في أعقاب الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في يناير، كثفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغوطها على كوبا، عبر السعي إلى دفع ما تبقى من حلفائها لوقف إمدادات الوقود إلى الجزيرة، في خطوة تقول واشنطن إنها “تهدف إلى إعادة صياغة المشهد السياسي”.

غير أن تساؤلات تبرز بشأن قدرة القيادة الشيوعية في هافانا، والتي تحكم البلاد بنظام الحزب الواحد منذ 67 عاماً، على تلبية مطالب إدارة أميركية تضع مسألة تغيير النظام ضمن حساباتها السياسية، بحسب صحيفة “فاينانشيال تايمز”.

وتنعكس تداعيات نقص الوقود بوضوح في الشارع الكوبي، إذ تمتد طوابير السيارات لساعات أمام محطات البنزين، بينما تُوقف محطات توليد الكهرباء العاملة بالنفط تشغيلها لفترات أطول للحفاظ على المخزون المحدود.

كما أُبلغت شركات الطيران بعدم توفر كميات كافية من وقود الطائرات، في حين تتكدس القمامة في الشوارع لتعطل شاحنات النظافة.

وحذر دبلوماسيون ومسؤولو الأمم المتحدة في الجزيرة من مخاطر تفشي الأمراض واتساع نطاق الجوع، في ظل تعطل الخدمات الأساسية، إذ قال دبلوماسي من أميركا اللاتينية في هافانا إن “ما يحدث هو محاولة متعمدة لخلق أزمة إنسانية.. إنها حرب تُخاض بوسائل أخرى”.

في المقابل، أبدى الرئيس الكوبي ميجيل دياز كانيل استعداداً للحوار، معلناً الأسبوع الماضي أن بلاده منفتحة على إجراء محادثات مع الولايات المتحدة “من دون شروط مسبقة ومن موقع الند للند”.

وفي 31 يناير، أكد ترمب أن الاتصالات بدأت بالفعل، مضيفاً أن الأزمة “لا ينبغي أن تتحول إلى كارثة إنسانية”، مشيرا إلى احتمالية التوصل إلى اتفاق.

كيف نشأت التوترات بين واشنطن وهافانا؟

تعود جذور التوتر بين هافانا وواشنطن إلى عام 1959، حين أطاح فيديل كاسترو ورفاقه بالرئيس المدعوم أميركياً فولجنسيو باتيستا، لتبدأ مواجهة مستمرة منذ أكثر من 6 عقود. 

ومنذ فرض الحظر التجاري الأميركي عام 1962، ظل الاقتصاد الكوبي يعاني قيوداً مزمنة أثرت في قدرته على النمو، إلا أن مراقبين يشيرون إلى أن جزءاً من الأزمة الراهنة يعود إلى سياسات داخلية.

فبعدما كانت كوبا من كبار مصدري السكر عالمياً، تراجع إنتاجها إلى مستويات دفعتها لاستيراده من البرازيل، كما تسبب الإغلاق الطويل خلال جائحة كورونا في إضعاف قطاع السياحة، أحد أهم مصادر العملة الصعبة.

وفي وقت عززت فيه جمهورية الدومينيكان جاذبيتها السياحية بفنادق أحدث وخدمات أفضل، خسرت كوباً جزءاً من حصتها في سوق السياحة الإقليمية، إضافة إلى تراجع تنافسية صادراتها التقليدية. 

وتعكس الواجهة البحرية لهافانا حجم التراجع، حيث تطل مبانٍ فندقية مهجورة على الساحل، من بينها فندق “ريفييرا” الذي شُيد قبيل الثورة، كما تبدو المنشآت التي كانت يوماً ما رمزاً لازدهار السياحة متآكلة بفعل الزمن، في مشهد يختصر التحديات الاقتصادية الراهنة.

ورغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها البلاد خلال الجائحة، واصلت السلطات الرهان على تعافٍ سريع لقطاع السياحة، في استراتيجية تعكس سعيها لاستعادة تدفقات العملة الصعبة، وسط أزمة متصاعدة تضع الجزيرة أمام خيارات صعبة في المرحلة المقبلة.  

وأنفقت شركة “جايسا”، الخاضعة لسيطرة الجيش والتي تدير نحو نصف الاقتصاد الكوبي، مئات الملايين من الدولارات على بناء فنادق فاخرة جديدة. 

