمشيخةِ الأزهر الشَّريف؛
في: 10 من شـــعبان سـنة 1447ﻫ أحــمد الطـيب
المـــوافـق: 29 من يناير سـنة 2026 م شــيخ الأزهــر
([1]) أخرجه أبو داود (236) والترمذي (113) وابن الجارود في «المنتقى» (90) من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقال ابن حجر في «موافقة الخُبر الخَبر»: 2/26: «حديث حسن».
([2]) أخرجه مسلم: (1218) والبيهقي، في: شعب الإيمان: (5262).
([3]) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير»: 11/354 (ح11997)، وقال ابن حجر في «فتح الباري»: 5/214: «إسناده حسن».
([4]) أخرجه أبو داوود: (2117)، والحاكم في المستدرك: (2775).
([5]) أخرجه أحمد: (2516)، والنسائي في السُّنَن الكبرى: (9274).
([6]) أخرجه مسلم: (1424) من حديثِ أبي هريرة.
المصدر: صدى البلد
