يخوض رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر معركة لإعادة بسط سيطرته على حزب “العمال” بعد قبوله استقالة أقرب مستشاريه، مورجان ماكسويني، وسط غضب واسع أثاره تعيين بيتر ماندلسون سفيراً للولايات المتحدة، بسبب علاقته مع الملياردير الراحل المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين، بحسب صحيفة “الجارديان”.
وجاءت الاستقالة بعد أيام من الضغوط على خلفية الفضيحة، إذ قال رئيس ديوان رئاسة الوزراء المُستقيل، الأحد، إنه يتحمل “المسؤولية الكاملة” عن المشورة التي قدمها بإرسال ماندلسون إلى واشنطن، رغم علاقته المستمرة بإبستين، وهو ما أقرّ ماكسويني بأنه قوض الثقة في حزب “العمال” وفي السياسة بوجه عام.
كما قدم تيم آلان مدير الاتصالات في مكتب ستارمر الاثنين، استقالته بعد خمسة أشهر فقط من توليه المنصب.
ويأمل حلفاء ستارمر أن تسهم مغادرة أحد أقوى وأكثر مستشاري حزب “العمال” إثارة للجدل في التاريخ السياسي الحديث، في تهدئة الغضب المتصاعد بين النواب إزاء قيادته، وإبعاد المنافسين المحتملين.
غير أن فقدان الرجل الذي يُنظر إليه بوصفه “مهندس صعود ستارمر إلى السلطة” يُعد “ضربة قاسية”، فيما بات التركيز يتجه مجدداً إلى القرار الذي اتخذه رئيس الوزراء بتعيين ماندلسون.
ستارمر “مكشوف”
وقالت مصادر رفيعة في حزب “العمال” للصحيفة إن رحيل ماكسويني ترك رئيس الوزراء “مكشوفاً على نحو خطير” وهو يتجه إلى سلسلة من التحديات السياسية والانتخابية، من بينها الانتخابات الفرعية في جورتون ودنتون لاحقاً هذا الشهر، والتي قد تحدد مصيره السياسي.
وقال مصدر مقرب من مكتب رئيس الوزراء في داونينج ستريت: “خسر كير للتو جدار الحماية الخاص به، في قضية ماندلسون وكثير من القضايا الأخرى. إلى أين يظن أن الغضب سيتجه بعد ذلك؟”.
وأضاف أحد النواب: “في النهاية تتوقف المسؤولية عند رئيس الوزراء. كل ما حدث أنه اشترى لنفسه قليلاً من الوقت، لكنه جُرح جرحاً قاتلاً، والمسألة ليست ما إذا كان سيرحل، بل متى”.
وأشار مسؤولون حكوميون كبار إلى أن الضغوط على ستارمر ستتزايد مع التوقعات بنشر مئات الآلاف من الوثائق، بما في ذلك رسائل خاصة عبر تطبيق “واتساب” ورسائل بريد إلكتروني بين ماندلسون ومسؤولي “داونينج ستريت” ووزراء خلال وجوده في واشنطن.
وذكر مصدر مطلع إن هذه الوثائق ستُظهر أن فريق النزاهة والأخلاقيات في مكتب مجلس الوزراء حذّر من المخاطر الجسيمة على السمعة المرتبطة بتعيين ماندلسون، نظراً إلى صلاته المعروفة علناً بإبستين.
انتقادات متكررة
وقالت “الجارديان” إن فقدان ماكسويني يشكل ضربة لستارمر، الذي كان يعتمد على رأيه السياسي، في كثير من الأحيان على حساب رأيه الشخصي، رغم تعرض “داونينج ستريت” لانتقادات متكررة نتيجة ذلك. وكان يُعتقد أن الرجلين أجريا عدة محادثات خلال الأيام القليلة الماضية، حول مستقبل ماكسويني، قبل أن يتوصلا، الأحد، إلى اتفاق يقضي برحيله.
واتهم خصوم سياسيون وشخصيات بارزة داخل حزب “العمال” رئيس الوزراء بترك ماكسويني يتحمل تبعات تعيين ماندلسون، في حين أن القرار كان في نهاية المطاف ثمرة حكم ستارمر السياسي نفسه، وفق “الجارديان”.
واعتبر حلفاء لماكسويني أنه من الخطأ الإيحاء بأنه ضغط من أجل تعيين ماندلسون، إذ قال أحدهم: “قدّم نصيحته، وهذا كل ما في الأمر. كير هو من اتخذ القرار”.
وقال ماكسويني في بيان، الأحد: “بعد تفكير متأنٍ، قررت الاستقالة من الحكومة. كان قرار تعيين بيتر ماندلسون خاطئاً. لقد أضر بحزبنا وبلدنا وبالثقة في السياسة نفسها. وعندما طُلب مني الرأي، نصحتُ رئيس الوزراء بإجراء ذلك التعيين، وأتحمل المسؤولية الكاملة عن هذه النصيحة”.
وأضاف: “في الحياة العامة يجب تحمّل المسؤولية عندما يكون ذلك في أشد الأوقات أهمية، لا فقط عندما يكون الأمر أكثر ملاءمة. وفي هذه الظروف، فإن السبيل المشرف الوحيد هو التنحي”.
الحاجة “لإصلاح جذري”
ويرى ماكسويني أن عملية التدقيق في التعيينات تحتاج إلى “إصلاح جذري” بعد قضية ماندلسون. وقال: “لا يمكن أن يكون ذلك مجرد إجراء شكلي، بل ضمانة للمستقبل”.
وتلقى موظفو “داونينج ستريت” رسالة بريد إلكتروني، مساء الأحد، تؤكد أن ستارمر طلب من جيل كاثبرتسون وفيديا ألاكيسون، نائبي ماكسويني، تولي مهام رئيس الديوان بالإنابة، على أن يسري ذلك فوراً.
ومنذ وصول حزب “العمال” إلى السلطة، كان ماكسويني هدفاً لانتقادات بعض أعضاء الحزب من القاعدة الشعبية الذين شعروا بعدم الارتياح لأسلوبه وللمسار الذي كان الحزب يتجه إليه في قضايا من بينها الهجرة وخفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية.
وقال نائب كبير: “لقد آن الأوان. كان ماكسويني يقف وراء سلسلة من القرارات السيئة، لأنه لا يعرف أن يتصرف إلا بمنطق فئوي. على رئيس الوزراء أن يُحكم قبضته على الوضع وأن يُدخل طيفاً أوسع بكثير من الأصوات مقارنة بتلك التي استمع إليها حتى الآن”.