وقال رجل أعمال كوبي إن مسؤولين حكوميين توقعوا قدوم ما بين مليون ومليوني سائح من الصين وروسيا بعد الجائحة، “لكنهم لم يأتوا”، مضيفاً أنه بحلول عام 2024 اضطرت السلطات للاعتراف بفشل الرهان.

ويجسد برج “توري كيه” الذي بلغت كلفته 200 مليون دولار هذا التوجه، إذ يعد أعلى مبنى في هافانا بارتفاع 42 طابقاً، وافتتح العام الماضي في حي فيدادو، موفراً أكثر من 500 غرفة فاخرة لسوق شبه غائبة.

وتراجعت الرحلات الدولية إلى مطار خوسيه مارتي الدولي بالتوازي مع انخفاض أعداد السياح ونقص الوقود، إذ يقول أصحاب الفنادق إن قرار إدارة ترمب عام 2021 منع زوار كوبا من الاستفادة من برنامج الإعفاء من التأشيرة ESTA ألحق ضربة قاسية بالسياحة الأوروبية.

وعلى مقربة من المدرج الرئيسي، تصطف طائرات قديمة تعود إلى الحقبة السوفياتية تابعة لشركة “كوبانا دي أفياثيون” الخاضعة لعقوبات أميركية.

وكان “تصدير الأطباء” يشكل مصدراً رئيسياً آخر للعملة الصعبة، إذ تشير تقديرات وزارة الخارجية الأميركية إلى أن العائدات تصل إلى 8 مليارات دولار سنوياً، في برنامج تقول هافانا إنه تضامني، بينما تثير منظمات حقوقية مخاوف بشأن القيود المفروضة على المشاركين فيه.

والعام الماضي، استهدفت واشنطن ما وصفته بـ”نظام تصدير العمل القسري”، وألغت تأشيرات مسؤولين مرتبطين بجلب الأطباء الكوبيين، ما قلّص عدد الدول المستقبِلة لهم.

حلفاء غائبون

وخارجياً، تضاءلت شبكة الحلفاء التقليديين، فموسكو منشغلة بحرب أوكرانيا، وبكين أقل انخراطاً، كما أن تحول عدد من حكومات أميركا اللاتينية نحو اليمين قلّص الدعم الإقليمي، في وقت تبدو فيه المكسيك أكثر حرصاً على إرضاء واشنطن.

وجاءت الضربة الأشد مع اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعملية أميركية في 3 يناير، ما أفقد هافانا أبرز داعميها. 

وكانت فنزويلا، منذ عهد هوجو تشافيز، تؤمّن أكثر من نصف احتياجات الجزيرة من النفط، إضافة إلى قروض ومشاريع بنى تحتية مقابل إرسال أطباء ومستشارين كوبيين.

أما في داخل كوبا، تفاقمت أزمة الكهرباء منذ 2024 مع تعطل مولدات قديمة تعمل بالنفط ونقص الوقود.

وفي أحياء من هافانا تنقطع الكهرباء لساعات أطول مما تتوافر، بينما تمتد الانقطاعات خارج العاصمة لأكثر من 24 ساعة، ما يعقد حفظ الغذاء في ظل الحرارة المرتفعة.

ومع انهيار الاقتصاد، تتحول الحياة اليومية في كوبا إلى صراع أشد قسوة، فالعاملون في القطاع الحكومي يتقاضون أجوراً لا تكفي للتسوق في المتاجر الخاصة التي تبيع بأسعار السوق الحرة، لكنها باتت المصدر الوحيد لمعظم المواد الغذائية والسلع الأساسية.

ويعادل راتب الطبيب أو أستاذ الجامعة نحو 20 دولاراً شهرياً وفق سعر الصرف في السوق السوداء، فيما لا يتجاوز معاش المتقاعد نصف هذا المبلغ.

ورغم قسوة الظروف، يتجنب معظم الكوبيين الشكوى علناً خشية أن ترصدهم الأجهزة الأمنية المنتشرة بملابس مدنية، إذ كانت الاحتجاجات الواسعة عام 2021 قد سُحقت سريعاً. 

وعلى مدى عقود، شكلت معايير التعليم والرعاية الصحية في كوبا مصدر إعجاب لدول نامية عدة، لكن هذا التفوق تآكل.

