خطيب بدلة

مَن ينظر، اليوم، إلى العنف الذي يطفو على سطح المجتمع السوري، لا بد أن يتساءل: هل هو عنف طارئ، أم كان متأصلًا في المجتمع؟ تحتاج الإجابة عن هذا السؤال، برأيي، إلى شخص متقدم في العمر، مثل كاتب هذه الأسطر، يعرف ماضي هذا المجتمع، ويشهد، الآن، حاضره.

أذكر أن بلدتي الصغيرة، معرة مصرين، كان تحتفظ بذكرى مقتل شخص، قبل زمن بعيد، وكان أهل البلدة يؤرخون بمقتله، فتقول سيدة ما: ولدت إبني يوم انقتل فلان! وحينما كنا نسأل كبار السن: كيف انقتل؟ لا نجد لديهم جوابًا قاطعًا.. كانوا يحكون عن فتنة، وفوضى، حصلت في ذلك التاريخ، أدت إلى مقتله، وهو، أي القتيل، لم يكن طرفًا في الاقتتال، ما يعني أنه قتل بالخطأ.

هذه الحكاية، تشبه حكايات يتداولها أهالي المدن والبلدات الأخرى، عن حادثة قتل قديمة، أصبحت تاريخًا بسبب ندرتها، وذاكرة الناس، في بعض القرى، كانت تخلو من أي حادثة.. ومما يؤسف له، حقيقة، أن ظهور العنف، فيما بعد، اتخذ طابعًا سياسيًا، فاعتبارًا من مطلع الخمسينيات، صرنا نشهد صراعات سلمية، بين التيارات السياسية المختلفة، تجلت على هيئة انقلابات عسكرية، بعضها كان يسفر عن وقوع قتلى، وبعضها الآخر، كان يسمى انقلابًا أبيض، ومع بداية الستينيات، أخذ العنف يتصاعد، بسبب الصراعات السياسية بين البعثيين والناصريين، وبين البعثيين والشيوعيين، وبين البعثيين والإخوان المسلمين، وأنا، شخصيًا، حضرت مشاجرات بعصي اللافتات، والقضبان، وأحزمة البنطلونات، والجنازير، بين هذه الفئات، وخلال هذه السنوات، بدأت السلطة الحاكمة تمارس العنف في المؤسسات الأمنية. كانت عقوباتها، في البداية، بسيطة، فخلال أيام الوحدة مع مصر، كان “المكتب الثاني” يعتقل الشيوعيين، والإخوان المسلمين، والتوقيف لا يستغرق سوى زمن قصير، والتعذيب كان يمارس بالفلقة العادية، أو بالدولاب، وفي أثناء حكم البعث، شهدت بعض المدن دخول الدبابات، وعربات الجنود، وقُصف بعض المساجد، وهذا كله لم يكن سوى بوادر، أو إرهاصات، أو بروفات بسيطة على العنف المنظم الذي أسسه نظام حافظ الأسد، ففي زمانه صار المعتقلون الجدد يتندرون على الأشخاص الذين تعرضوا للتوقيف سابقًا، فيقول واحد للآخر: أكلت لك كفين في المكتب الثاني، أيام الوحدة، جاية هلق تحكي لنا عن نضالك اللي بيهوي؟ تعا تفرج عالتعذيب اللي بيخلي الواحد يتمنى الموت وما يلاقيه.

ولكن، حتى العنف المخابراتي، الذي كان نظام الأسد يمارسه على المعتقلين، قبل عملية مدرسة المدفعية التي وقعت يوم 16 من حزيران 1979، أقل بكثير من العنف الذي انطلق من عقاله، بعد هذا التاريخ، ويجدر بنا، في هذا المقام، أن نقر بأنه لم يعد يقتصر على السلطة، بل أصبح متبادلًا، فالطليعة المقاتلة، وهي الجناح العسكري لتنظيم الإخوان المسلمين، بدأت باغتيال شخصيات سياسية وعسكرية وأمنية، وبلغت أعمالها الذروة بعملية المدفعية، وتجلت في أحداث حماة، 1982، والقمع الذي انتهجه نظام الأسد، بدأ مدروسًا، ومقننًا، ثم انفلت من عقاله، وتحول إلى مجازر تُرتكب في وضح النهار.. وأما نحن، فقد كنا نؤرخ بمقتل شخص واحد، وصرنا نؤرخ بالمجازر.

المصدر: عنب بلدي

شاركها.