وأمام تفاقم الأزمة، اضطرت السلطات الشيوعية إلى الإقرار بحجم المعاناة، ففي يوليو الماضي، أُجبرت وزيرة العمل مارتا إلينا فييتو على الاستقالة بعد إنكارها وجود متسولين في البلاد وادعائها أن طالبي المال “يتظاهرون بالفقر”.

“إسقاط النظام”

وأقر الرئيس ميجيل دياز كانيل، ثالث زعيم للبلاد منذ 1959، هذا الشهر بوجود “وضع طاقة معقد”، مع توقف إمدادات النفط من فنزويلا منذ ديسمبر الماضي، دون أن يطرح حلولاً تتجاوز المزيد من التقشف. 

ويرى خبراء أن نموذج “إزاحة رأس النظام” الذي طُبق في كاراكاس لن ينجح في كوبا، لغياب بديل مستعد لتفكيك سيطرة الدولة على الاقتصاد.

وبينما يفتقر دياز-كانيل إلى كاريزما الأخوين كاسترو، ما زال راؤول كاسترو يحتفظ بنفوذ غير رسمي رغم تقدمه في السن. 

ويرى مراقبون أن نجاح الدولة في قمع الاحتجاجات أضعفها سياسياً، إذ لا توجد معارضة منظمة ولا تيار إصلاحي واضح داخل النظام.

في الإطار، قال ويليام ليوجراند، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية بواشنطن، إن الظروف السياسية “أصعب على الحكومة مما كانت عليه في التسعينيات”.

وأضاف: “لم يعد هناك فيدل كاسترو لحشد الدعم، وهناك ميل أكبر لتحميل الحكومة مسؤولية الفوضى الاقتصادية، لكن إعلان الولايات المتحدة صراحة نيتها قطع النفط يمنح الحكومة ذريعة لحشد الأنصار”.

وتابع ليوجراند: “الإدارة تقول إنها لا تريد زعزعة استقرار كوبا، لكنها تتبع استراتيجية اقتصادية مصممة لإسقاط النظام الاجتماعي.. إنه رهان خطير على أن تستسلم الحكومة قبل أن ينهار المجتمع، وقد يكون تقديراً خاطئاً”.

وبعد الإطاحة بالرئيس الفنزويلي، تمضي إدارة ترمب قدماً في تصعيدها ضد هافانا، ففي 29 يناير، وقع ترمب أمراً تنفيذياً اعتبر فيه الجزيرة “تهديداً غير عادي واستثنائياً” للولايات المتحدة، ما يتيح فرض رسوم إضافية على أي دولة تبيعها النفط، في خطوة تعادل فعلياً حظراً نفطياً. 

وتنتج كوبا نحو 30 ألف برميل يومياً من أصل 110 آلاف تحتاجها، في المقابل، ويطالب بعض أعضاء اللوبي الكوبي-الأميركي في الكونجرس بتشديد الإجراءات، فيما يتبنى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو موقفاً أكثر حذراً، مؤكداً أن الإدارة تسعى لرؤية تغيير في النظام “لكن ذلك لا يعني أننا سنُحدثه”.

ويخشى مسؤولون أميركيون سابقون أن يؤدي انهيار كامل في كوبا إلى موجة لجوء واسعة نحو فلوريدا، ما قد يقوض تعهدات ترمب بخفض الهجرة غير النظامية. 

فترمب يتحدث عموماً عن الحرية وعودة الكوبيين-الأميركيين، بينما يشترط القانون الأميركي تلبية معايير محددة قبل رفع الحظر الاقتصادي. ويرى مراقبون أن الرهان الأميركي على خنق الاقتصاد لإجبار النظام على الاستسلام قد يكون محفوفاً بالمخاطر. 

ويُعتبر دياز كانيل مسؤولاً حكومياً مخلصاً، لكنه يفتقر إلى كاريزما الأخوين كاسترو، اللذين حكما كوبا منذ الثورة حتى تنحي راؤول، شقيق فيدل، عام 2018. 

ويحتفظ راؤول، البالغ من العمر 94 عاماً، بنفوذه خلف الكواليس، لكنه لا يشغل أي منصب رسمي. وقد زار ابنه، أليخاندرو كاسترو إسبين، وهو عقيد في الجيش، المكسيك مؤخراً، ما أثار تقارير في وسائل الإعلام الكوبية المعارضة تفيد بأنه التقى مسؤولين أميركيين.

شاركها.